الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

من بين جميع الدروس المستفادة من الأزمة المالية الأخيرة، الدرس الأكثر أهمية هو: الرفع المالي المفرط مشكلة متفشية كانت لها عواقب وخيمة على اقتصادنا.

حين وقعت البنوك الكبيرة والمؤسسات المالية الأخرى في المشاكل، لم يكن لدى كثير منها رأس مال احترازي لمواجهة العاصفة. ومهد هذا الطريق لنشوء اضطرابات كبيرة في الأسواق، وعمليات إنقاذ من دافعي الضرائب، وحدوث انقباض هائل في الائتمان.

ولحسن الحظ، تتحرك لجنة بازل للرقابة المصرفية الآن لتصحيح هذه المشكلة. وتركز الإصلاحات المقترحة على ثلاثة مجالات: استئصال الأدوات الهجينة التي تخلط بين السندات والأسهم وتضعف هيكل رأس المال، وإضافة رأس مال احتياطي لتخفيف الصدمات بحيث لا يؤدي تخفيض الرفع المالي إلى سحق الإقراض خلال الأزمات، ووضع رسوم رأسمالية أعلى على المشتقات والأنشطة التجارية الأكثر خطورة.

والأهم من ذلك أن الإصلاحات تشمل نسبة دولية في الرفع المالي. ومن شأن هذا وضع حد أعلى على الرفع المالي في الأوقات الجيدة والسيئة على السواء، وفي الوقت نفسه يكون بمثابة تقييم لواقع الأمور مقابل رأس المال الاحترازي القليل جدا حين تقلل النماذج من أهمية المخاطر.

لكن على الرغم من أن إصلاحات بازل على وشك المصادقة عليها من قبل قادة مجموعة العشرين التي تضم الاقتصادات الكبرى هذا الخريف، إلا أن هناك دعوات لا مفر منها لتخفيفها. ويقول عدد من ممثلي الصناعة إن المتطلبات الرأسمالية القوية ستخنق الإقراض، وتزيد تكلفة الاقتراض، وتعرقل الانتعاش الاقتصادي الذي لا يزال هشا.

مثلا، تتنبأ جمعية تجارية رائدة تمثل كثيرا من أكبر المؤسسات المالية في العالم، بأن إصلاحات بازل لرأس المال ستزيد تكلفة القروض المصرفية في الدول الصناعية الكبرى بمتوسط يبلغ 132 نقطة أساس، ما يؤدي إلى خسارة بنسبة 3.1 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي وفقدان 9.7 مليون وظيفة بين الأعوام 2011 و2015.

ويختلف آخرون معهم في هذا الرأي. فالخبراء الاقتصاديون في هارفارد وجامعة شيكاغو يقدِّرون أن تعزيز متطلبات رأس المال بنسبة 10 نقاط مئوية ـــ وهي زيادة تفوق كثيراً أية زيادة قيد المناقشة ـــ سترفع متوسط التكلفة المرجح لرأس مال البنوك بنسبة 25 ــ 35 نقطة أساس فقط. ولا يرون أيضا أي دليل يدعم الفكرة القائلة إن المسيرة التاريخية نحو الرفع المالي الأعلى للبنوك قللت تكاليف الاقتراض على مر الزمن.

وتتوافق هذه النتائج مع دراسة جديدة أخرى أجراها بنك التسويات الدولية، ترى أن زيادة بنسبة 2 نقطة مئوية في النسبة المستهدفة للأسهم العادية الملموسة ستقلل الناتج المحلي الإجمالي بنسبة لا تزيد على 0.3 في المائة على مدى أربع سنوات.

ونشرت لجنة بازل هذا الشهر تقريراً يبين أن من المحتمل أن تؤدي متطلبات رأس المال والسيولة الأقوى إلى فوائد صافية طويلة الأجل من حيث الناتج الاقتصادي العالمي.

لماذا هذا الاختلاف في الآراء؟ أولا، النهج الذي يقوم فقط على ضرب التغير اللازم في رأس مال حقوق الملكية في الرفع المالي الفعال لبنك ما يغفل عن حقيقة في غاية الأهمية. فقد يكون تمويل الديون المعفى من الضرائب أقل تكلفة من حقوق الملكية على الهامش، إلا أن هذا الفارق يتقلص إلى حد كبير في العالم الذي يخضع لقوانين تنظيمية سليمة، حيث يتوقع أن يخسر أصحاب الديون في حال فشل البنك. وبدلا من ذلك، سيطالب أصحاب الديون بتعويض عن المخاطر الإضافية التي عليهم تحملها حين يزيد الرفع المالي الفعال.

ثانيا، يجب أن يتم وضع التكاليف الاجتماعية للإفراط في الرفع المالي في الحسبان عند حساب الأثر الاقتصادي لزيادة متطلبات رأس المال. ففي الأوقات الجيدة يكون من المرغوب سياسياً إبقاء المعايير الرأسمالية عند مستوى أدنى مما قد تفرضه السوق من رسوم على المؤسسات المالية على أساس مستقل. فالمصرفيون يكسبون أكثر، ويتم تخفيض معايير الائتمان، وتتحمل الحكومة ضمنيا تكاليف تحمل المخاطر على مستوى النظام بأكمله.

ومع ذلك، أصبح هذا الترتيب غير شعبي على الإطلاق حين تحول الازدهار إلى انهيار وأصبح على دافعي الضرائب دفع الفاتورة. ولهذا أصبح إنهاء مبدأ كون المؤسسات كبيرة جدا بحيث لا يمكن أن تفشل محور الإصلاح التنظيمي في الولايات المتحدة.

إلا أن التكاليف أعمق من هذا بكثير. فخلال الفترة التي سبقت الأزمة تم توجيه كثير من الأموال نحو أسواق العقار المزدهرة التي تشهد فائضا في المعروض. والانهيار الذي تلى ذلك دليل واضح على سوء توزيع رأس المال وأنه كان يمكن استخدامه بشكل أكثر إنتاجية في مجالات مثل الطاقة، أو البنية التحتية، أو القاعدة الصناعية.

وفي أعقاب الأزمة، ما زلنا نقيس الأضرار الجانبية بدلالة عدد المنازل التي تم وضع اليد عليها وعدد العمال العاطلين عن العمل. وأعداد كل منهما بالملايين. وكان ذلك مأساة إنسانية ومضيعة هائلة للموارد الاقتصادية.

ويميل منتقدو متطلبات رأس المال الأعلى إلى التقليل من أهمية مدى استبدال رأس المال بحقوق الملكية في تمويل القروض الجديدة، ولا يحسبون التكاليف الاجتماعية الناجمة عن عدم كفاية رأس المال المساند. وبالتالي ما يحدث هنا هو أن البعض في الصناعة يدافعون عن مصالحهم الذاتية. فمتطلبات رأس المال الأعلى تعني انخفاض عائدات المساهمين وتخفيض التعويضات.

لكن إذا كان هناك هدف أصلاً للإصلاح المالي، فهو تحسين مواءمة الحوافز ودمج تكاليف الرفع المالي وتحمل المخاطر داخليا. ونظام رأس المال الأكثر عقلانية الذي يمتد عبر النظام المالي العالمي هو جزء أساسي من هذه الإصلاحات.

سيكون تنظيف ميزانيات البنوك وتعزيز نوعية وكمية رأس المال عملا مؤلما، لكن إذا فشلنا في متابعة عملية تقوية رساميل البنوك، فإننا نخاطر بإهدار رأس المال الذي نملكه بالفعل وتعريض الاقتصاد العالمي لتكاليف باهظة غير مبررة تنجم عن أزمة مالية أخرى.

الكاتبة رئيسة المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع في الولايات المتحدة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية