كيف نحل مشكلة جدة؟ (2 من 2)

|
تحدثنا في الجزء الأول من هذه المقالة عن تكرار المشكلات في المشاريع من إخفاقات وتعثر وفساد مالي وإداري, وما جدة إلا مثال وشاهد على هذه المعاناة على مدى عقود وعقود سابقة وما زالت المشكلة مستمرة، مشكلة لا علاقة لها بنقص في التمويل، فما صرف ويصرف على جدة من عشرات المليارات يمكن بها إنشاء مدن عالمية وليس صيانة مدينة واحدة، فالمشكلة إذاً لم تكن قط مالية، وضع يثير تساؤلات حول مصير المخصصات والأموال التي صرفت على جدة، فإن لم تذهب إلى جدة، فأين ذهبت؟ ومشكلة جدة ليست في أشخاص، فكم تغيرت الأسماء والوجوه دون أي تغيير إيجابي في مستوى وجودة الخدمات والمشاريع في جدة وغير جدة، عشرات المسؤولين والموظفين سابقين وحاليين ومستقبليين يأتون ويذهبون ولم يحصل أي تقدم، فإذا كانت المشكلة ليست في الأشخاص وتغييرهم وليست في نقص الأموال .. فما المشكلة إذاً؟ ما يحصل حاليا من طلب توفير ميزانيات مفتوحة لحل مشكلة جدة مع استثناء من أنظمة المشتريات والعقود الحكومية, وبالتالي خارج الرقابة المالية من وزارة المالية، ويبدو مما يتم تداوله في الإعلام أن مثل هذا التوجه أو القرار حاصل، لن يحل المشكلة لأنها كما ذكرنا وكما أثبتت الوقائع والحقائق والتاريخ أن مشكلة المشاريع ليست في أشخاص وليست في نقص أموال، وإذا ما تم الاستمرار في التعامل مع مشكلة جدة وغيرها بطرح حلول تقليدية تتمحور حول توفير اعتمادات مالية أكثر, وزادت هذه السنة بطلب استثناءات دون التعامل مع المشكلة الحقيقية، فقد نرى مشكلة جدة وغير جدة تتكرر، الأمر الذي يعد استنزافاً لموارد الدولة المالية وسوء توجيه لهذه الموارد، حلول تقليدية تمثل تخديراً وحالة إنكار مكلفة جداً، حالة إنكار لا تؤجل التعامل مع المشكلة فقط, لكنها تزيد من تكلفة المشكلة وتعقيد حلها. إذاً ما المشكلة الحقيقية التي تواجه مدينة جدة ومدن ومناطق المملكة؟ وما الحل الاستراتيجي للتعامل مع هذه المشكلة؟ مشكلة جدة تعتبر جزءاً لا يتجزأ من المشكلة الحقيقية للمشاريع والخدمات الحكومية بأنواعها من مشاريع بنية تحتية (شبكات مياه وتصريف صحي وتصريف سيول وكهرباء واتصالات) ومشاريع لتطوير التعليم والصحة والحكومة الإلكترونية والاستثمارات الأجنبية والسعودة والفقر والمدن الاقتصادية وتنويع مصادر الدخل، مشكلة لا علاقة لها بالمال وتوافره, ولا علاقة لها بوجود أشخاص من عدمهم ولا مدى أمانتهم من عدمها، مشكلة المشاريع والخدمات في المملكة تتمثل فيما يلي: 1. عدم وجود رؤية وخطة شاملة لمشاريع المملكة، فكل جهة حكومية سواء وزارة الشؤون البلدية والقروية أو وزارة المياه والكهرباء أو وزارة الزراعة أو الاتصالات أو الكهرباء أو التجارة والصناعة أو هيئة الاستثمار وغيرها تعمل بشكل مستقل لا يجمع بينها لا خطة ولا مرجعية تشريعية وإشرافية. كل جهة من هذه الجهات تخطط وتنفذ مشاريعها بشكل مستقل، فالشارع والحي (الواحد) في نظر هذه الجهات يعتبر أكثر من شارع، فترى كل جهة تعمل على تنفيذ مشاريعها وخدماتها في شارع ما بمعزل عن الجهات الأخرى، لتأتي بعدها جهة أخرى وتنفذ مشاريعها وخدماتها على الشارع نفسه، وخذ مثلاً ما يتم من مشاريع تنفيذ شبكات مياه وشبكات صرف صحي حيث يتم تنفيذ كل منها بشكل مستقل رغم تبعيتها لجهة حكومية واحدة، وهي وزارة المياه والكهرباء، لتأتي مشاريع تصريف السيول ومشاريع شبكات الاتصالات ومشاريع شبكات الكهرباء، وكلها على الشارع (المسكين) نفسه، الشارع الذي لو استطاع النطق لصرخ مما يرى من هدر في الجهود والأموال والوقت. 2. غياب الرقابة الفنية على مشاريع الدولة بأنواعها من مشاريع بنية تحتية ومشاريع أساسية مثل مشاريع تطوير خدمات التعليم والصحة والحكومية الإلكترونية والاستثمار الأجنبي وغيرها. وزارة المالية في الوضع الحالي هي التي تعتمد مشاريع القطاعات الحكومية وهي التي تتابع الصرف عليها، بينما تقوم الجهات الحكومية بتنفيذ المشاريع، فمن يقوم بالرقابة والمتابعة الفنية وإدارة المخاطر للمشاريع؟ حسبما هو متبع حاليا تعتمد وزارة المالية على الجهات الحكومية في تحديد جودة وأداء المشاريع من الناحية الفنية، وبالتالي فأي مستخلص مقدم للدفع لأي مقاول لوزارة المالية يتضمن تأكيد الجهة الحكومية المعنية على قبولها واعتمادها للعمل, ما يعني أن الجهة الحكومية تحتكر تخطيط المشاريع وتنفيذها والرقابة عليها واعتماد الصرف، فهي، الجهة الحكومية، الخصم والحكم، ويتضح ذلك أكثر عند وجود تعثر أو فشل أو خلل في بعض المشاريع، فالجهة الحكومية، وهي وحدها، التي تحدد أسباب التعثر ومن المسؤول عن التعثر ودائماً تخرج نفسها من دائرة المسؤولية، والأطراف الأخرى وزارة المالية والمقاولين هم المسؤولون، وهذا ما يحصل في مشكلة جدة. ولحل المشكلة، لا بد من التعامل مع المشكلة ككل وليس بشكل جزئي, ولا بد من التشخيص الصحيح للمشكلة والتعامل مع المشكلة الحقيقية بشكل مباشر وليس بالتهرب منها، الحل ينبغي أن يكون على مستوى المشاريع والخدمات في المملكة وليس على مستوى مدينة أو مشروع في حد ذاته. الحل الاستراتيجي الشامل والوحيد لحل مشكلات تعثر وانخفاض مستوى المشاريع يتمثل في تنفيذ حزمة إصلاح إداري متكاملة كما يلي: 1. الإرادة والرغبة الحقيقية للتغيير والتطوير، مع ترجمة هذه الإرادة إلى عمل حقيقي وعمل مؤسساتي لا يرتبط بأشخاص وإنما إرادة الدولة والدولة فقط. 2. إدارة وطنية مؤهلة ومخلصة تملك الخبرة العلمية والعملية والمهارات القيادية، بحيث يتم الاعتماد عليها في التطوير والتنفيذ، دون مجاملات في الاعتماد على أشخاص لا يملكون الحد الأدنى في القيادة والإرادة والتنفيذ. 3. تطوير رؤية وخطة استراتيجية، تتضمن أهدافا استراتيجية وبرامج ومشاريع تنفيذية وبرنامج زمني وتكلفة تقديرية ونظام مؤشرات أداء، تحكم وتتابع تمويل وتنفيذ وأداء المشاريع. 4. جهاز تخطيطي في أعلى مستوى تنفيذي في الدولة يتبع المسؤول الأول في الدولة، الملك ـــ حفظه الله ـــ في حالة السعودية، يقوم بعمليات الإشراف والمتابعة والمراقبة ليس فقط المالية والإدارية, لكن أيضاً المراقبة الفنية أولاً بأول من خلال نظام مؤشرات أداء وتقييم دقيق. 5. محاسبة المسؤولين عن تنفيذ الخطط والمشاريع مع الشفافية الكاملة، على أن تتم المحاسبة على أساس الأداء، بالثواب والعقاب حسب النتائج وحسب المسؤوليات والصلاحيات، وعلى أن تتم محاسبة الكبير قبل الصغير والوزير قبل الموظف. هذه الحزمة إذا أخذت كجرعة كاملة وغير مقسمة، فإنه يمكن حل جميع المشكلات في الخدمات والمشاريع والمدن والمناطق وليس فقط مشكلة جدة. كما أن الحزمة من الإصلاحات الجذرية تعتمد بشكل أساسي على إنشاء جهاز أعلى يتبع المقام السامي ويملك صلاحيات أعلى من الجهات التنفيذية ومنها الوزارات، تكون من مهامه وضع رؤية وخطة استراتيجية شاملة في المملكة ومتابعة تنفيذها من خلال نظام مؤشرات أداء دقيقة وواضحة، حل يمثل الحل الاستراتيجي الوحيد، حل سيحدث الفرق ويرقى ببلدنا إلى مصاف الدول المتقدمة ويبتعد عن حلول تعتمد على المسكنات والإنكار. وللحديث بقية...
إنشرها