قرت أعين كثير من أولياء الأمور عندما سمعوا عن افتتاح جامعات جديدة، سعدوا بهذه الأخبار وذلك استئناساً بما سيجنيه أبناؤهم من علم وتعلم بالقرب منهم، بعدما تداولت أخبار مخجلة لبعض مسالك الطلاب المبتعثين في خارج المملكة. إلا أن الوضع لا زال شائكاً بالنسبة لعدد من خريجي وخريجات الثانوية العامة الذين تستوعب مدارسهم السابقة ما يزيد عن 1.200.000 طالب وطالبة وكل سنة تزداد هذه الأعداد مع تزايد عدد السكان، ويزيد من المهام الملقاة على عاتق وزارة التربية والتعليم.
أما التعليم العالي فالتصريحات السنوية تشير إلى أن هناك مقاعد شاغرة لأعداد بالآلاف للطلاب والطالبات، حتى أنه أخيراً يقال أن المقاعد تجاوزت الطاقة الاستيعابية الـ 250 ألف خريج وخريجة من الثانويات العامة فيما نسبة الخريجين تتجاوز هذا العدد بكثير، وأن من المؤسف أن لا يجد عشرات الآلاف من الطلاب والطالبات أي فرصة قبول في أي جامعة أو كلية من الكليات، فلا بأس لو تم قبول خريجي وخريجات الثانوية بجميع المقاعد الشاغرة على فصلين دراسيين مشروطة بختم الشهادة، حينها ستظل النسبة الأقل للذين لم يجدوا فرصة للتكملة في المسار الجامعي. لكن مع بداية كل عام دراسي وخاصة الأسبوعين الأولين تتضح الصورة بشكل جيد للأعداد الذين تم قبولهم في الجامعات وتقل إلى تدريجياً حتى نهاية الفصل الدراسي. فتجد أن نسبة من هم على مقاعد الدراسة في السنة الثانية في أي جامعة من الجامعات أو كلية من الكليات هم أقل بكثير ممن تم قبولهم في بداية العام الدراسي، وفي بعض السنوات تصل النسبة إلى 50% من المقبولين في السنة الأولى أي أن العدد تقلص من 1000 طالب إلى 500 طالب أي بنسبة النصف تقريباً والنسبة تختلف من جامعة إلى أخرى ومن كلية إلى أخرى، وقد يكون هناك جدال آخر حول نسبة الخريجين مقارنة بأعداد المقبولين والتي يقراءها المحللون على أنه هدر كبير للموارد البشرية والمالية في نفس الوقت.
ما يظهر إلى السطح هو أن هناك حاجة ماسة إلى مزيد من التخطيط المقنن، ومعرفة أين يكمن هذا الخلل؟ هل من الطالب أم من الجامعة أم من التعليم ذاته؟ كما يتحمل المختصين في التطوير والتخطيط مسؤولية على عاتقهم في هذا الجانب لمراجعة الاحصائيات بشكل دقيق ومقارتنها بالواقع ووضع حلول في المستقبل. ليس حلول ذات طابع مؤقت بل على مدى طويل.
البعثرة التي تحدث كل نهاية سنة دراسية للطلاب في كيفية الحصول على مقعد جامعي تدعو للتأمل والاعادة في ترتيب الأوراق، فعملية إدخال نظام تسجيل شامل لكل الجامعات والكليات في المملكة لتنظيم توزيع الطلبة والطالبات بكل جدارة واستحقاق قد يكون فيه شيء من الصعوبة في الوقت الراهن، وهناك اشادة بتجربة الهيئة الملكية بالجبيل في عملية التسجيل الموحد كبداية تحبو لحل هذه المعضلة السنوية، لكن قد يكون هناك أمر آخر يساعد في تقليل البعثرة وهو عملية وضع إشارة في النموذج أثناء عملية التسجيل (هل أنت منتظم في جامعة أو كلية؟) قد تتيح هذه الميزة الفرصة للطلبة والطالبات الذين لم يجدوا لهم فرصة في الحصول على مقعد جامعي، وتفسح المجال لمن لديه طاقة وحاجة للدراسة فعلياً.
لازالت وزارة التعليم العالي تحس بالمعضلة الملقاة على عاتقها وتحاول مستنجدةً بكل الإمكانيات التي يكسوها الخجل من مجابهة الأعداد الهائلة من خريجي الثانوية والتي تؤدي في النهاية إلى عمل لا زال بحاجة إلى مزيد من المساندة، وهذا بشكل حقيقي وليس مبالغاً فيه، بعكس الدور الذي تقوم به وزارة التربية والتعليم التي أخذت على عاتقها الهم الأكبر في توفير مقعد لكل طالب وطالبة، وفتحت الباب على مصراعيه لإسناد مهام إضافية واعطاء تصاريح للمدارس الأهلية لاستيعاب الطلبة والطالبات.
يتسآءل الطالب المواطن بعد هذا العدد من الجامعات، كيف لا أستطيع أن أجد مقعداً جامعياً أواصل فيه تعليمي؟" لكن الاجابة قد تكون، هذا صحيح ولكن ليس لعدم توفره بل لعدم تنظيمه!.
