الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الثلاثاء, 9 يونيو 2026 | 23 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

مسؤول البنك المركزي الأمريكي في مأزق

روبن هاردينج
روبن هاردينج
الأحد 5 سبتمبر 2010 4:44
مسؤول البنك المركزي الأمريكي في مأزق

بالنسبة لجميع السياح الموجودين في فندق جاكسون ليك كان الأمر يشبه مؤتمراً لمبيعات المكانس الكهربائية، وكان يبدو عليهم في الظاهر الاهتمام الأسبوع الماضي بمجموعة من الدارسين والمثقفين في غرفة الاجتماعات. لكنهم في الواقع كانوا ينظرون عبر هدوء البحيرة إلى قمم الجبال الظاهرة أمامهم في ولاية وايومينج الأمريكية.

مع ذلك كان يوجد داخل الغرفة أستاذ جامعي سابق، لطيف المعشر، وهو بن برنانكي، رئيس مجلس إدارة البنك المركزي الأمريكي، وهو يلقي كلمة ستؤثر على حياة هؤلاء السياح. كانت الأسواق المالية تترقب كل كلمة يقولها أثناء المؤتمر السنوي في جاكسون هول.

الأمور الموجودة على المحك الآن بالنسبة لأهم البنوك المركزية في العالم تفوق أهميتها الآن أكثر من أي وقت مضى منذ أن غاص العالم في أعماق الأزمة المالية. فالانتعاش الاقتصادي الأمريكي يمر في حالة تعثر. وتم تعديل معدل النمو في الربع الثاني إلى الأدنى ليصبح 1.6 في المائة. هذا المعدل من النمو ليس سريعاً بما فيه الكفاية للعمل على تخفيض معدلات البطالة. ليس هذا فحسب، بل إن هذه المعدلات يمكن حتى أن تبدأ في الارتفاع من جديد.

في الأسبوع الماضي، كان يبدو على برنانكي أنه يشير إلى أنه ربما يتعين عليه خلال فترة قريبة أن يتخذ الخطوة الضخمة في قيادة زملائه في اللجنة الفدرالية للسوق المفتوحة (وبعضهم غير راغب في ذلك) باتجاه جولة جديدة من إجراءات التسهيل الكمي. وهذا من شأنه أن يعني ضخ الأموال النقدية في الاقتصاد من خلال شراء مليارات الدولارات من الموجودات في مسعى لتعزيز النشاط الاقتصادي.

سيكون هذا امتحاناً لطريقة تفكيره الاقتصادي، ولعزيمته، ولأسلوبه القيادي القائم على الأخذ بإجماع الآراء. قال راندال كروسزنر، وهو محافظ للبنك المركزي منذ عام 2006 حتى 2009، ويعمل الآن أستاذاً في كلية بوث لإدارة الأعمال في جامعة شيكاغو: ''إنه قائد لطيف للغاية، لكنه قائد يعرف كيف يقود''.

مقارنة بألان جرينسبان، الرئيس السابق لمجلس البنك المركزي الأمريكي، الذي كان في الغالب يحتكر السلطة لنفسه، فإن برنانكي يحب بناء الإجماع في لجنة السوق المفتوحة. وفي حين أن جرينسبان كان يصرح عن رأيه أولاً حين تبدأ اللجنة بالتصريح عن آرائها حول السياسة النقدية (وبالتالي كان يهيمن على العملية)، إلا أن برنانكي يفضل الانتظار حتى النهاية، ويلخص في ذهنه ما قاله كل عضو، ومن ثم يعطي رأيه الخاص.

أدى هذا الأسلوب إلى مخاوف من أن البنك المركزي الأمريكي يمكن أن يتعرض للشلل من خلال السعي لتحقيق الإجماع، إذا كانت اللجنة، كما هي الحال اليوم، منقسمة على نفسها بخصوص الحاجة إلى اتخاذ إجراء مهم. لكن الأشخاص الذين يحضرون اجتماع اللجنة يقولون إن هذا من شأنه إساءة فهم شخصية برنانكي وأساليبه. إذ أنه يحظى باحترام زملائه، وحتى لو كانوا يختلفون معه بقوة، فإن اللجنة على الأرجح تتبعه في كل ما يريد منها أن تفعل.

ولد برنانكي في عام 1953 ونشأ في مدينة ديلون في ولاية ساوث كارولينا، والتي كان عدد سكانها في ذلك الحين، كما هي الحال الآن، بضعة آلاف شخص. وكان يبدو أن قدره هو النجومية، رغم أن ذلك كان في البداية من خلال عمله في كأكاديمي. فقد قفز عن الصف الأول، وكانت مرتبته الأولى على الولاية في امتحانات الدخول الجامعية، ثم ذهب للدراسة في جامعة هارفارد ومعهد ماساتشيوستس للتكنولوجيا.

تركزت أبحاثه في الجامعة على الكساد العظيم وعلى استهداف التضخم، وهذا ما جعله يبدو بصورة غريبة ومخيفة تقريباً أنه مناسب لدور مسؤول البنك المركزي أثناء الأزمات. مع ذلك، رغم أسلوبه القوي وسيرته المهنية، إلا أنه تحمل أكثر من أي مسؤول آخر في البنوك المركزية قدراً كبيراً من النقد يفوق تقريباً أي نقد تعرض له أي مسؤول آخر، وبعض هذه الانتقادات لم تكن متجنية عليه، حيث أنه أخفق في تشخيص فقاعة الإسكان في عام 2005 وعام 2006، وبعضها يتسم بالتجني على دوره في عمليات إنقاذ البنوك في عام 2008.

والنتيجة هي أن برنانكي، رغم جميع إنجازاته، فإن سمعته هشة. فالعالم يراقب بصورة وثيقة مسؤولي البنوك المركزية إلى درجة أنه لو أخفق الآن في نظر العالم فإنه سيواجه موجة من التعليقات الغاضبة والعنيفة.

مارك جيرتلر، وهو زميل لبرنانكي وشريكه منذ فترة طويلة في التأليف، ويعمل الآن أستاذاً في جامعة نيويورك، التقى به أول مرة حين كان حديث العهد بشهادة الدكتوراه في عام 1979. ويقول: ''كان يعتبر واحداً من ألمع الطلاب في السوق، وكان الناس يعرفونه منذ ذلك الحين بسمعته. من الممكن أن أصفه بأنه مفكر حدسي. فهو سريع للغاية وليس شخصاً من النوع الذي يدون عدداً كبيراً من المعادلات، رغم أنه قادر على القيام بذلك''.

من المؤكد أن سجله وهيئته وتكوينه يضعه في موقع طيب في أعين زملائه. في عام 2002 وعام 2003 ألقى كلمات حول كيفية تجنب الانكماش الاقتصادي في الولايات المتحدة، وحول ما ينبغي لليابان أن تقوم به للخروج من الهبوط الانكماشي. لورنس مايير، وهو محافظ سابق للبنك المركزي ويعمل الآن في منصب نائب الرئيس لدى مؤسسة ماكروإينوميكس ادفايزورز Macroeconomic Advisors، يقول إن البحث المذكور في عام 2002 أصبح خارطة الطريق بالنسبة للمركزي الأمريكي.

كثير من زملاء برنانكي يتحدثون عن مدى هدوئه أثناء أسوأ الأيام في خريف عام 2008، حين كان يبدو من الممكن أن ينهار النظام البنكي بصورة تامة. لكنهم يقولون إن سلوكه لم يكن من نوع البهجة بالمعركة أو الهدوء الرصين لشخص ضيق الأفق. ما حدث هو أن برنانكي قرر أن المحافظة على الهدوء هو أنجح سبيل للتعامل مع الظروف. وهناك شخص كان حاضراً معه في أحد الاجتماعات في أوائل الأزمة، ويتذكر أنه قال: ''يتعين علينا أن نختار المحافظة على الهدوء''.

من المعالم الأخرى في منهج برنانكي هو أسلوبه المباشر، وهو أمر يسبب الإرباك للسوق بالقدر نفسه الذي كانت تتسبب به الملاحظات المبتسرة الغامضة من جرينسبان. حين أخبر برنانكي الكونجرس (مجلس الشيوخ) في تموز (يوليو) أن الآفاق الاقتصادية كانت ''تتسم باللبس بصورة غير عادية''، اهتزت الأسواق من هذا التعبير. هل كان البنك المركزي يعتقد أن الاقتصاد كان في سبيله إلى الانهيار؟ هل كان ذلك إشارة بالشفرة حول السياسة النقدية؟ الأرجح أن المعنى الحرفي لكلماته كان هو كل ما كان يقصده برنانكي.

باعتباره من الأشخاص الذين عينهم الرئيس جورج بوش، كان من المتوقع أن ينُظَر إلى برنانكي دائماً بنوع من الارتياب من قبل البيت الأبيض في عهد أوباما، وهو ما ساعد على إشعال فتيل التكهنات حول ما إذا كان سيعاد تعيينه لفترة ثانية. ولا يبدو عليه أنه يستمتع بالزيارات التي يقوم بها إلى الكونجرس للإدلاء بشهاداته، حيث كان يبدو عليه بصورة واضحة التوتر في وجه الأسئلة المعادية.

لكن الانتقاد المهم في هذا المقام هو أنه حين قرر عدم تخفيض أسعار الفائدة وتسهيل السياسة النقدية أكثر من ذي قبل منذ منتصف عام 2009، فإنه اختار أن يتحمل آفاقاً اقتصادية كئيبة، وهي آفاق لا يوجد فيها ركود اقتصادي جديد وإنما ستظل معدلات البطالة مرتفعة لعدة سنوات. بول كروجمان، أستاذ الاقتصاد في جامعة برنستون، وصف السياسة الحالية للمركزي الأمريكي بأنها ''غير مناسبة نهائياً'' و ''غريبة تماماً من الناحية المنطقية''. وهو يجادل بأنه ينبغي على البنك أن يكون قد باشر بشراء المزيد من الموجودات.

الحكم الذي توصل إليه برنانكي، والذي لم يتغير حتى الآن، هو أن المنافع غير المؤكدة لتعزيز الميزانية العمومية الفدرالية من ألفي مليار دولار إلى أربعة آلاف مليار دولار أو ستة آلاف مليار دولار، ستفوقها تكاليف ومخاطر القيام بذلك. وسيتعين عليه أن يتوصل إلى حكم حول ما إذا توقف هذا الحكم عن كونه صحيحاً وحول الفترة التي يمكن أن يتوقف فيها عن كونه صحيحاً. يقول جيرتلر في هذا الصدد: ''كل أمر أعرفه عن برنانكي هو أنه نشط مندفع بالغريزة. ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يريد أن يكون أول رئيس لمجلس المركزي الأمريكي يترك الاقتصاد ليتعرض للتدهور والتراجع''.

هناك أمور كثيرة تقع خارج نطاق سيطرته، خصوصاً الأمور السياسية التي عطلت فرصة الدخول في برنامج تحفيزي آخر، لكن لن يتذكره التاريخ كمسؤول عظيم للبنك المركزي إذا أنقذ الاقتصاد من أزمة مالية ثم لا يكون من شأن ذلك إلا أن يعاني الاقتصاد من عقد ضائع.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية