ماذا يريد خالد وسعاد؟

|
كلنا، في البيت مع الأسرة والأولاد، يتابع بخوف وتوجس وشغف ما يتم نقله عبر قنوات الاتصال المرئية والعنكبوتية، ومنها الموقع الاجتماعي الفيسبوك والتويترس والبريد والجوال لما يحدث في مصر وغيرها، عالم لا يعترف بالحدود ولا الأديان ولا القيود الثقافية، أجيال لا تعيش في القاهرة ولا في لندن ولا في سنغافورة، إنما تعيش في عالم افتراضي، حقيقي وجديد، حيث الأصدقاء من دول مختلفة، تجمعهم الأحلام والطموح بمستقبل مشرق وعدالة اجتماعية وتوافر فرص عادلة للنجاح، فرص لا تتوافر إلا لمن يملك القدرات العلمية والعملية، فلا لأولاد كبير أو وزير إلا بالتميز والكفاءة، هكذا يريد أولاد المستقبل، فما يتحقق لأصدقائهم في الهند والصين وغيرها يمثل لهم الحلم الذي يعيشون من أجله. خالد وسعاد يمثلان جيل المستقبل في المملكة، جيل لا يختلف عن أصدقائهم في دول أخرى، فهم جزء من عالم الشباب الافتراضي، جيل يفكر بطريقة مختلفة ويقارن نفسه بأصدقائه في عالمه، ويحلم بما يحلم به أصدقاؤهم في عالمهم الافتراضي، ومع خالد وسعاد، أولاد التاسعة عشر والسادسة عشر ربيعا، تدور محاورات ونقاشات بينهم وبين والديهم وجدتهم، حوارات يدور رحاها في كل بيت، بين أعضاء الأسرة الواحدة، وبين أجيال مختلفة، الجدة والابن والحفيد، بين كل منها فجوات ثقافية شاسعة تمثل فجوات بين الأجيال، وإن كانت الأكبر مع الأحفاد، جيل لا يعترف بالمستحيل ويرى ويسمع عن كل شيء، الجيد والرديء، الصالح والطالح، يتساءل عما يحدث حوله في بلاده وبلدان العالم أجمع، يشارك ويتواصل مع أصدقائه في جميع أنحاء العالم في كل المواضيع الاقتصادية وغيرها، فلا يوجد حدود لما يتم مناقشته وعرضه في هذه اللقاءات الاجتماعية، جيل قد لا نستطيع فهمه وإدراك وتقدير أبعاده الثقافية، وإن حاولنا، وقد لا يستطيع أن يفهمنا، وربما لا يريد أن يحاول، فما هو الحل؟ وكيف نحل مشكلة هذه الفجوة بين الأجيال؟ سعاد وخالد لم يقنعا جدتهما بعقلانية وشرعية ما يحدث، ليس هذا فحسب بل إنهما، ومن خلال شرح ما يدور في القنوات الاجتماعية مثل الفيسبوك بين الأصدقاء وكيف يلتقي الشباب عبر هذه القنوات الاجتماعية ليتواصلوا ويتبادلوا المعلومات والطموح والأحلام، لم يستطيعا إقناع الجدة، فهي ما زالت رافضة لما يحدث وغير مدركة لما تعنيه وتقدمه الشبكات الاجتماعية، فهي مقتنعة ومؤمنة بأنهم أصغر بكثير من الخوض في أمور كهذه وأنه ينبغي عدم تفكيرهم بهذه الأمور، فعليهم، كما تجادل الجدة، أن يهتموا بدراستهم ويركزوا على عملهم وعائلتهم المستقبلية، وأما الخوض في غير هذا من الأمور فهو مضيعة للوقت ولا فائدة منه، ورغم إصرار الجدة وتعنتها، لم يلقِ الأحفاد لها بالا، بل وبكل برود، أخبروها بأن هذه حياتهم ولا يمكن لهم أن يعيشوها كما عاشها أجدادهم ولا يمكن لها ولجيلها فهم المتغيرات المحيطة بهم، وفي خضم هذه المناقشات، احتار الأب بين تقاليد وعناد الجدة وطموح وأحلام الأحفاد، وتوصل إلى حقيقة وحقيقة واحدة، فلا يمكن لنا أن نفهم هذا الجيل أو نتقبل ثقافته، وإن كان علينا أن نحاول، على أن جيل الشباب لا يريد أن يفهم كيف تفكر وتعيش الأجيال السابقة، ولكي نتعايش مع هذا الجيل ينبغي أن نترك لهم الفرصة ليعيشوا حياتهم كما يريدون وليس كما نريد، فالفجوة كبيرة. ما يريده خالد وسعاد لا يختلف عما يريده أي جيل من الشباب في أي مكان متقدم في العالم سواءً الصين أو الهند أو سنغافورة وغيرها، فهو يريد فرصا حقيقية للنجاح، فرصا متاحة للجميع وبشكل صريح وعادل وبطريقة تنافسية عادلة، مستقبلا مشرقا للجميع، مستقبلا يتحقق إذا توافرت متطلبات النجاح، من أهمها: 1. وضع رؤية واضحة لمستقبل البلد مع تحديد مجالات الاستثمار في البلد، حيث نحدد ما إذا كان التركيز على الصناعة وأي نوع من الصناعة كمصدر أساسي للدخل، مع تطوير خطة استراتيجية وتنفيذية شاملة ومتكاملة، تنفذ من خلال إنشاء جهاز أعلى تشريعي للتطوير والمشاريع فوق مستوى الوزارات ويتبع المقام السامي مباشرة، ومع غياب هذه الرؤى والخطط الشاملة تبقى الاجتهادات الفردية والعمل كجزر منعزلة، أسلوبا يزيد من هدر المال العام ويضيع فرص التطوير، كما يزيد من حيرة شباب المستقبل حول مستقبل الوطن. 2. خدمات تعليم راقية تعتمد على الاستثمار في الطالب؛ لصناعة قادة وعلماء ومهندسين وأطباء، فهل وفرنا هذه الخدمات؟ 3. خدمات صحية متميزة ومتاحة للجميع دون تمييز لمستوى اجتماعي أو مالي أو جنس أو لون، وفي ظل مستوى الخدمات الصحة الضعيف والمحزن، يعيش خالد وسعاد في ترقب وخشية حول وضعهما ووضع المجتمع الصحي. 4. فرص متساوية وعادلة في الوظائف والمناصب على اختلاف مستوياتها، فرص تعتمد على قدرات ومهارات وكفاءة وأمانة الأشخاص وليس على المكانة أو المعرفة الاجتماعية أو أي اعتبارات أخرى. في ظل الوضع الراهن لطريقة التعيين ومنح الوظائف وازدياد معدل البطالة مع ازدياد أعداد العاملين الأجانب، يزداد قلق جيل خالد وسعاد حول مستقبلهم، فهم ينافسون المستحيل. 5. حماية المال العام من عقارات وأراضٍ واستثمارات مالية وصناديق سيادية وامتيازات وغيرها، إضافة إلى حمايته من الفساد المالي والإداري، مال عام يجب أن يستثمر ويحافظ عليه للأجيال القادمة. 6. محاسبة ومعاقبة كل من يسيء استخدام الصلاحيات والمال العام، لا تفرقة بين كبير وصغير ولا وزير ولا موظف. في ظل ما يحصل حاليا من ضعف الرقابة المالية والإدارية وعدم المحاسبية، يعيش خالد وسعاد تناقضات قاتلة بين المبادئ والأخلاقيات التي تعلموها وبين الممارسات الفعلية للأعمال. 7. المشاركة مع المجتمع بجميع أطيافه بمنتهى الشفافية في الأعمال والمشاريع وغيرها، وليس العمل بصمت كما يريد البعض، ممارسة تدعو للشك وتغذي أساليب التأجيل والتسويف، إضافة إلى هدر المال العام. فمشاريع تطوير التعليم والصحة والبنية التحتية وغيرها ليست ملكا لأي جهات حكومية، لكنها ملك للوطن والمواطن، أمر يحتم مشاركة المواطن في صياغة ومتابعة هذه المشاريع. 8. تشجيع رواد الأعمال المحليين وتهيئة فرص الاستثمار والنجاح لهم. في ظل التشجيع اللامتناهي للمستثمرين الأجانب وتهيئة فرص الاستثمار والنجاح لهم دون فرض ضرائب على تحويلاتهم ودون فرض توظيف مواطنين، امتيازات لا يحلمون بها في أي بلد في العالم، امتيازات على حساب أبناء وبنات الوطن، امتيازات لا يمكن أن تحصل في أي دولة، لكنها تحصل في المملكة، قد يفقد سعاد وخالد الأمل في المستقبل ويعيشون غرباء في بلدهم إن لم يهاجروا. هذا بعض ما يريده شباب المستقبل، وهو ليس بالجديد، بل إنه حق فطري. وللحديث بقية.
إنشرها