''خطة الحكومة التي تتسم بالقوة والصدقية التي تمتد عدة سنوات من أجل تخفيض العجز، ضرورية لضمان تحمُّل الدين. وتخفض الخطة بقوة مخاطر فقدان الثقة في المالية العامة، وتدعم تعافياً متوازناً''. بهذه الطريقة يقيِّم مسؤول من صندوق النقد الدولي الاستراتيجية المالية للمملكة المتحدة. ولا بد أن يكون جورج أوزبورن، وزير المالية، منتشيا بذلك. إنه أكثر من تقييم، بل هو رسالة غرام.
لكن من الصعب كذلك اعتباره مفاجأة. سيكون من غير العادي أن يهاجم صندوق النقد الدولي تشددياً مالياً حاداً من جانب عضو في مجموعة البلدان السبعة الرئيسية ذات الدخل المرتفع، حين يواجه ذلك العضو عجزاً ماليا هيكليا كبيرا. ويعتقد في الغالب أن صندوق النقد الدولي يؤيد ''الأكثر تشدداً من الناحية المالية''.
مع ذلك، يبين صندوق النقد الدولي أنه يتوقع أن يبلغ النمو الاقتصادي 2 في المائة في العام المقبل، ثم يرتفع تدريجياً إلى 2.5 في المائة في الأجل المتوسط. وما لم يحدث انهيار في معدل النمو الاقتصادي المتوقع للمملكة المتحدة، يفترض العاملون في صندوق النقد الدولي ضمنياً أن الفائض الموجود حاليا في طاقة الإنتاج سيطول أمده ـــ الواقع يجب أن يطول أمده. وبما أن الاقتصاد، كما يلاحظ سبنسر ديل، كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا، أصغر بنسبة 10 في المائة ممّا كان يمكن أن يكون عليه لو استمر اتجاه نموه الذي كان سائداً قبل الأزمة، فمن الصعب فهم لماذا يعتبر هذا الأمر ''تعافياً متوازناً''. وهو يقبل خسائر ضخمة في الإنتاج باعتبارها شبه دائمة. فلماذا يفعل ذلك؟
يبين آدم بوسن، عضو اللجنة النقدية في بنك إنجلترا، في خطاب حديث وقوي له بعنوان ''حجة فعل المزيد''، أن هذا سؤال جيد للغاية. ويجادل أولاً بأن الاقتصاد يمتلك حالياً طاقة إنتاجية فائضة ربما تكون كبيرة للغاية. ويفترض ثانياً أن الخطر الأكبر لا يتمثل في ثورة التضخم، بل في الانكماش، كما حدث في اليابان. ويفترض ثالثاً أن هناك خطراً كبيراً في أن يُحدِث الطلب الضعيف لفترة طويلة خسائر هيكلية ودائمة في الإنتاج، من خلال استثمار ضعيف وبطالة طويلة الأجل. ويقول: ''يمكن أن يكون الضرر الذي يلحق باقتصادنا وبشركاتنا وبقوة العمل لدينا، ضررا دائماً من خلال عجز صانعي القرار''.
وسيرد بعضهم بأن تلك الطاقة الإنتاجية الفائضة هي في حدودها الدنيا. صحيح أن جانباً من إنتاج ما قبل الأزمة كان وهمياً بالتأكيد، لكن هل كان كله كذلك؟ حتى وزارة المالية لا تصدق ذلك. ومرة أخرى يشير بعضهم إلى معدل التضخم المرتفع. لكن هناك أسباب جيدة للاعتقاد بأن هذا مؤشر متأخر عن غيره. فهو يعكس في معظمه تخفيضاً للاسترليني بنسبة 25 في المائة منذ منتصف عام 2007. ومن الأمور بالغة الأهمية، كما يلاحظ ديل ''أن المتوسط السنوي لنمو أرباح القطاع الخاص كان دون 1.5 في المائة بقليل منذ بداية الانكماش، أي نحو ثلث المعدل الذي ساد السنوات الخمس السابقة''. ويتسق ذلك مع معدل تضخم عند مستوى الصفر للتكاليف الاسمية لوحدة العمل. وفي ظل تخفيضات الوظائف المنتظرة من قبل الحكومة، فإن فرص حدوث حركة لولبية على صعيد الأسعار ـــ الأجور، أمر قابل للإهمال بالتأكيد.
وثمة من يجادل بأنه ليس من حقنا أن نورث الأجيال المقبلة ديوناً أعلى، لكن لماذا يفترض أن يكون من الحكمة توريثها اقتصاداً أصغر بدلاً من ذلك؟ ويشير آخرون إلى الجهود الضخمة التي يتم بذلها، غير أن ذلك يخلط بين المدخلات والمخرجات. وكما يلاحظ بوسن، هذا يشبه القول: ''لا بد أن تطفأ النار، لأننا سكبنا عليها بالفعل مياها أكثر مما سكبناه على أي نار قبلها''. وهذا خلط بين الإجراءات المتخذة والنتائج.
تأتي بعد ذلك الحجة القاتلة، المتمثلة في الإعلان عن أن هذه هي ''السذاجة الكينزية'' الخاصة بالسبعينيات. لكن الذين عاشوا تلك الحقبة الزمنية يعرفون مدى اختلاف الظروف في الوقت الراهن: لا توجد تحركات عنيفة من جانب نقابات العمال، ونسبة التضخم من الضآلة بحيث يمكن إهمالها. نعم، يجب أن تظل توقعات التضخم مستقرة ومتوازنة. لكن الخطر المنتظر في الأجل المتوسط يتعلق بتضخم متدنٍ للغاية، إن لم يكن انكماشا، بدلا من العكس. ووجهة النظر المأخوذ بها على نطاق واسع، القائلة إن توسيع ميزانية البنك المركزي لا بد أن يؤدي إلى تضخم مرتفع، خاطئة. فمع نظام ائتماني منهار لا شيء من ذلك سيحدث.
إذن، ما الذي ينبغي فعله؟ بما أن بوسن عضو في اللجنة النقدية لبنك إنجلترا، عليه أن يركز على ''مشتريات الموجودات كبيرة الحجم'' من جانب البنك المركزي. ويقترب ذلك من أن يعني بصورة مؤكدة شراء السندات الحكومية. وربما يخرج من يجادل لصالح شراء الموجودات الخاصة أيضا، على الرغم من أن المنافع ليست واضحة. غير أن أكثر السياسات فاعلية يمكن أن تكون زيادة العجز الحكومي والحصول على تمويل لذلك من البنك المركزي.
وهذا يتسق تماماً مع برنامج تخفيض الإنفاق الذي ستطبقه الحكومة الائتلافية. إن حجم وتركيب الإنفاق الحكومي قراران سياسيان، لكن هدف العجز المالي يمكن أن يكون مستقلاً عن الإنفاق المرغوب. وإذا قبل المرء بحجة بوسن ـــ أن من المتوقع أن يعاني الاقتصاد من ضعف الطلب في الأجل المتوسط ـــ فإن هناك خياراً بسيطاً يمكن أن يكون هو المضي في تخفيضات الإنفاق وتخفيض الضرائب بقوة لفترة مؤقتة ـــ مساهمات التأمين القومي مثلا ـــ وتمويل عجز العوائد بالاقتراض من البنك المركزي. وسيمنح ذلك حقناً مباشراً للقوة الشرائية في الاقتصاد، بينما يشجع التشغيل. وبعد ذلك، حين يرتد الاقتصاد إيجابياً، يمكن عكس اتجاه التخفيضات الضريبية.
من الممكن أن تكون مثل هذه السياسة المنسقة بين الحكومة والبنك المركزي بمثابة ''الخطة ب'' التي يتطلع إليها كثيرون. أما قبول سنوات من النمو المترنح والطاقة لإنتاجية الفائضة المزمنة، فمن المؤكد أنه سيكون خياراً بديلاً أحمق.

