حضورها في المشهد الكاريكاتيري يحقق للرسامين الكثير! حتى لو تم النشر في صحيفة غير شعبية! ويحدث هذا بشكل لافت في وسائل الإعلام السعودية، وهو بالمناسبة، كفيل بتحقيق جماهيرية لا يمكن تجاهلها لأي رسام مبتدئ!
في تاريخ الكاريكاتير السعودي، كانت البداية من خلال "أم صالح"، ربة المنزل الأربعينية التي عايشت "أبو صالح" في منزل "مسلّح" من منازل الطبقة المتوسطة في النصف الأخير من القرن المنصرم! بادرة هدفت حينها، في تصوري، لتأصيل مفهوم المدنية في حياة المتعلمين والمطلعين على الصحافة. الحديث عن البادرة هنا يقتضي التفرّد دون جهد يذكر، وذلك بتنسيب الريادة إلى أستاذنا الكبير.. نحّات الكاريكاتير السعودي: علي الخرجي(.) وبحضور المرأة في كاريكاتير "الأستاذ" أبو ناصر، حضر الانتباه بعد الانبهار! فمرحلة الانبهار كانت تكتفي بالتساؤل قائلة: ما هذا الفن الجميل؟ ولم يمهلهم "الأستاذ" طويلاً .. فأخذهم على عجل إلى مرحلة الانتباه، ووضع الأنثى في مشهد يختزل بيوتنا ويومنا... وحياتنا آنذاك! وووجِه "الأستاذ" بهجوم عنيف، وصل إلى المنابر.. وهو ذاك الفنان المسالم الخلوق الهادئ متعدد المواهب وصنوف العطاء! فركن إلى التنويع بين الكاريكاتير الاجتماعي والسياسي حتى يحتوي ما دار من جلبة يعلم العارفون أنها مردودة إلى خيانة في التقدير!
الصخب الكبير جاء في الربع الأخير من نفس القرن! حضر الأسطوري محمد الخنيفر، واستحضر الأنثى كما تمناها عاشق أنهكه الشغف! فاتنة في قلب السخرية! ومعها عرفنا إشكالات اجتماعية وآيديولوجية وعرفية كبيرة .. كانت أجرأ كثيراً من مستوى المرحلة، ولم يدعمها ويسهم في إجازتها سوى ما كان يدور في أروقة الصفحات الثقافية من حديث لم نستوعبه كثيراً آنذاك .. عن شيء سموه "الحداثة"! وكان أستاذنا الخنيفر يجيد العزف على الوتر.. كيف لا؟ وهو ذاك الفنان المثقف الذي جاب الأرض غضّاً ليقرأ الفنون ويتعلم الكثير من اللغات ويجيدها ويتحدث بها! وليت جيل اليوم يعلم! أن كل هذا، وأكثر، لم يكسبه سوى تواضعاً لم أره إلا في عظيم! ولن أراه إلا في عظيم!
لأستاذنا الخنيفر حدسه الذي لا يخطئ، فهو فنان يجيد قراءة يومه، ويرى جلياً إلى أين يذهب المد، وما التغيير المتوقع، وهذا في تصوري هو دور الفنان والمثقف الحقيقي! وعليه، لم يتوان أسطورتنا لحظة عن استشراف القادم في كاريكاتيراته، وتقديمه للناس قبل أن يصدمهم الغد! الرأي عند الخنيفر مبدأ لا يحتمل النقاش، ولم يكن يتردد في سرد رأيه وتوضيحنا على الورق! انتقل بنا من الكاريكاتير الزوجي إلى الحشدي (فيه كركترات كثيرة جدا وتفاصيل سعودية عديدة)، ولم يتركنا نهدأ قبل أن يبعثرنا بالقصصي المصور!
الحقيقة التي يجب أن يدونها تاريخ الثقافة السعودية الحديثة هي أن: الكاريكاتير في ثمانينيات القرن المنصرم كان أقوى بكثير من الدراما التلفزيونية، المسرح، المونولوج ... وحتى المقال!
لم يك هناك وجه للمقارنة! فالكاريكاتير التهم المشهد الثقافي وأصبح نداً عنيفاً للرياضة ممثلة في كرة القدم! حينذاك، طمس الكاريكاتير معالم الفرصة على كل ما سواه! فقد كان هامة لا يمكن أن تخطئها عين ... وما ترك الكاريكاتير لغيره من صنوف الفنون الجماهيرية (باستثناء الموسيقى) سوى الفتات!
للحديث بقية....
