خلعت مكة المكرمة البارحة عباءتها البيضاء، وتخلت عن رداء الإحرام، الذي كان يزين مظهرها طوال أيام شهر رمضان، لتحتفل بدخول أول أيام عيد الفطر، في تعبير لا يحدث إلا فيها من خلال ارتداء أهلها للزي التراثي بمختلف أنواعه، والذي يعبر عن وجود موروث تراثي يتعاطى مع هيئة مزيج وتركيبة سكانها المختلفين في الثقافات، والقادرين على الحفاظ على التراث والتمسك به على الرغم من مرور آلاف السنين من وجودهم فيها.
أهل مكة أبت أنفسهم أن تواكب الحداثة في الملبس، خاصة في أيام المناسبات والأعياد رغم توجههم نحو العالم الأول، وظل الغالبية منهم يتمسكون بذلك الزي المكون من الغبانة والسديرية والكمر والكوفيه أو بالزي الإفريقي أو المغربي أو الشركسي، إضافة إلى الزي السعودي المتعارف عليه والمكون من الثوب والشماغ أو الغترة، وهو الأمر الذي يؤكد وجود بوتقة موحدة اختلفت ثقافاتها وتوحد وطنها في أطهر البقاع على الأرض.
رداء الإحرام المكون من قطعتين دون مخيط في لونه الأبيض الزاهي، كان السمة البارزة في جميع الأرجاء التي زارها أكثر من أربعة ملايين معتمر من الخارج، فضلا عن عدد من زارها من الداخل ومن دول مجلس التعاون الخليجي لأداء نسك العمرة، فأين ما ستسقط العين ستجد ذلك البياض الذي يأسر النظر، ليؤكد توجه القلوب في شهر كرمضان إلى الله مهللة بألسنها وداعية بقلوبها وخاضعة جنوبها في خشوع وطمأنينة ترجو الرحمة والغفران والعتق من النار، إلا أن بنهاية الشهر ودخول أول أيام العيد فإن الحال يختلف لتخرج مكة من تلك العباءة وترتدي حلتها لتتزين بأجمل صورها وتسهم في نقل موروثها إلى كافة أقطار العالم من خلال ما تلتقطه عدسات الأعين لما تبقى من زوار ومعتمرين فيها.
ويؤكد صراع أهل مكة مع محيطهم بشأن ما يتعلق بموروثهم، أن ما يحدث على الساحة العالمية من تغيرات جذرية في البنى الثقافية والفكرية باسم العولمة، التي تدّعي أن العالم فيها أصبح قرية صغيرة بفضل التلاقح الحضاري المتسارع، لم يستطع أن يفرض التأثير في مسيرة التراث والأصالة الحجازية، كما أن سكانها على الرغم مما تشهده المدينة من نقلة عملاقة في شتى المجالات المختلفة التي تأتي وفق خطة تنموية واستراتيجية لتطوير المكان والإنسان لم ينبهروا بالسطح والقشور، بل إنهم واكبوا الخطة وبدأوا يستمتعون بضجيج الآليات وهي تعيد هيكلة مدينتهم لتنقلها للعالمية وينظرون في مستوى التركيز الذي يدعي للاستثمار في الإنسان للارتقاء به ويتعاطون معه، وهو الأمر الذي زاد من دفعهم للبحث عن التطوير والتقدم والتعلم، وأيضا التمسك أكثر بحقيقة شعبهم المضياف وأصالة هندامه والحفاظ على رونقة من الاندثار.
ويأتي ذلك الحفاظ على الزي المكي الأصيل الذي لا يكاد يختفي متأثرا بالعوامل المحيطة به إلا ويظهر في المناسبات وكأنه يظهر التحدي بعدم التأثر بكل المؤثرات التي تأتي من حوله، وليؤكد أن العولمة التي لعبت دورا كبيرا في التأثير في المظهر باستعمالات الأدوات والألبسة والموديلات الجديدة، لن تؤثر في صميم القيم والأسس، وهو الأمر الذي يصفه السكان بأنه لا يعني العداوة للعولمة بالمطلق، بل أنهم يؤكدون أنهم سيأخذون بالجديد الجيد وليس كل شيء، لافتين إلى أن التأثر الكلي بالعولمة المطلقة لن يجعل لدى بلدان الحضارة المستمرة القابلية للحفاظ على الموروث، وسيصبح المرء حينها يجد صعوبة في التفريق بين المجتمعات أهي تقليد أم تقاليد.
ويرون أهل مكة، أن تركيبة السكان فيها، تعد مختلطة وتمتزج في روح التركيبة الدينية على الرغم من اختلاف البلدان القادمين منها، مشيرين إلى أن السكان الموجودين فيها حاليا بجوار سكانها الأصليين منذ القدم، قدموا من عدة أقطار عالمية، حيث إن هناك من بين السكان من قدم الهند وباكستان وبنجلاديش وسرلانكا، وأما عناصر الجاوى فتشمل بلدانهم الأصلية كلا من تايلند وماليزيا وكافة الجزر الإندونيسية، لافتين إلى أن من بين السكان، السليمانيين، وهو التعبير الذي يشمل القادمين من أفغانستان، كما أن هناك المغاربة، وهم سكان ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا، وكذلك سكان الشام، وهم القادمون من أقطار بلاد الشام كسورية ولبنان وفلسطين والأردن.
وإضافة إلى تلك التركيبة السكانية يوجد التكارنة، ويطلق لقب التكارنة على جميع القادمين من القارة الإفريقية القاطنين للمناطق الواقعة ما دون الصحراء الكبرى من المحيط الأطلسي غربا وحتى البحر الأحمر شرقا، ويشترك أيضاً في السكن مع تلك الجنسيات المتعددة الأعراق مواطنون قدموا منذ آلاف السنين كمن سبقهم من المصريين واليمنيين والأتراك وعدة جاليات أخرى.
وتروي كتب التاريخ، أن التركيبة والمزيج للسكان على ثرى مكة الطاهر، واختلاف الأجناس والأعراق للكثير منهم، ووجودهم بجوار سكان مكة الأصليين الذين يعود نسبهم إلى قريش، جعل منهم أن يمتزجوا جميعا في البوتقة المكية، ليصبحوا يشكلون أبناء بلد الله الحرام، حيث إن ذلك الخليط بعد استقراره في المدينة المقدسة جعل من الجميع ينصهرون ليصبحوا جسدا واحدا لخدمة أطهر بقاع الأرض.

