الأحد, 9 أغسطس 2026|24 صَفَر 1448
الاقتصادية

اهتزت الأسواق المالية بقوة في الآونة الأخيرة بسبب الأنباء التي تحدثت عن هبوط بنسبة 27 في المائة في مبيعات المساكن القائمة في تموز (يوليو)، لتصل إلى مستويات لم تشهدها منذ 20 عاماً تقريباً. ورغم أن هبوطاً من هذا القبيل كان متوقعاً، إلا أن هناك شبحاً مخيفاً أكثر من الهبوط يلوح في الأفق من جديد، هو الهبوط في أسعار المساكن، إلى جانب الضعف الملموس في مجموع الطلب النهائي. ربما يكون الاقتصاد الأمريكي في حالة نمو، لكن نسبة النمو بالكاد تتعدى 1 في المائة سنوياً. ولأن وضع أوروبا واليابان أفضل قليلاً من الوضع الأمريكي، يبدو الآن أن قفزة الانتعاش الاقتصادي برأسه إلى أدنى، هروباً من هوة العام الماضي قد فقدت زخمها.

في ظل هذه الخلفية، النقاش الدائر في السياسة النقدية والاقتصادية حول كيفية الإفلات من أزمة الديون، في سبيله إلى أن يصبح مثيراً للجدل بصورة متزايدة. حملة الانتخابات النيابية المقبلة في الولايات المتحدة من شأنها أن تركز على إمكانية السماح بانتهاء أجل التخفيضات الضريبية التي وُضِعت في عهد الرئيس بوش لأصحاب الدخول العليا، وبرامج تقليص الإنفاق الحكومي التي لم يسبق لها مثيل في بريطانيا ستكسو عظام خطة التقشف الحكومية، والبلدان الأوروبية التي تعاني متاعب السندات السيادية يرجح لها أن تواجه موجة جديدة من الجيشان.

ويبدو الآن أن السياسة النقدية ستحصل على حصة لا بأس بها في الجدل كذلك. ومن المفروض أن يكون معنى التباطؤ في النمو والتشديد في سياسات المالية العامة هو استدامة السياسات النقدية السهلة، أو حتى الأسهل من ذي قبل. وفي الفترة الأخيرة صوَّت مجلس الاحتياطي الفيدرالي على تغيير تركيبة ميزانيته العمومية من خلال شراء مزيد من سندات الخزانة، كما أن أكسِل فيبر، رئيس بوندسبانك (البنك المركزي الألماني) المعروف بمواقفه المتشددة، أقر بأنه سيتعين على البنك المركزي الأوروبي أن يبقي خط إمدادات السيولة الطارئة مفتوحاً أمام البنوك الأوروبية حتى عام 2011. هذان البنكان، إضافة إلى بنك إنجلترا، يرجح لهما أن ينظرا في المزيد من إجراءات التسهيل الكمي.

لكن بعض المنتقدين يصرون على أن التوسع والإسراف في السياسة النقدية بدأ منذ الآن بوضع الأسس لتسريع التضخم، وأنه ينبغي رفع أسعار الفائدة بحيث تسري على الفور. والعدد القليل من الأعضاء المعترضين في لجنتي صنع السياسة النقدية في مجلس الاحتياطي الفيدرالي وبنك إنجلترا يتلقون التأييد من عدد من مسؤولي السياسة النقدية الذين لا يتمتعون بصلاحية التصويت. ربما تجد آراؤهم صدى، حيث من المرجح أن يعبر بعض صانعي السياسة عن مخاوفهم من أن أسعار الفائدة الصفرية والتسهيل الكمي تجتذب ارتفاع التضخم، وتجتذب كذلك طوراً جديداً من انعدام الاستقرار المالي في الوقت الذي تتخذ فيه البنوك غير النادمة على أخطائها، من جديد قدراً يفوق الحد من المخاطر.

إن زيادة الضغط النقدي تكون مناسبة في البلدان التي لم تتعرض للأزمات البنكية وأزمات الميزانية العمومية وأزمة الميزانية العامة للدولة، والتي قررت هذا العام رفع أسعار الفائدة. لكن هل هذه الزيادة مناسبة في الولايات المتحدة وأوروبا، الواقعتين في قبضة دورة تخفيف الرفع المالي وإعادة الهيكلة في الميزانيات العمومية وتقلُّص الموجودات على نحو يجعلهما عرضة بصورة خاصة للانكماش الاقتصادي وليس التضخم؟

هذا الكلام لا يقنع أصحاب المذهب النقدي الذين لا يزالون في عقليتهم القديمة، لكن بالنسبة للآخرين من أمثالنا ينبغي أن يسترشد النقاش بثلاثة مبادئ: الأول، أن من غير المناسب استخدام أسعار الفائدة الأعلى للتصدي لسلوك البنوك حين يكون هناك ضعف في الطلب على الائتمان، وفي الحالة الكامنة للطلب في الاقتصاد، وفي سوق العمل. بدلاً من ذلك ينبغي أن يعتمد صانعو السياسة على التغييرات التنظيمية، أي النوع نفسه من التغيرات التي يُفرغونها من مضمونها في سياق اتفاقيات ''بازل 3''.

الثاني، أن استخدام أسعار الفائدة الرسمية الأعلى لإدارة التضخم في أسعار الموجودات أمر جدير بالنقاش تماماً، لكن ليس في الوقت الحاضر. ذلك أن أسعار العقارات في حالة انكماش، وأسعار الأسهم أبعد ما تكون عن كونها في حالة فقاعة، كما أن أسعار السلع التي تظل مرتفعة إنما هي دلالة على الظروف الهيكلية وليس الطلب الدوري. ربما نظن أن أسعار السندات الحكومية مرتفعة بصورة مفرطة، لكن لا ينبغي أن نخلط بين التفضيلات الخاصة بتخصيص الموجودات والأساسيات الضعيفة في الدخل الاسمي التي تعتبر هذه الأسعار المرتفعة دلالة عليها.

الثالث، في حين يوجد حولنا قدر كبير من الأموال (مثل احتياطيات البنوك لدى البنك المركزي)، إلا أن هذا القدر الكبير من الأموال لن تكون له آثار تضخمية إلا حين تكون الرغبة في الإنفاق والاقتراض قوية إلى حد كبير. ولأن هذه الرغبة ليست قوية، ولأن النمو في الدخل ومجموع الطلب يتسمان بالضعف، فإن احتمال ارتفاع المعدل العام للتضخم سيكون ضعيفاً. واستخدام أسعار الفائدة قصيرة الأجل لمحاربة شبح التضخم سيكون من شأنه تدمير النمو والوظائف، خصوصاً حين تكون الحكومات عازمة على اتباع سياسة التقشف في المالية العامة.

ينبغي على صانعي السياسة النقدية أن يضعوا خططاً، ليس لرفع أسعار الفائدة الرسمية، وإنما للتحديد الصريح للظروف التي من شأنهم أن يعملوا فيها على توسيع برنامج التسهيل الكمي من جديد. السياسة النقدية ليست علماً، وإنما تقوم على اتخاذ القرارات بناء على الحكم والتقدير. من الأفضل، إذا استدعت الضرورة، طباعة المال والتعرض للسخط الشديد، بدلاً من رفع أسعار الفائدة والتعرض للسخط الشديد. في ظل الأجراء الأول، هناك دائماً إمكانية المغفرة والخلاص عن طريق سحب البرنامج التحفيزي، إذا استدعت الظروف ذلك. أما في ظل الإجراء الثاني، فليس هناك إلا الفوضى.

الكاتب مستشار اقتصادي أول لدى بنك يو بي إس الاستثماري، ومؤلف كتاب: ''الانتفاضة: هل تعمل الأسواق الناشئة على تشكيل أو هز الاقتصاد العالمي'' Uprising: will emerging markets shape or shake the world economy.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية