هل تأخرنا في تخصيص سكك الحديد؟

|
في عام 1418 هـ، حدد مجلس الوزراء في القرار رقم (60) وتاريخ 1/4/1418هـ (8) أهداف وأسس وشروط يجب تحققها عند تخصيص أي من الخدمات والنشاطات الحكومية، وهذه الأهداف هي: 1- رفع كفاءة الاقتصاد الوطني وزيادة قدرته التنافسية لمواجهة التحديات والمنافسة الإقليمية والدولية. 2- دفع القطاع الخاص نحو الاستثمار والمشاركة الفاعلة في الاقتصاد الوطني وزيادة حصته في الناتج المحلي بما يحقق نمواً في الاقتصاد الوطني. 3- توسيع نطاق مشاركة المواطنين في الأصول المنتجة. 4- تشجيع رأس المال الوطني والأجنبي للاستثمار محلياً. 5- زيادة فرص العمل والتشغيل الأمثل للقوى الوطنية العاملة ومواصلة تحقيق زيادة عادلة في دخل الفرد. 6- توفير الخدمات للمواطنين والمستثمرين في الوقت وبالتكلفة المناسبين. 7- ترشيد الإنفاق العام والتخفيف عن كاهل ميزانية الدولة بإتاحة الفرصة للقطاع الخاص بتمويل وتشغيل وصيانة بعض الخدمات التي يمكنه القيام بها. 8- زيادة إيرادات الدولة عن طريق عائد المساهمة في النشاط المراد تحويله للقطاع الخاص وعن طريق ما تحصل عليه من مقابل مالي مثل ما تحصل عليه عند منح الامتيازات وكذلك عن طريق الإيراد المحصل من بيع الدولة لجزء من حصتها. تهدف الدولة إلى تحقيق نتائج مالية إيجابية من التخصيص. ويتضح من هذه الشروط أن الهدف الرئيس من تخصيص أي قطاع حكومي ينصب في الحد من أو وقف الإنفاق الحكومي من ناحية ورفع مستوى الأداء في هذه الخدمات والنشاطات من خلال تبني معايير أداء وتشغيل وربحية تجارية صرفة وتوفير عوائد إضافية للدولة. كما نص قرار مجلس الوزراء رقم (257) وتاريخ 11/11/1421هـ على أن يتولى المجلس الاقتصادي الأعلى مسؤولية الإشراف على برنامج التخصيص ومتابعة تنفيذه وما يتطلبه ذلك من تنسيق بين الجهات الحكومية وتحديد للنشاط الذي يستهدفه التخصيص، وأن تصدر قائمة النشاط المستهدف بالتخصيص بقرار من مجلس الوزراء وأن يضع المجلس الاقتصادي الأعلى خطة استراتيجية وبرنامجاً زمنياً لتحقيق ذلك. وقد تم ترشيح (20) خدمة ونشاطا حكوميا ضمن برنامج التخصيص في المملكة، وفي هذه السلسلة من المقالات حول وضع ومستقبل برنامج التخصيص في المملكة، نستعرض ما تم من عمليات تخصيص حتى تاريخه والنشاطات والخدمات التي ينبغي أن تأخذ الأولوية وتعتبر من أوضح وأفضل النشاطات القابلة والمغرية للتخصيص، كما يرغب القطاع الخاص بالاستثمار فيها بشكل كبير، وهي نشاطات وخدمات حتماً تحقق الأهداف الرئيسية الثمانية من برنامج التخصيص في المملكة بشكل كبير، وتبرز خدمات السكك الحديدية والقطارات والمترو داخل وخارج المدن كأول هذه النشاطات، فمن خلال مشاركة القطاع الخاص بنموذج مشاركة مثل (BOT – بناء – تشغيل – نقل) في هذه الخدمات، يمكن تحقيق الأهداف الاقتصادية التالية: 1- عدم تحمل المال العام أي نفقات رأسمالية أو تشغيلية لسكك الحديد الحالية أو المستقبلية، فالقطاع الخاص ومن خلال نموذج الاستثمار والمشاركة المناسب سوف يتحمل جميع المصاريف الرأسمالية والتشغيلية المطلوبة لتأسيس سكك حديد جديدة أو مترو أو تطوير مواقع حالية أو بناء محطات داخل وخارج المدن، وذلك مقابل عائد عادل للطرفين – الدولة والمستثمر الخاص. 2- توفير عوائد إضافية للدولة من خلال المشاركة في عوائد تشغيل القطارات مما يزيد من تنويع مصادر إيرادات الدولة بدلاً من الاعتماد على عائدات النفط. 3- رفع مستوى الأداء والخدمات المقدمة للمواطن (العميل والمستهدف من التخصيص)، حيث تخضع معايير الأداء في القطاع الخاص لمعايير ومتطلبات عمل مختلفة عن تلك الموجودة في القطاع العام. ويعتبر تخصيص خدمات سكك الحديد والقطارات ليس فقط ناجحاً من الناحية الاستثمارية ودراسات الجدوى ولكنه أثبت نجاحه وكفاءته وحقق أهم شروط وأهداف التخصيص ، التي من أهمها عدم تحميل المال العام أي تكاليف تطوير أو تشغيل إضافة إلى تحسين الأداء والخدمات وتوفير إيرادات إضافية للدولة، ويكفي لتأكيد ذلك النظر في عدد من التجارب الدولية والإقليمية ومنها: 1- تخصيص خدمات القطارات والمترو في بريطانيا ، التي كانت ضمن تجربة بريطانيا في التخصيص في الثمانينيات والتسعينيات الميلادية إبان فترة رئاسة مارغيرت تاتشر لبريطانيا وتبنيها إصلاحات اقتصادية واسعة. وقد أثبتت تجربة بريطانيا في تخصيص سكك الحديد نجاحا من خلال توفير النفقات العامة وتوفير عائد إضافي للدولة مع تحسين الأداء. 2- مترو القاهرة - وهو نموذج عالمي - تم تطويره وتشغيله فترة من الزمن من قبل إحدى الشركات العالمية المتخصصة في تطوير وإدارة القطارات والمترو، ومترو القاهرة لم يكلف الدولة أي مبالغ بل إنه وفر في الميزانية العامة للدولة من خلال عدم تخصيص أي مبالغ مالية حكومية لتطوير وتشغيل المترو ، كما أنه وفر عوائد مالية إضافية للدولة من خلال المشاركة في الإيرادات مع الشركة المشغلة. 3- التجارب الدولية في أوروبا وأمريكا وسنغافورة وماليزيا وغيرها من الدول المتقدمة تثبت نجاح تجارب تخصيص سكك الحديد والقطارات. أما في المملكة، فمازلنا نرى تخصيص وصرف مبالغ عالية من ميزانية الدولة على تطوير وتشغيل سكك الحديد، ومن هذه المشاريع: 1- مشروع قطار الحرمين (المرحلة الأولى) - المنفذ من وزارة الشئون البلدية والقروية - والذي تم صرف أكثر من (6) مليارات من ميزانية الدولة، والحديث عن مبالغ إضافية إما كغرامات مالية من المقاول الصيني أو لغرض تنفيذ المراحل القادمة أو إنشاء محطات إضافية أو تشغيل المحطات والقطارات. 2- القطارات بين بعض المدن - المنفذ من وزارة النقل - والذي تم تخصيص أكثر من (9) مليارات من ميزانية الدولة له. 3- قطارات أو مترو داخل المدن مثل الرياض وجدة وغيرهما - المنفذ من أمانات المدن - والذي تم تخصيص عشرات المليارات من ميزانية الدولة لها. 4- مشاريع قطار أخرى قد تكون تحت التخطيط من بعض الجهات الحكومية الأخرى. في خضم هذه المشاريع، لا نملك إلا أن نتساءل ماذا يحدث؟ لماذا الصرف على مثل هذه المشاريع من ميزانية الدولة بينما يمكن العمل على تخصيص هذه الخدمات بشكل ناجح ومربح للدولة والقطاع الخاص على حد سواء وتوفير مئات المليارات على ميزانية الدولة، ولماذا تعمل جهات حكومية مختلفة على تطوير وتشغيل قطارات وكأنه لا توجد جهة حكومية مسؤولة تنظيمياً وقانونياً وإدارياً ومالياً ورقابياً عن سكك الحديد والقطارات والمترو وهي المؤسسة العامة لسكك الحديد؟ وكحل استراتيجي ينبغي إعادة آلية العمل على جميع هذه المشاريع ووقفها وتحويلها للمؤسسة العامة لسكك الحديد، الجهة الشرعية والطبيعية لإدارة خدمات سكك الحديد والقطارات والمترو، على أن يتم تحويل المؤسسة العامة لسكك الحديد إلى هيئة تشريعية وتنظيمية ورقابية - مثل ما هو حاصل لهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات – مع تخصيص جميع خدمات سكك الحديد والقطارات والمترو من خلال المشاركة مع القطاع الخاص بنموذج استثمار مناسب، وبالتالي يمكن إنشاء شركات تجارية بين القطاع الخاص والدولة لبناء وتشغيل سكك الحديد والقطارات والمترو، يوفر فيها القطاع الخاص التمويل المناسب ويشارك مع الدولة في الحصول على عوائد بشكل مناسب، كما يوفر هذا الخيار الاستراتيجي فرصة لمشاركة المواطن في الحصول على عوائد مجزية من خلال المشاركة والاستثمار في أصول منتجة ومربحة مثل سكك الحديد، إضافة إلى توقع رفع مستوى الأداء. فمتى نرى تخصيص خدمة حكومية مربحة مثل خدمات سكك الحديد والقطارات والمترو؟ وهل نرى قراراً من الدولة لوقف الهدر المالي الحالي على مشاريع القطارات والمترو في ظل إمكانية الحصول على هذه الخدمات مع عدم الحاجة لصرف أي ريال من ميزانية الدولة ؟ وهل نحصل من المجلس الاقتصادي الأعلى على جدول زمني لبرنامج التخصيص ومؤشرات أداء لمشاريع التخصيص ومدى تحقق أهداف التخصيص لمشاريع التخصيص السابقة؟ وللحديث بقية...
إنشرها