قالت دراسة حديثة أصدرها صندوق النقد الدولي إن الأزمة العالمية فرضت على صناديق الثروة السيادية تغيير استراتيجياتها الاستثمارية، حيث ميزت الدراسة بين هذه الصناديق بحسب الغرض الذي أنشأت من أجله، حيث إن بعضها تأسس بغرض الاستقرار المالي، وبعضها كصناديق تأمينات، ورأت أن صناديق الثروة السيادية الخليجية أنشئ معظمها بغرض الادخار للأجيال القادمة، ما يعطيها مرونة أكبر في اتباع استراتيجيات استثمارية طويلة الأجل والابتعاد عن الأشكال المضاربية للاستثمار.
وعلى الرغم من ذلك، تقول الدراسة إن صنادق الثروة السيادية خسرت نحو 30 في المائة من قيمتها بسبب الأزمة العالمية. وتبين الدراسة أنه على الرغم من أن دروس الأزمة المالية الأخيرة ستدفع عديدا من الدول نحو تعزيز احتياطياتها المالية لمواجهة أي أزمة أخرى محتملة، إلا أن الرغبة في تنويع هذه الاحتياطيات واستثمار جزء منها سيؤدي إلى استعادة ارتفاع نشاطات صناديق الثروة السيادية، خاصة أن هذه الصناديق في موقع أفضل مما عليه الحال مع الأسهم الخاصة وصناديق التحوط.
وتقول الدراسة إن صناديق الثروة السيادية تراجعت في الأشهر الـ12 الأخيرة، لتراوح بين 3 و3.5 تريليون دولار، إلا أن هذه الصناديق لا تزال إلى حد بعيد في موقع أفضل مما عليه الحال مع الأسهم الخاصة وصناديق التحوط التي عانت على نحو أكبر خلال فترة الركود الاقتصادي، كما أنها واجهت خطر تشديد النظم والضوابط العالمية عليها.
ويتوقع نادي ITEM Club أن يراوح النمو المفترض في أصول بعض صناديق الثروة السيادية بين 12 و 15 في المائة سنويا، مشيرا إلى أن إجمالي الصناديق التي تخضع لإدارة صناديق الثروة السيادية قد يرتفع إلى ثمانية تريليونات دولار بحلول عام 2015. وعلى الرغم من أن الرقم سابق الذكر يبقى أقل مما كان متوقعا تحقيقه في الفترة نفسها قبل حلول الركود الاقتصادي العالمي (أكثر من عشرة تريليونات دولار)، إلا أن الأرقام المتوقعة تؤكد أن صناديق الثروة السيادية ستكون لاعبا أساسيا في أسواق رأس المال خلال الأعوام المقبلة.
من جهة أخرى تشير الدراسة إلى دورة الارتفاع الراهن في أسعار النفط، وهو من العوامل الرئيسية في دفع عجلة انتعاش صناديق الثروة السيادية في الفترة الأخيرة، وأن احتمالات تغير ذلك التأثير تعتبر ضئيلة على المديين المتوسط والبعيد.
وتصل نسبة الصناديق التي تعتمد على السلع إلى 65 في المائة من إجمالي صناديق الثروة السيادية المدارة، في الوقت الذي تشكل فيه صناديق السلع في آسيا والشرق الأوسط نسبة 80 في المائة من إجمالي صناديق الثروة السيادية. ومن المنتظر أن يسهم فائض السيولة من هاتين المنطقتين وغيرهما من الدول المنتجة للنفط مثل روسيا (رغم معاناة هذه الدولة من بعض المشكلات في الوقت الراهن)، في تعزيز الموارد المالية المتاحة للاستثمار من قبل صناديق الثروة السيادية.
لقد خضعت استراتيجيات الاستثمار في صناديق الثروة السيادية للتدقيق بعد نشوب الأزمة العالمية لكن استثماراتها كانت بشكل عام طويلة المدى، في الوقت الذي ساعدت فيه سندات بعض هذه الصناديق في المصارف الغربية في نزع فتيل أي تحفظ حيالها. كما ساعدت مجموعة المبادئ الاستثمارية والتشغيلية التي وضعتها صناديق الثروة السيادية بالتعاون مع صندوق النقد الدولي في اجتماع سانتياغو في سبتمبر عام 2008 في تهدئة المخاوف حيال تلك التحفظات، وبعد تكبدها خسائر كبيرة في عام 2008 وعام 2009 نتيجة الركود الاقتصادي العالمي.
وتبين الدراسة أن صناديق الثروة السيادية اكتسبت خبرة في التنظيم واستراتيجية الاستثمار. كما سعى عديد من هذه الصناديق إلى توسيع تجربته الذاتية من خلال توظيف العاملين في المصارف التي بدأت تتقلص استثماراتها.
وتماشيا مع القوة المتنامية للأسواق الناشئة والتغيرات المرتبطة بأنماط التجارة العالمية وتدفق الاستثمارات، وإلى جانب الرغبة في تقليل الاعتماد على أصول الدولار الأمريكي، فإن صناديق الثروة السيادية ستسعى نحو تعزيز استثمارها في الأسواق الناشئة. وهذا بدوره يشير إلى تقليص التركيز على الخدمات المالية بوصفها هدف الاستثمار.وتوضح الدراسة أن عدد صناديق الثروات السيادية فاق الـ38 صندوقا في الوقت الحاضر، منها 30 صندوقا قامت الدول النامية المصدرة للمواد الأولية بإنشائها، وذلك من أجل توفير الأموال للأجيال المقبلة واستخدامها عند الحاجة من أجل إضفاء الاستقرار على برامج التنمية الاقتصادية. وتقدر الدراسة حجم أموال هذه الصناديق بنحو ثلاثة تريليونات دولار، وهي بذلك تزيد على حجم صناديق التحوط التي يقدر حجم موجوداتها بنحو 1.9 تريليون دولار، كما أنها تمثل نحو نصف في المئة من حجم الاستثمارات الخارجية للحكومات في العالم.
من جهته، يؤكد تقرير صندوق النقد الدولي أن هناك مزايا متعددة ناجمة عن استثمارات صناديق الثروات السيادية، أولاً أنه لم تسجل أي ممارسة سلبية في سجل هذه الصناديق حتى الآن، وثانياً أن ما تمثله هذه الصناديق في الوقت الحاضر لا يصل إلى أكثر من 2 في المائة فقط من نحو 165 تريليون دولار حجم الأسهم المتداولة عالمياً، أي أنه حتى لو افترضنا أن هذه الصناديق أرادت أن تحرك استثماراتها بشكل مفاجئ، فإن ذلك لن يكون له تأثير يذكر، وبالتالي فإن المخاوف من مثل هذا التحرك مبالغ فيها إلى حدٍ كبير، وثالثا أن هذه الصناديق تمثل مستثمراً طويل الأجل مستعداً لتحمل تقلبات السوق القصيرة الأجل، ما يمثل عامل استقرار للأسواق المالية إضافةً إلى كونها مستثمراً مسالماً يوفر أموالاً كبيرة من دون الإصرار على التمثيل في مجالس الإدارة، أو حتى التأثير في الإدارة أو تغيرها أو طرد موظفيها، أضف إلى ذلك أن هذه الصناديق بما تمثله من أموال كبيرة تعتبر عاملاً مساعداً في معالجة الاختلالات المالية على الصعيد العالمي، وذلك من خلال نقل الأموال من دول الفائض إلى الدول التي تعاني عجزا ماليا وتحتاج إلى مثل هذه الأموال، هذا عدا عن كونها عاملاً مهماً في زيادة تكامل الاقتصاد العالمي وزيادة الشراكة وربط المصالح المشتركة.
وبشأن الرقابة على أنشطة صناديق الثروات السيادية، يذكر التقرير أن الدول الغربية لديها ما يكفي من القوانين التي تحكم عمل الاستثمارات الأجنبية، إذ إن هناك مثلاً حدوداً لملكية المصارف بحكم كون الدول في الغالب الضامن لودائع البنوك، وهذا التحديد ينطبق أكثر على تكنولوجيا الدفاع وحتى شركات المرافق، لذلك ليست هناك حاجة إلى وضع دليل جديد لتحديد دخول وتحرك استثمارات صناديق الثروات السيادية، حيث لا يجب أن يكون هناك تمييز ضد نشاط هذه الاستثمارات التي ستخضع بالضرورة للقوانين نفسها التي تسري على غيرها من الاستثمارات من دون تفرقة.
ويؤكد الحاجة إلى حملة للتوعية بالدور الإيجابي لهذه الصناديق على مستوى الاقتصاد العالمي، وثانياً، التأكيد على الشفافية والإفصاح في عمل هذه الصناديق. كما أن المطلوب في مجال الإفصاح ليس التطرق إلى تفاصيل الصفقات الاستثمارية، بل المطلوب هو الإفصاح عن الأهداف والسياسات العامة، الذي يعتبر ليس مشروعاً فقط، بل مطلوب حتى على الصعيد المحلي. كما أن الحصول على الدعم والمساندة ينبغي أن يستند إلى التواصل والمكاشفة.

