تباينت آراء عدد من الاقتصاديين حول المسببات المحلية لرفع معدلات التضخم في المملكة، بعد أن وصفها الدكتور محمد الجاسر، محافظ مؤسسة النقد في وقت سابق، بأنها مقلقة، وعدّ عدد من الاقتصاديين زيادة الإنفاق الحكومي التي أقرتها الحكومة سببا رئيسا لرفع معدلات التضخم المحلي لزيادة كمية النقود عن الطاقة الاستيعابية للاقتصاد، بينما عززت جهة أخرى دور الإنفاق الحكومي لكبح جناح التضخم.
"الاقتصادية" فتحت باب النقاش في هذه القضية؛ لمعرفة دور الإنفاق الحكومي برفع معدلات التضخم المتوقع ارتفاعها إلى مستويات قياسية خلال الفترة المقبلة التي أكدها عدد من الاقتصاديين، مشددين على ضرورة أخذ الاحتياطات الرئيسة لكبح جماح التضخم المحلي.
ووفقا للدكتور ياسين الجفري، فإن الإنفاق الحكومي وزيادته لا يستطيع حفظ جناح التضخم، لكن عادة وعند وصول التضخم مستويات محددة يتم خفضه لدرجات معينة، موضحا أن الإنفاق الحكومي عادة ما يكون محفزا لدفع عجلة الاقتصاد ويوجه لتخفيف مستويات الأسعار وليس محفزا لرفع الأسعار.
وقال: "إن زيادة الإنفاق تؤدي عادة إلى زيادة السيولة ورفع الفائدة، وبالتالي في مراحل متأخرة يخلف الكساد بدلا من الدخول في التضخم؛ فليس كل تضخم يعتبر سلبيا".
وأضاف: "إن الإنفاق الحكومي في المملكة لا يعتبر مؤثرا في التضخم؛ نظرا لأن جزءا كبيرا منه لا يدخل مباشرة في عجلة الاقتصاد، عكس المراحل السابقة التي شهدت دخول الإنفاق بصورة مباشرة".
وتوقع الجفري ارتفاع الأسعار لانخفاض سعر الفائدة، لكن في ظل شح الأموال اللازمة للتمويل تؤثر في سرعة ودرجة التضخم في المملكة.
وأشار سلطان الخالدي، محلل مالي، إلى أنه عادة ما يصاحب الإنفاق الحكومي للمشاريع ضعف في قيمة الصرف أمام العملات الأخرى مثل اليورو؛ مما أدى إلى رفع مستويات التضخم بسبب ارتفاع تكاليف السلع؛ فالعلاقة ما بين الإنفاق الحكومي والتضخم علاقة عكسية؛ فكلما كان هنالك إنفاق أكثر عمل على خفض مستويات التضخم، وقال: "إن الإنفاق الحكومي في المملكة عمل على خفض معدلات التضخم، حيث إن 85 في المائة من الإنفاق الحكومي ف المملكة يعمل على خفظ معدلات التضخم، بينما 11 في المائة للإنفاقات غير الحكومية". وبيَّن الخالدي، أن التضخم في المملكة وصل إلى مستويات قياسية في عام 2008، حيث وصل إلى 11 في المائة، وتعتبر أعلى معدلات تضخم حققت فيها أسعار السلع ارتفاعات عالية بلغت 80 في المائة، فهنالك تداعيات أجبرت المعدلات التضخمية في الريال إلى الارتفاع في هذه المستويات التي لم تحققها منذ سنوات عديدة، فمن ضمن هذه الأسباب والتداعيات هي إدارة أسواق الصرف لعملة الريال، وحركات التمويل المشتركة بين البنك المركزي والمؤسسات المالية، أضف إلى ذلك النشاط الفعلي للصناديق السيادية واستثماراتها المقننة ما بين الأسواق الداخلية والخارجية المحكمة بأثر رجعي استثماري يهدف إلى تجفيف السيولة ونمو اقتصادي حكومي، حيث إن تدفق الريال بالمليارات ينطوي تحت دائرة المشاريع التنموية المستقبلية.
وبيّن، أن المملكة تعاني في وقتها الحالي كسادا تضخميا والمتمثل في الإنتاج الاستهلاكي والسلع عالية الثمن في ظل قلة تملك السيولة، وهذا التضخم لا يستمر حتى ربع مالي سنوي فالمستويات الحالية للمملكة تبلغ 5.30 في المائة.
وتوقع الخالدي أن يتخذ التضخم المسار الأفقي الهابط بوتيرة هادئة حتى المعدلات الطبيعية، التي تتمثل عند مستوى 3،8 في المائة في أيار (مايو) المقبل، التي بدورها ستجعل الادخار يكون له كلمة في تلك اللحظة، وشدد الخالدي على ضرورة تفعيل قنوات التمويل للأفراد لزيادة ضخ السيولة فالتضخم طاهرة اقتصادية تتعلق بالأموال.
من جهة أخرى، قال الدكتور عبد العزيز الداغستاني، رئيس دار الدراسات الاقتصادية: "إن زيادة الإنفاق الحكومي مع وجود اختناقات في بعض قطاعات الاقتصاد يؤدي بالضرورة إلى الضغط على الطلب على الموارد المتاحة التي لا تتوافق بالضرورة مع زيادة وتيرة الإنفاق، وبالتالي يشكل نوعا من التشوه الاقتصادي المؤقت الذي يؤدي إلى خلق حالة من اللاتوازن في السوق تنعكس على مستوى الأسعار وتتجسّد في زيادة معدل التضخم".
واعتبرها الداغستاني مشكلة اقتصادية وأحد سلبيات فترة الطفرة التي تعيشها المملكة وثمنا لبعض سياسات التنمية الاقتصادية، وقال: "إن زيادة الإنفاق الحكومي في المملكة والتركيز على بعض القطاعات، خاصة تلك المرتبطة بالبنى التحتية وقطاع الإنشاءات، وهي في الغالب تعاني ضعف الطاقة الاستيعابية في مواجهة هذا النمو الملحوظ في الإنفاق الحكومي، ثمن طبيعي، وإن كان بعض الاقتصاديين يعارضون هذه السياسة ويعتبرون أنها مكلفة، وكان بالإمكان جدولة الإنفاق وتوزيع تنفيذ المشروعات على سنوات مقبلة".
