بالنسبة لأولئك الذين يقلقهم ترسخ الاختلالات العالمية على نحو خطير، العزاء دائماً في فكرة أنه عندما يصل كبار المدَّخرين في البلدان التي لديها فوائض مستحكمة في الحسابات الجارية إلى سن التقاعد، فإن الاختلالات ستتقلص مع تراجع مدخراتهم.
ولو ترتب على انخفاض معدلات الادخار ارتفاع معدلات الفائدة الحقيقية وتراجع أسعار الأسهم والسندات والعقارات، لكان ذلك مشكلة أقل إلحاحاً من احتمال أن تتسبب تخمة في المدخرات العالمية في كساد على غرار ما حدث في ثلاثينيات القرن الماضي. ومع ذلك، يكاد هذا السيناريو الديموغرافي (السكاني) البسيط يكون مضللاً.
ففي ورقة حديثة، يذكرنا دومنيك ولسون وسوارنالي أحمد، من بنك جولدمان ساكس، بأن الحسابات الجارية لميزان المدفوعات تكون مدفوعة بشكل كبير بمدخرات دورة الحياة. فحتى سن 35 يتجه الناس للاستثمار أكثر من الادخار. ولأن الحساب الجاري يمثل الفرق بين المدخرات والاستثمار، فإن هذا عبء على الحساب الجاري. وفيما بين ما يدعونه سن الادخار الرئيسي بين 35 و69 عاما، يعمل الناس في المقابل لتحسين مركز الحساب الجاري. والجزء النسبي لهاتين الفئتين في البلدان المختلفة يساعد على تفسير نمط المدخرات وتدفقات رأس المال في العالم.
باستخدام هذا الإطار، يقدم الثنائي العامل في بنك جولدمان دليلاً مقنعاً بأن المَعِين العالمي لكبار المدخرين سيواصل الارتفاع خلال العشرين عاماً المقبلة. وهكذا، يمكن أن تصبح تخمة الادخار خاصية عالمية أكثر استحكاماً، الأمر الذي يضمن استمرار الضغط النزولي على أسعار الفائدة الحقيقية. ويتوقعان أن يدفع العامل الديموغرافي نحو فوائض أكبر عبر مجموعة واسعة من بلدان الأسواق الناشئة، بما فيها الصين، لأن نسبة كبار المدخرين في العالم النامي ترتفع أكثر وتصل إلى الذروة في وقت متأخر عما يحدث في العالم المتقدم.
لكن هناك بعد آخر لمعادلة المدخرات يمكن أن يجعل إمكانية تتبع الاختلالات أقل. ذلك لأن هناك خطراً في احتمال أن يعوض قطاع الشركات تراجع المدخرات الأسرية عندما يتقاعد الناس في البلدان المتقدمة. وفي الحقيقة، فإن قطاع الشركات العالمي اكتسب عادة الادخار أكثر من الاستثمار. انظروا إلى التجربة الأخيرة في اليابان.
ما زال كثيرون يعتقدون أن لدى اليابانيين هوس شديد بالادخار، لكن في واقع الأمر مدخراتهم، حسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، تراجعت من 10 في المائة من الدخل الذي يمكن التصرف فيه عام 1999، عندما انفجرت الفقاعة اليابانية، إلى 2.3 في المائة فقط عام 2009. ومع ذلك، فإن نسبة المدخرات الوطنية التي تبلغ نحو 27 في المائة هذه الأيام هي تقريباً في المستوى نفسه الذي كانت عليه قبل عقد من الزمن بسبب الزيادة الضخمة في فائض مدخرات الشركات اليابانية على الاستثمار.
إن عادة الادخار هذه لدى الشركات متوطنة في آسيا، حيث تشكل الصين الجزء الأكبر من المال المدخر خارج اليابان. وهذا يعكس في جزء منه ارتفاعاً سريعاً جداً في الأرباح في الاقتصادات سريعة النمو. وفي حالة الصين يحظى قطاع الشركات المملوكة للدولة بإعانات كبيرة، وبضرائب خفيفة، وباحتكارات إدارية. وتعمل العوائد الحقيقية السلبية على الودائع البنكية على الاستثمار غير الكفء من جانب الشركات في المشاريع ذات العوائد المتدنية التي يتم تمويلها من الأموال المستبقاة، في حين يترتب على الشركات في القطاع غير التابع للدولة أن تدخر كي تنمو لأنها محرومة من الائتمان. وكما هو الحال في اليابان، فإن توزيعات الأرباح تعتبر تافهة مقارنة بالتوزيعات في الغرب. ولم يكن هذا ليكون مقلقاً لو أن القطاع الأسري ـــ وهو المالك النهائي لقطاع الشركات ـــ لم يدخر، لأنه كان يُعتقد أن القيمة الصافية المتزايدة لقطاع الشركات المدرجة تجعل الناس أغنى. لكن ذلك لم يحدث. وهكذا، فإن قطاع الشركات في آسيا فاقم الاختلالات العالمية عن غير قصد.
وقطاع الشركات في الغرب يعوض عن ذلك بعض الشيء. حسابا الدخل والناتج الوطني الأمريكي، مثلا، يظهران أن الشركات تحولت من جهات مقترضة صافية عام 2007 إلى جهات مقرضة صافية بمبلغ 657 مليار دولار في العام الماضي. لكن هذا يزيد كثيراً على أي شيء شوهد في الأعوام الـ 40 الماضية، ولذلك يجب أن يكون بصورة رئيسية رداً على أزمة الائتمان وليس سمة دائمة.
ما الذي يمكن عمله لمنع اجتماع عاملي الديموغرافيا وزيادة مدخرات الشركات من زيادة تفاقم الاختلالات، وبالتالي زيادة خطر الحمائية؟ من الواضح أنه ينبغي أن ترتفع قيمة العملات الآسيوية بصورة أكبر مقابل عملات البلدان المتقدمة، وهو خيار سياسة يحد قليلاً من الحماس في المنطقة. ولذلك ربما يتمثل السبيل الأفضل في التركيز على تطوير البنية التحتية المالية، أو أسواق المال لضمان وصول الشركات بشكل أفضل إلى الائتمان وإلى رأس المال في الداخل والخارج.
ومن المهم بالقدر نفسه إصلاح النظم الإدارية في الشركات. ومن دون مسؤولية أكبر أمام المالكين، لن يكون هناك ضغط لزيادة توزيعات الأرباح. وعلى أية حال، صرف نسبة أعلى من الأرباح يساعد على دعم برامج التقاعد حديثة العهد في آسيا. إن وضع مثل هذه البرامج سيكون أسهل على الأقل لو لم يعد يعتبر أن الديموغرافيا تعرض الأسواق إلى خطر الانهيار.

