''يندر أن تكون هنالك إمكانية لاشتقاق درجة رعاية أمة من مقياس للدخل القومي. هذا هو التحذير الذي قدمه إلى الكونجرس الأمريكي عام 1934، سيمون كوزنتس الذي واصل بذلك تقليداً طويلاً من الإشارة إلى أن هنالك أموراً في الحياة غير المال. غير أن تعليقات هذا الاقتصادي كان لها وقع خاص: كانت مرتبطة بالمحاولات الجادة الأولى لإنتاج حسابات دخل قومي – أي مجموع ما ينتجه، ويكسبه بلد ما – وذلك فيما يخص كوزنتس، وفريق بحثه الصغير الذي أعد تلك الحسابات، حيث كان يعرف حدودها.
أينما كان يقود كوزنتس، كان الآخرون يتبعونه. وانطلاقاً من المراتب العليا في إدارة الرئيس باراك أوباما، إلى مكاتب نظيره الفرنسي، نيكولا ساركوزي، وإلى رئيس وزراء المملكة المتحدة، ديفيد كاميرون، فإن هدف قياس درجة الرفاه الاجتماعي ظل يأسر خيال صانعي السياسة. وهم ينضمون بذلك إلى بلدان أقل قدرات، مثل بوتان التي جعل مقياس مهمتها ''السعادة القومية الإجمالية'' هذه المملكة في جبال الهيمالايا بلداً يحدد مواصفات هذا الاتجاه.
كان كاميرون أحدث زعيم يتعرض لهذه القضية، وذلك بقوله إن بريطانيا كانت بحاجة إلى مقاييس بديلة يمكنها أن تظهر التقدم القومي ''ليس فقط من خلال معرفة كيفية نمو الاقتصاد، ولكن مدى تحسن حياتنا، وليس فقط من خلال مستوى معيشتنا، ولكن من خلال نوعية حياتنا''. وبينما يبدي بعض المحللين شكوكهم بأن لدى كل سياسي دوافعه الخاصة به – الظهور بمظهر لطيف أمام الناخبين، وكَيْل المديح للاقتصاد، إلى غير ذلك من الأمور – فقد كانت النتيجة إيجاد شعور بقوة دافعة وراء اقتصاديات السعادة.
اعتناق السعادة مسألة تختلف عن قياسها. وهنالك، إذا تحدثنا بصورة عامة – ثلاثة أساليب لقياس مستوى الرعاية في بلد ما، أولها استخدام إطار حسابات قومية راسخة منذ فترة طويلة، وتعديله لكي يعكس بصورة أفضل الرعاية القومية. وأما الثاني، فهو جمع البيانات حول المقاييس الموضوعية التي يرجح ارتباطها بالرعاية: أي شيء من توقعات عدد سنوات العمر، إلى معدلات الجريمة والانتحار، ووصولاً إلى عدم عدالة توزيع الدخل. وأما الثالث، فهو – كما أن الأساليب الثلاثة ليست شاملة بالدرجة ذاتها – محاولة قياس الرعاية القومية على نحو مباشر بسؤال الناس كيف يشعرون: وهو ما يعادل قياس الثروة بتوجيه السؤال: ''ما مدى غناك على مقياس يتكون من 1 إلى 10 درجات؟''
يبدو مشروع قياس الرعاية القومية، من الجانب الفكري، مرتبطاً بيسار الوسط. وقد أصبحت حسابات الدخل القومي ذاتها – مثل إحصاءات البطالة – مهمة في الثلاثينيات، بينما حاول فرانكلين روزفلت الخروج بالولايات المتحدة من الكساد العظيم، وحين أدركت الحكومة أنها لا تفهم سوى القليل للغاية حول الكيفية التي كان يعمل بها الاقتصاد بالفعل – بما يتجاوز أنه يعمل على نحو سيئ للغاية. ولم تعمل الحرب العالمية الثانية، وعقلية التخطيط المركزي التي جاءت معها، إلا على تكثيف التركيز على قدرة الحكومة على فهم كيف كان الاقتصاد يعمل.
أما وجهة النظر الموازية لذلك، فإن أكثر من عبر عنها بقوة هو جون كاوبر – ثوايت – وزير مالية مستعمرة هونج كونج في الستينيات الذي كان يؤمن بحرية العمل، والذي ادعى بأنه رفض جمع الإحصاءات الاقتصادية لأنها سوف تقدم الذخيرة فقط إلى المخططين. ولم يقدر لآرائه أن تصبح سائدة. وفاز كوزنتس بجائزة نوبل التذكارية في الاقتصاد عام 1971، وذلك في السنة الثالثة فقط من البدء في منحها – نظراً لأن من الصعب العثور على اقتصاديين جادين يعتقدون أن جمع حسابات الدخل القومي لا فائدة منه. والسؤال هو ما إذا كانت هنالك منفعة في محاولة إكمال دعم هذه الحسابات بحسابات الرعاية القومية، أو بالتعبير عن ذلك على نحو لطيف، بإيجاد مؤشر للسعادة القومية.
يقول كاميرون إن هذا المؤشر موجود، حيث أعلن في الشهر الماضي ''لا يمكنك الإمساك بالسعادة على جدول بياني، بقدر ما لا يمكنك أن تضعها في زجاجة''. وأضاف أن لبرنامج مؤشر السعادة هدفاً عملياً: مساعدة الحكومة، على فهم ''يسنده دليل'' لأفضل وسيلة لتحسين مستوى رعاية الناس. وباختصار، فإن كاميرون يعتقد أن مؤشرات السعادة يمكنها مساعدة حكومته القائمة على تحالف بين المحافظين والأحرار الديمقراطيين، على تخطيط سبيلها لإيجاد أمة أسعد بالطريقة ذاتها التي ساعدت فيها الحسابات القومية لكوزنتس صانعي السياسة على الاستجابة إلى الركود، ونشوب الحرب.
قبل فهم ما يمكن للحكومات عمله بمقاييس السعادة، فإن من الجدير بالأهمية التساؤل حول كيفية قياسها على الرغم من عدم نفور اقتصاديي الأعصاب من إدخال الناس في أجهزة القياس التصويري للدماغ بهدف معرفة أفكارهم الداخلية، فإن أسهل وسيلة لمعرفة ما إذا كان شخص ما سعيداً هو سؤاله مباشرة عن ذلك. وقد يبدو ذلك غير مثير للجدل، حيث يبدو، بعد كل شيء، أن من المبتوت فيه أنه إذا كنت سعيداً، فإنك تعرف ذلك.
مع ذلك، فإن هنالك أسلوبين مختلفين تماماً في هذا الأمر. وإن الأول منها، والمعروف على نحو أفضل، هو جمع المعلومات حول ''الرضا عن الحياة'' بسؤال الناس عن مدى رضاهم عن حياتهم، ككل، وعلى مقياس (على سبيل المثال) من 1 إلى 10، بحيث يتم الحصول على إجابة نهائية على السؤال عن كيفية سير أمور الحياة.
أما الأسلوب البديل فهو تقريب صورة مجموعة معينة من الأحداث والسؤال عن المشاعر التي ولدتها. وإن أحد أمثلة ذلك هو ''أسلوب تركيب اليوم'' الذي أعده باحثون بينهم العالم النفسي، نوبرت شوارتز، والعالم النفسي، دانييل كاهنمان، وفائز آخر بجائزة نوبل التذكارية في الاقتصاد. ويطلب ''أسلوب تركيب اليوم'' من الناس تذكر أحداث اليوم السابق، فصلاً بعد فصل، وأكثر المشاعر المرافقة لذلك وجوداً – التوتر، والسلام، والإرهاق، والابتهاج.
باختصار، فإن الأسلوب الأول يقيس الرضا عن الحياة، بينما يقيس الآخر المزاج – والأسلوبان وسيلتان مختلفتان تماماً للتفكير المتعلق بالسعادة. ووجدت إحدى الدراسات التي قارنت بين النساء في رينز، في فرنسا، وكولومبوس، في الولايات المتحدة، أن احتمال قول النساء الأمريكيات إنهن راضيات للغاية بحياتهن، هو ضعف ذلك الاحتمال لدى النساء الفرنسيات، ولكن الفرنسيات كن يمضين معظم أيامهن بمزاج جيد. ويقول الأستاذ كاهنمان في هذا الصدد: ''لقد كنا نميل منذ فترة طويلة إلى استخدام كلمة واحدة للإشارة إلى أشياء مختلفة كثيرة. وهنالك حاجة، على وجه الخصوص، إلى التمييز بين الرضا عن الحياة، والمزاج، أو السعادة التي مر بها المرء وأنهما مختلفان تماماً، كما أن لهما مسببات، ونتائج مختلفة''. وإذا أراد السياسيون تضمين قياس السعادة في نسيج أُطر الإحصاءات القومية، فإن هذا فرق سوف يضطرون إلى أخذه على محمل الجد.
هنالك اعتراض واضح على التأكيد على كون مؤشرات الرعاية القومية أمرا جديدا، وهو أنها ليست جديدة على الإطلاق وأن أشهر نتيجة (على الرغم من الاعتراض عليها) في مجال اقتصاديات السعادة هي تناقض إسترلين – إن المال يشتري السعادة في أي مجتمع، ولكن لا يبدو أن المجتمعات الأغنى أسعد من مجتمعات الدخل المتوسط – حيث يعود الحديث عن ذلك إلى السبعينيات.
مع ذلك، فإن البيانات حول السعادة الشخصية ظلت تتحسن منذ ذلك الحين. وقد نشرت المملكة المتحدة الاتجاهات الاجتماعية على مدى أربعة عقود من الزمن، وهو تقويم للزمن الحديث يتضمن معلومات عن الجريمة، والخوف منها، والاتجاهات إزاء الزواج، ومدى الرضا عن الخدمات الصحية القومية، وأرقام خاصة بحماية الأطفال، وتلوث الهواء، والمخزون السمكي لمياه بحر الشمال، وغير ذلك الكثير. وتقوم بلدان الآخر بالشيء ذاته.
يضع هذا الأمر أجندة الرعاية في مكان غريب. ويعرف من يصدقونها أن البيانات موجودة. ويشير الأستاذ أندرو أوزولد، من جامعة وارويك، وهو مؤيد رئيس لاستخدام بيانات الرعاية، إلى دراسة القوى العاملة في المملكة المتحدة التي تتضمن بالفعل أسئلة حول الاكتئاب، والقلق. ويريد الأستاذ أوزولد رؤية مزيد من مثل هذه الأسئلة، وأن يوجه مزيد من الاهتمام إليها، ولكن تلك مطالبة بفعل المزيد، بدلاً من فعل شيء ما مختلف على نحو عميق.
غير أن الأستاذين كاهنمان، وكروغر، وغيرهما، لديهم خطط لتقدم أكثر راديكالية، إذ يقترحون نشر مقاييس ''حسابات الوقت'' إلى جانب الحسابات القومية المعتادة. وقد حصل مكتب الإحصاءات العمالية في الولايات المتحدة على تمويل من المعهد القومي لكبار السن، وبدأ بتطبيق بعض مقترحاتهم.
تستخدم دراسات استخدام الوقت عينات ممثلة لمعرفة كيف تمضي الأمة وقتها ــ سواء في الطبخ، أو التنقل، أو مشاهدة التلفزيون. وتمثل هذه جزءا راسخاً تماماً من الأدوات الإحصائية الأمريكية. ويدخل مكوّن السعادة حين يتم مزج الدراسات بمقياس تركيب اليوم. ولأن هذا الاستبيان يطلب من المستجيبين للدراسة تصنيف المشاعر التي أحسوا بها أثناء قضاء الوقت في النشاطات المتعددة، فإن بالإمكان استخدامه لإيجاد مقياس الوقت الذي يمضيه الناس في حالة عقلية غير سارة – إضافة إلى الأمور التي يقومون بها في ذلك الوقت. (تتضمن النشاطات المحبطة التنقل، والعمل. ونادراً ما يكون الجنس، وتناول الغداء، والعشاء من الأمور غير السارة).
طور فريق كاهنمان وكروغر نموذجاً مخففاً من مقياس تركيب اليوم، بحيث يمكن إنجازه كدراسة معتادة تتم بالهاتف، كما أن مكتب القوى العاملة أنجز بالفعل دراسته الأولى باستخدام هذا النموذج الجديد. ويبدو أن الدراسات الرائدة في هذا المجال تعطي نتائج مخلصة لمقياس تركيب اليوم. ومن المنتظر ظهور أول بيانات من جانب مكتب إحصاءات القوى العاملة، بهذا الخصوص في أوائل هذا العام .
هل سوف تعطي الحسابات القومية للوقت – أو بعض القياسات البديلة الأخرى للرعاية – للسياسيين أداة ذات أهمية عملية؟ أم هل سوف يثبت أن كاوبرويت على حق بأن تلك البيانات لن تعمل إلا على تشجيع السياسيين على التدخل؟ لا يعتقد الأستاذ كروغر ذلك وهو يقول في هذا الصدد: ''هذا الأسلوب قابل للتعديل لتقييم تدخلات السياسة العامة، بينما يمكن للاستثمار في الطرق والسكك الحديدية التأثير في حركة التنقل، وتؤثر قوانين العمل الإضافي في ساعات العمل، كما أن الملاعب تؤثر في نشاط قضاء أوقات الفراغ''.
سوف تقوم الحسابات القومية للوقت بأكثر من ذلك، لأنها تعمل على تحييد مشكلة لا تقهر في أسلوب الرضا عن الحياة: من حيث إن خمسة من عشرة بالنسبة لأحد الأشخاص يمكن أن تكون ثمانية من عشرة بالنسبة لشخص آخر. ويمكن إهمال هذه المشكلة إلى حد ما، وبالذات لدى النظر إلى عينة الأحجام الكبرى، ولكن إذا كانت هنالك اختلافات نظامية تصنيفية بين وسائل تعبير الناس عن هذه الأحكام – واختلافات بين المدن والريف، والبيض والسود، والرجال والنساء، والدنماركيين والفرنسيين، فلا يمكن استخدام البيانات لإجراء مقارنات بين المجموعات. (جاء في إحدى دراسات القياس الأوروبي أن 64 في المائة من الدنماركيين وصفوا أنفسهم بأنهم ''راضون للغاية'' مقابل 16 في المائة من الفرنسيين. ومن المغري التساؤل حول مدى ما تخبرنا به هذه الدراسة بالفعل بخصوص الرعاية النسبية في فرنسا والدنمارك).
تقيس الحسابات القومية للوقت كم من الوقت يمضيه الناس في نشاطات يكون فيها الانفعال الأقوى بين انفعالات كثيرة سلبياً. ويعمل ذلك على التقليل الكبير من مشكلة قابلية المقارنة بين الأشخاص (على الرغم من أنه لا يستطيع التخلص منها تماماً). وقد توجد في النهاية استنتاجات تبعث على الجدل – تخيل، على سبيل المثال، إذا أظهرت الدراسات أن النساء يمضين أوقاتاً لا يحببنها، بأكثر مما يفعل الرجال، أو أن المتقدمين في السن يعيشون حياة أهنأ من تلك التي يعيشها الشباب.
سوف يستمر مكتب الإحصاءات القومية في المملكة المتحدة في مشاوراته حتى منتصف نيسان (أبريل). ويفترض أن تتوافر في ذلك الحين أول حسابات الوقت الأمريكية. فإذا كان كاميرون جاداً بخصوص السعادة، فإنه سوف يوجه نظرة عاجلة متفائلة عبر الأطلسي.

