تسجيل دخول
نسيت كلمة المرور |  مستخدم جديد
 
الاثنين 27 صفر 1432 هـ. الموافق 31 يناير 2011 العدد 6321
آخر الأخبار
انت الآن تتصفح عدد من الارشيف, نشر قبل 1271 يوم . عودة لعدد اليوم

الملاذات الضريبية الآمنة في بحر من المشكلات

ملاحقة متهربي الضرائب لمكافحة الفساد وتعزيز الحوكمة

مايكل بيل

في المرة الأولى التي حاول فيها جون إيفانز أن يتسلل إلى مكتب الصحيفة التي كان يعمل فيها، أطلق نظام الإنذار. وكانت محاولته الثانية بعد ساعات العمل أكثر نجاحاً: وصل إلى القسم الذي يقع خلفه مكتب محرر صحيفة ''كيمان نيت نيوز''. وبحث بعد ذلك عبثاً ''في جميع الأماكن المحتملة'' عن ملف لوثائق شرطية تم تسريبها. وسوف يقوم لاحقاً بإبلاغ محققي ''سكوتلاند يارد ''- شرطة مدينة لندن- أن ذلك لم يكن اقتحاماً، وإنما تقرير استقصائي. وقال بشكل مبهم: ''يجب أن يفهم مالكو الصحيفة أن الصحفيين الذين يعملون لديهم ينظرون إلى الاتجاهين''.

بغض النظر عن الحقيقة، من غير المحتمل أن يكون هو، أو أي شخص آخر، قد توقع العواقب الغريبة والخطيرة للزيارات الليلية التي قام بها في شهر أيلول (سبتمبر) 2007. وخلال الأعوام الثلاثة التي أعقبت ذلك، فإن النتائج غير المباشرة سوف تورط قضاة، ومحامين كبار، وشرطة العاصمة، ومكتب الخارجية. وسوف تضيف كذلك المزيد من التدقيق على إدارة أراضي الجزر البريطانية المبعثرة في شتى أرجاء العالم التي تجاوزت حجمها الصغير لتصبح عوامل مهمة في النظام المالي العالمي.

يقول نيكولاس شاكسون، مؤلف كتاب ''الجزر الكنز Treasure Islands''، وهو كتاب حول مراكز التمويل الخارجية، وتم نشره هذا الشهر، إن هذه الملاجئ الصغيرة ''تميل جميعها إلى أن تكون ملوثة بمزاعم الفساد، وفي أغلب الأحيان ثمة شكوك حول ما إذا تم التحقيق بشأنها على نحو مناسب. وحينما يتعلق الأمر بهذه المشكلات، فإن المسؤولية تقع على عاتق لندن''.

عملت المسألة على تكثيف التركيز على جزر كيمان – وهي مجموعة من ثلاث جزر يبلغ عدد سكانها 50 ألف نسمة - والممتلكات البريطانية الأخرى التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية التي ازدهرت لتصبح مراكز مهمة في الخارج، ولكنها لم تستقل بالكامل. وبسبب أدوارها البارزة في النظام المالي العالمي، حصل البعض منها على أهمية أكبر بكثير مما قد يشير حجمها. وتعتبر جزر برموداً مركزاً بارزاً للتأمين، بينما تعتبر جزر فيرجين البريطانية العاصمة العالمية لاندماج شركات في الخارج.

تشكل قضية جزر كيمان جزءاً من مزاعم محبوكة من الفساد، وسوء الحوكمة، في مناطق السلطات القضائية التي تسيطر عليها بريطانيا. وفي جزر توركس، وجزر كايكوس، تولت بريطانيا السيطرة المباشرة في عام 2009 على قضية فساد مشتبه بها في الحكومة والسلطة التشريعية. وعلقت جزر برمودا في عام 2007 بفضيحة تتعلق بابتزاز سياسي مشتبه به يشمل مؤسسة إسكان الدولة. وفي جبل طارق، تم طرد كبير القضاة، ديريك سكوفيلد، من منصبه عام 2009 بعد أن اكتشف أنه ''أضر بمصالح الحوكمة الجيدة'' في المنطقة. وفي قضية منفصلة، تشمل إيفانز كذلك، جرى طرد بريا ليفرز، وهو قاضٍ من جزر كيمان، بسبب سوء إدارته في العام الماضي.

إن السلوك الذي يخضع إلى التحقيق في جزر كيمان ليس بخطورة ذلك المزعوم في جزر توركس وجزر كايكوس. وعلى أية حال، لأن لجزر كيمان جانب اقتصادياً أكبر بكثير – بوجود صناعة تمويل جذابة بسبب إعفاءاتها الضريبية، وسريتها – فإنها بحاجة إلى سمعة أنظف. ويوجد فيها 70 في المائة من تسجيلات صناديق التحوط في شتى أرجاء العالم، كما أنها مركز مصرفي مهم. ويوجد لبنك باركليز البريطاني بمفرده 181 فرعاً مسجلاً هناك، حسبما ادعى تشوكا أومونا، عضو البرلمان العمالي في المملكة المتحدة، خلال مثول بوب ديموند، الرئيس التنفيذي للبنك، في الأسبوع أمام لجنة برلمانية.

في حين يشكل انتشار القانون العام على الطراز الإنجليزي – وافتراض وجود ضمانة بريطانية للاستقرار – جزءاً من عوامل الجذب بالنسبة إلى المستثمرين، إلا أن سكان الجزيرة يكرهون أحياناً الوجود البريطاني في الساحة الخلفية بوصفه مستبداً، ويشعرون بالانتقاد بغير عدل على الصعيد الدولي. وفي مدونة حيوية لإيفانز، يحذر مساهم في الجزء المخصص لكتابة الرسائل قائلاً: ''من الأفضل بالنسبة إليك أن تحذر بوجود هذه التعليقات التي تحط من القدر حول الحكومة البريطانية القوية، أو ربما تسقط الفأس على رأسك''.

بدأت مشكلة جزر كيمان بادعاء في صيف عام 2007 من قبل أحد زملاء إيفانز بأن ضابط شرطة رفيع المنصب كان يسرب المعلومات إلى الصحيفة. وتمت دعوة شرطة سكوتلاند يارد للتحقيق بدعم من ستيوارت جاك الذي كان حاكم الجزيرة في ذلك الحين. وكان يرأس التحقيق الذي أطلق عليه اسم عملية عملية تيمبورا، رئيس الشرطة المتقاعد الآن، مارتن بريدجر، وهو ضابط متمرس كان محققاً مناهضاً للفساد، وقائداً كذلك لمنطقة لندن الجنوبية الرملية، لامبيث.

سرعان ما قلل فريق عملية تيمبورا من شأن مزاعم تسريب الشرطة المبدئية، غير أن أعمال البحث التي قام بها إيفانز إلى المكتب في وقت متأخر من الليل أعطت التحقيق حياة جديدة. وادعى إيفانز خلال مقابلات مع المحققين أن ستيوارت كيرنوهان الذي كان مفوض شرطة جزر كيمان في ذلك الوقت، اقترح محاولة إيجاد الوثائق المعنية. وتم طرد كيرنوهان لاحقاً من منصبه، على الرغم من أنه أنكر دائماً ارتكابه أي خطأ، ولم يتم اتهامه بأي جناية.

ادعى إيفانز كذلك أنه كان يحاول إيجاد المعلومات استجابة لمطلب منفصل من جانب جاستس هندرسون، وهو رجل كندي كان من بين عدد قليل من القضاة الذين كانوا يعملون بدوام كامل في الجزر. وأكد إيفانز أن القاضي طلب منه البحث عن رسائل نشرتها الصحيفة التي انتقدت أعضاء الهيئة القضائية، وعلى وجه الخصوص كبير القضاة أنتوني سميلي، بسبب موقفها إزاء المساعدة القانونية ومسائل أخرى. وأضاف إيفانز أن جاستس هندرسون لم يكن يعرف بزيارته السرية.

وفقاً لوثائق المحكمة، اعترف جاستس هندرسون بأنه ذكر لإيفانز ''سراً'' مسألة ''القلق الجماعي'' للهيئة القضائية بشأن الرسائل، على الرغم من أنه قال إنه لم يطلب من الصحفي على الإطلاق أن يستردها.

بدأ فريق عملية تيمبورا التركيز بشكل وثيق على دور جاستس هندرسون. وفي شهر أيلول (سبتمبر) 2008، قاموا باعتقاله خارج منزله بشبهة سوء الإدارة في منصب عام. وتم إطلاق سراحه دون توجيه تهم إليه.

بالنسبة إلى المحققين، أثبت الاعتقال أنه مصيري. وتم إحضار السير بيتر كريسويل، وهو قاض إنجليزي متقاعد، لمراجعة القضية، وأعلن أن الاعتقال غير قانوني، وقال إنه نتج عن ''الإخفاقات، وسوء التفسيرات'' من جانب فريق عملية تيمبورا ''الإساءة الأكثر خطورة للعملية ''.

تم طرد مارتن بولين، وهو محام بريطاني قدم المشورة إلى المحققين، من المهنة لاحقاً، واعترف ''بارتكاب أخطاء جوهرية وبعيدة الأثر''، و''أظهر سوء التقدير، والتفكير الخاطئ''. وترك بريدجر فريق عملية تيمبورا عام 2009 وسط انتقادات شديدة من وسائل الإعلام في جزر كيمان.

كانت القضية ستغلق لو أن بولين لم يقرر الرد في الصيف الماضي بتقديم شكوى خاصة به إلى مكتب الخارجية بشأن الطريقة التي عالجت بها سلطات جزر كيمان القضية. وتمت إحالة قضية الهجوم المضاد التي انضم إليها بريدجر لاحقاً إلى دونكان تايلور، حاكم جزر كيمان. وسحب بولين رسمياً شكواه في أواخر العام الماضي، ذاكراً عدم وجود ثقة في العملية، ولكن بريدجر مضى قدماً بالشكوى. ورفض التعليق قبل صدور قرار الحاكم.

طلب تايلور من بنجامين إينا، محام في مجلس الملكة، مجلس تحقيق في لندن، تقديم مشورة حول الطريقة التي يجب أن يعالج بها القضية. وقدم المحامي تقريره السري إلى الحاكم قبل أيام من عيد الميلاد.

إن جوهر حجة بولين، وبريدجر، كما تراها ''فاينانشيال تايمز''، هو أن فريق عملية تيمبورا هزم بسبب السلوك المشكوك فيه للأفراد المتورطين في القضية. ويسأل بولين لماذا تحدث كبير القضاة سميلي الذي يشرف على جلسة قانونية مبدئية حاسمة لعملية تيمبورا إلى جاستس هندرسون خارج قاعة المحكمة حول علاقته بإيفانز، الصحفي. ويدعي بولين كذلك أن كبير القضاة ذهب لرؤية جاستس هندرسون في مركز الشرطة بعد اعتقاله، ودون إبلاغ ضباط الاعتقال، وتحدث إليه في غرفة خاصة.

يقول كبير القضاة، سميلي، إن حديثه في مركز الشرطة مع جاستس هندرسون دام أقل من عشر دقائق، وأضاف أنه كان من المناسب التأكد من أن يحصل القاضي المعتقل على التمثيل الصحيح. ويرفض التعليق على المحادثة التي أجراها مع جاستس هندرسون حول إيفانز، بأكثر مما قاله فعلياً في قرارات المحكمة. وفي قرار صدر في شهر شباط (فبراير) 2008، قال كبير القضاة إنه لم يكن يعتقد أنه يتوجب عليه إنقاذ نفسه من قضية الانحياز الواضح، وأضاف أنه كان لدى محققي عملية تيمبورا مطلق الحرية في معارضة قراره.

يثير بولين المزيد من المخاوف بشأن دور السير بيتر، القاضي الإنجليزي السابق. وكان قد تم تعيين السير بيتر، وهو عضو ناشط في نادي فلاي فيشرز، وهو مجموعة مقرها حي بيكاديللي اللندني مكرسة ''للتفاعل الاجتماعي للمعنيين في فن صيد السمك باستخدام طعم اصطناعي''، في أواخر عام 2009 في المحكمة العليا في جزر كيمان، وهو أحدث شخص في سلسلة من القضاة الإنجليز – بمن فيهم اللورد وولف، كبير قضاة اللوردات السابق – الذين تولوا مناصب ضمن تعيينات ما بعد التقاعد في مراكز أعمال صغيرة ولكن طموحة، من الخليج إلى البحر الكاريبي.

يدعي بولين أن السير بيتر اكتشف سوء النية دون وجود أدلة داعمة. ولديه شكوك إزاء السبب الذي التقى لأجله السير بيتر بكبير القضاة سميلي بعد أن وصل إلى الجزر.

يقول السير بيتر إنه حافظ ''في الأوقات التي جرت خلالها الأحداث'' على ''الاستقلالية التامة'' في القضية، وعلى ''مسافة مناسبة وضرورية'' من الأشخاص المتورطين. ويرفض التعليق على قراراته، ويقول إنه تحدث إلى كبير القضاة لوقت وجيز للغاية فقط لدى وصوله إلى جزر كيمان، دون أن يناقش القضية.

يشكك بولين كذلك في دور لاري كوفنغتون، مستشار إنفاذ القانون في مكتب الخارجية. ويسلط بولين الضوء على رسالة إلكترونية تشير إلى أن كيرنوهان، مفوض الشرطة، أطلع كوفنيغتون على البحث في مكتب صحيفة ''كيمان نيت نيوز'' في الليلة ذاتها التي حدث فيها ذلك. وأحال كوفنغتون الأسئلة التي وجهتها ''فاينانشيال تايمز'' إليه إلى المكتب الصحفي في مكتب الخارجية الذي رفض التعليق بدوره.

السمة الأخيرة – وربما الأهم – في ملف بولين هي ادعاؤه أن فريق عملية تيمبورا سمع مزاعم مزعجة من حوالي 70 شخصاً عن نمط أوسع نطاقاً من الابتزاز وسوء الإدارة في جزر كيمان. ويؤكد قائلاً: ''قال العديد من أولئك الأشخاص إنهم كانوا ينتظرون منذ سنوات حضور فريق ذي صدقية كافية أبدى جديته في معالجة الفساد''.

بغض النظر عن القصة الكاملة لعملية تيمبورا، يبدو أن القضية أثارت أسئلة مهمة حول سيادة القانون في جزر كيمان، وتم حجب الكثير منها بواسطة حجج تتعلق بسير التحقيق. وتمضي القضية كذلك في قلب العلاقة الغربية لبريطانيا مع مجموعة من المناطق في الخارج – ما يطلق عليها ''النقاط الوردية على الخارطة''- التي تعتبر بقايا استعمارية، وعاملة مهمة في عالم التمويل.

يقول أمونا، عضو البرلمان الذي يشغل كذلك منصب السكرتير الخاص البرلماني لإيد ميليباند، زعيم حزب العمال المعارض في المملكة المتحدة: ''مما لا شك فيه أن على بريطانيا أن تستخدم نفوذها، والقوة التي تتدفق من ذلك، لتشجيع وجود معايير أفضل من النزاهة المالية والحوكمة التي يجب تبنيها''.

وعدت حكومة بريطانيا ''بفرض المزيد من التدابير لتعزيز الحوكمة الجيدة، ومنع الفساد'' في المناطق الخارجية. ويسلم مكتب الخارجية أنه ''ربما توجد حالات فردية كانت فيها الحوكمة مصدر قلق''، ولكنه ينكر أن هناك مشكلات ''شاملة، أو واسعة الانتشار'' عبر الجزر.

يقدم ستيوارت جاك، حاكم جزر كيمان السابق الذي دعم فريق عملية تيمبورا، شيفرة رمزية مناسبة إلى القضية التي أشعلها البحث السري الذي قام به إيفانز في مكتب الصحيفة. وفي مدونة وداعية سجلها على الموقع الإلكتروني لمكتب الخارجية في اليوم الذي غادر فيه الجزر في شهر كانون الأول (ديسمبر) 2009، يعترف ''بارتكاب بعض الأخطاء'' بشأن التحقيق، ولكنه يشير إلى أن هذا النزاع المرير في أحد مراكز المال الخارجية البريطانية الشهيرة ربما لم ينته بعد.

ويقول جاك في هذا الصدد: ''أبقى شخصياً ثابتاً إزاء وجهة نظري بأنني فعلت ما كان يجب أن أفعله. وأعتقد أنه حينما يصبح بالإمكان الإفصاح عن المزيد من هذه القصة، سوف يفهم المزيد من الأشخاص ذلك''.


حفظ طباعة تعليق إرسال
مواضيع ذات علاقة

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الاقتصادية ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر. علماً أننا لا ننشر التعليقات بغير اللغة العربية.

لا يوجد تعليقات

التعليق مقفل