الأحد, 18 أكتوبر 2026|6 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

دعا جون بولتون سفير أمريكا السابق للأمم المتحدة وأحد أهم الصقور في الإدارة الأمريكية السابقة، إسرائيل لضرب المنشآت النووية الإيرانية خلال أسبوع كي تفوت الفرصة على إيران وألا يكون قد فات الأوان لضرب هذا المفاعل دون التسبب في تلوث إشعاعي، فيما حذرت طهران من أي ضربة عسكرية ضد المنشأة التي يفترض أن تمدها روسيا بالوقود النووي اعتبارا من السبت المقبل.

وأضاف بولتون في تصريح لقناة فوكس بزنس نتوورك أنه ''عندما يكون اليورانيوم والوقود قريبا جدا من المفاعل ودون شك عندما يكون في المفاعل، ستتسبب الغارة في نشر الإشعاعات، بالتالي فإنه إذا أرادت إسرائيل المبادرة بأي خطوة ضد بوشهر فعليها القيام بها خلال الأيام القليلة المقبلة''.

يكشف التسارع في وتيرة النقاش العام في الولايات المتحدة وفي أروقة الكونجرس والمخابرات الأمريكية أن محاولات إيران لتصبح دولة نووية يشكل تحديا جديدا للأمن الوطني الأمريكي وتضع نهاية لحلم الرئيس باراك أوباما في وضع حد لانتشار السلاح النووي، لكن الوضع في إسرائيل أشد حدة كون النخب الإسرائيلية تنظر إلى إيران النووية كمصدر خطر وجودي للدولة العبرية، ولا يغيب عن البال أن الذين يدقون طبول الحرب هنا في واشنطن هم من أنصار إسرائيل الذين يعتقدون أنهم بذلك يخدمونها.

ونظرا لاختلاف التقييمات الأمريكية عن الإسرائيلية، عادة ما يطرح تساؤل من هي الدولة التي إن لزم الأمر ستقوم بمنع إيران من تطوير سلاح نووي؟ هل هي إسرائيل أم الولايات المتحدة؟ جيفري جولدبيرج يقدم جوابا على هذا السؤال عن طريق تفحص الحسابات والقراءات الاستراتيجية المختلفة لكل من واشنطن وتل أبيب. ونشر مقالة له في مجلة The Nation للإجابة على هذا السؤال، قام جيفري أولدبير بإجراء مقابلات مع 40 صانع قرار سابق أو حالي في إسرائيل وفي الولايات المتحدة وفي عدد من الدول العربية. والسؤال الأهم بالنسبة له هو نسبة قيام إسرائيل بضربة عسكرية ضد إيران فكانت النتيجة أن هناك فرصة تصل إلى أكثر من 50 في المائة أن تقوم إسرائيل بهذه الخطوة حتى تموز (يوليو) المقبل. طبعا، هناك مصلحة إسرائيلية في خلق انطباع بأنها تدرس الخيار العسكري حتى تبقي تركيز أوباما منصبا على إيران بشكل حصريّ.

الحسابات الإسرائيلية غير معقدة وهي جميعها تتمحور حول ما يلي: ما يفصل بين إيران وبين أن تصبح دولة نووية هو ما بين عام إلى ثلاثة أعوام، والنظام الإيراني لا يتورع من التأكيد بأنه العدو رقم واحد لدولة إسرائيل. لكن في الوقت نفسه يعتقد نتنياهو أن إيران ليست مشكلة لإسرائيل وحدها وإنما للعالم. وبالتالي تقع على عاتق المجتمع الدولي بقيادة أمريكا التعامل مع هذه المشكلة. وفي المقابل، لا يؤمن نتنياهو بفاعلية عقوبات الأمم المتحدة الأخيرة ولا حتى بالعقوبات القاسية التي تفرضها أمريكا وحلفاؤها الأوروبيون على إيران. فنتنياهو، حسب مقربين منه، يتفهم أن الرئيس أوباما يؤمن بأن العقوبات الصارمة التي تقترن بمجموعة من الحوافز لأن تشبك إيران مع الغرب يمكن أن تزود إيران بخريطة طريق محترمة للخروج من الأزمة، لكن – وكما يؤكد جيفري جولدبيرج - منسوب التسامح والصبر الإسرائيلي سيصل إلى أقصى مدى له مع نهاية كانون الأول (ديسمبر) هذا العام.

ويضيف جيفري جولدبيرج بالقول إنه حتى العرب باتوا يخشون من إيران النووية التي ستؤثر في حساباتهم، ويستدل على ذلك أن سفير الإمارات كان قد قال قبل أسابيع إن بلاده تؤيد عملا عسكريا ضد إيران لأن نجاح إيران في تخطي الحاجز النووي سيعني أن البلدان الخليجية الصغيرة ستترك المدار الأمريكي وتتحالف مع إيران حتى تتمكن من حماية أنفسها.

ويستنتج جيفري جولدبيرج بأنه إذا ما توصّل الإسرائيليون إلى نتيجة تفيد بأن أوباما لن يقوم بشن ضربة ضد إيران فإن العد التنازلي لضربة إسرائيلية أحادية يكون قد بدأ. وإذا ما قامت إيران بضربات انتقامية تشمل العراق وأفغانستان فإن العلاقات الأمريكية ــــــ الإسرائيلية ستكون كارثية. طبعا وبكل تأكيد فإن نتنياهو سيخاطر بأكثر من تقويض العلاقات مع الولايات المتحدة، فالهجوم على إيران، كما يقول ضباط المخابرات الإسرائيلية، سيفضي إلى ردة فعل إيرانية شاملة يشترك فيها حزب الله الذي يملك الآن ما يقرب من 45 ألف صاروخ، وهذا الرقم يصل إلى ثلاثة أضعاف ما كان الحزب يمتلكه أثناء حرب تموز الأخيرة.

وهنا يشير جيفري جولدبيرج إلى كيف ترى القيادة الإيرانية الخطر النووي، بالإشارة على تعليق كان قد أدلى به الرئيس على أكبر هاشمي رافسنجاني في عام 2001، والذي فيه طرح فكرة أن التخلص من إسرائيل يمكن أن يتم دون ألم، فاستعمال قنبلة ذرية ضد إسرائيل سيعني نهايتها أما هجوم نووي إسرائيلي ضد الدول الإسلامية فإنه سيفضي فقط إلى ضرر. مثل هذا التفكير الإيراني يكشف مرة أخرى أن حسابات نظرية الردع التي تستند على العقلانية أو مبدأ التدمير المتبادل الأكيد لا يمكن أن تعمل في الحالة الإيرانية.

لكن هذه الإشارات الإيرانية لا تعني تلقائيا قيام إسرائيل بعمل استباقي أو وقائي، ففي حديث جيفري جولدبيرج مع ضباط كبار في سلاح الجو الإسرائيلي واستراتيجيين سابقين، يتبين أن الخط العام هو الحذر، فالكثير من الناس الذين قابلهم يقولون أن هجوما على إيران سيكون أمر صعبا بالنسبة لإسرائيل. وحتى هناك بعض الجنرالات الإسرائيليين - شأنهم كشأن زملاء لهم من الأمريكيين- يشككون في فكرة الهجوم، وبالتالي يرون أن أفضل شيء لإسرائيل هو القيام بالكوّلسة في واشنطن لإقناع الرئيس أوباما أن يقوم بهذه المهمة، فإسرائيل - على حد تعبير أحد الجنرالات - هي ممتازة في القيام بهذا النوع من الهجوم، لكن المهمة هي كبيرة جدا بالنسبة لإسرائيل، بينما يمكن لأمريكا أن تقوم بذلك بأقل قدر ممكن من المصاعب.

كما أن هناك مشكلة أخرى يطرحها عدد من الاستراتيجيين الإسرائيليين: فحتى لو قامت إسرائيل بضربة جوية ناجحة ضد أهداف إيرانية، فكيف يمكن لإسرائيل عندها أن تتأكد بأنها بالفعل دمرت عددا كبيرا من قوى الطرد المركزي وبعض القطع التي يصعب على إيران استبدالها؟ هنا يرى بعض الاستراتيجيين الإسرائيليين أنه لا مناص من إرسال قوات الكوماندوز الإسرائيلي لإنهاء المهمة إذا كان ذلك ضروريا حتى يعودوا بدليل على التدمير. وترى مصادر استخبارية في إسرائيل أن نقطة انطلاق الكوماندوز ستكون من كردستان العراقية، ومع ذلك فإن الكوماندوز ستواجه مشكلات ومصاعب عديدة غير أنه لا مناص من القيام بهذه المهمة الصعبة. في كل الأحوال، سينطوي الهجوم على مخاطر كبيرة. وهنا يشير جيفري جولدبيرج إلى رئيس هيئة أركان الجيش الإسرائيلي جابي أشكنازي الذي قال ـــــــ حسب مصادر متعددة ــــــ بأنه يشك في جدوى الهجوم، وهو كما هو الحال مع غيره لا يعجبه أن تستمر إسرائيل في الإشارة إلى الخطر الإيراني بأنه خطر وجودي لأن ذلك يدفع إسرائيل إلى خيارات صعبة. ولا يغيب عن البال أن هجوما إسرائيليا على إيران - بصرف النظر عن نجاحه - سيعني أن إيران ستضاعف من جهودها لخلق ترسانة من السلاح النووي مع تعاطف دولي هذه المرة.

من بين المحللين، هناك من يرى أن إسرائيل ستقوم بالهجوم مهما كانت التكلفة، وهذا كارل رايتس (إسرائيلي صاحب مدونة) يجادل أن أوباما ــــــ ولأسباب دستورية ـــــــ غير قادر على شن هجوم شامل ضد إيران لما يتطلب ذلك من إصابات بين المدنيين. وأوباما لهذا السبب لن يشن حربا لأنه لا يرى في الخطر الإيراني خطرا وجوديا على الولايات المتحدة كما هو الحال مع إسرائيل. أما المحافظ جلين رينولدز فيقول إن هناك من يسمح للإسرائيليين بالذهاب بعيدا على أمل أن تقوم بالمهمة القذرة وتتحمل المسؤولية واللوم نيابة عنها. في المقابل هناك من يرى أن إسرائيل لن تقوم بالهجوم على إيران. فالعديد من المحللين يرون أن إسرائيل غير قادرة على تنفيذ هجوم ناجح، كما يفيد كين بولاك من معهد بروكينجز. فالعملية ليست كما تم في عام 1981 ضد المفاعل النووي العراقي، فلا يمكن لإسرائيل أن تنجز المهمة بطلعة جوية واحدة، كما أنه لا يمكن لإسرائيل ولأسباب لوجستية وسياسية وعسكرية، أن تقوم بشن طلعات متتالية لأيام متتالية وربما لأسابيع. وهذا الكلام ينسجم مع ما ذهب إليه أنتوني كوردزمان من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية عندما كتب قائلا: إنه في الوقت الذي يمكن أن يكون فيه الهجوم الإسرائيلي عملا محتملا، فإن ذلك يتطلب عددا من الطائرات وإعادة تزويدها بالوقود، ووصولها إلى أهدافها دون أن يكشفها أحد أو دون أن تعترض في الجو، وهذا أمر بالغ التعقيد ولا يوجد ضمانة بأنه سيكون ناجحا.

إذن نحن أمام مهمة بالغة التعقيد وفي حاجة إلى حسابات سياسية واستراتيجية وعسكرية ولوجستية كبيرة. لكن البعض (روبرت كابلان) طرح سؤال: كيف كان كيسنجر سيتعامل مع الملف النووي الإيراني؟ وكان كيسنجر قد وضع كتابا قبل نصف قرن يجادل فيه عن فرص الولايات المتحدة في موازنة القوى الثورية (مثل الاتحاد السوفياتي) تعتمد على وجود رغبة أمريكية ذات مصداقية في الاشتباك في حرب محدودة. وقد كتب كيسنجر في كتابه ما يفيد أن أي دولة تحصل على السلاح النووي تصبح قادرة ولأول مرة على تغيير ميزان القوى الدولي والإقليمي دون الحاجة إلى شن حرب.

ويطلب روبرت كابلان أن نتخيل أن إيران حصلت على سلاح نووي، فهل عندها ستكون إيران قوة ثورية خطرة كما كان عليه الحال مع الاتحاد السوفياتي؟ وبشكل أوسع كيف يمكن عندها للولايات المتحدة أن تتعامل مع التهديد الذي تشكله إيران؟ ويقول كابلان إن تحليل كيسنجر في عام 1957 عن قوى الوضع الراهن، وكيف ترد على القوى الثورية هو ينطبق إلى حد كبير على الوضع في إيران اليوم. فالإيرانيون - حسب التحليل - وبكل جوارهم، سيسعون إلى دمج القوة الثورية في إطار شرعي يبدو لهم طبيعيا. والمشكلة هنا أنهم يرون أن المفاوضات هي أفضل وسيلة لإدارة الخلافات التي تبرز، لكن المفاوضات بالنسبة لقوى ثورية ليست من أدوات خفض حدة التوتر كما ترى ذلك قوى الوضع الراهن، وإنما وسيلة وتكتيك لشراء الوقت.

وعندما سأل كابلان كيسنجر فيما إذا كانت إيران كقوة نووية قابلة للاحتواء، أجاب بأنه يريد أن يرى اتخاذ إجراءات قاسية لمنع إيران من تطوير سلاح نووي. فالولايات المتحدة، حسب تحليل كيسنجر، لها حسابات ردع مختلفة لها علاقة بإيران وإسرائيل كما لها علاقة بإيران والعرب السنة، ولها علاقة بين إيران ومعارضين إيران المنشقين، كما لها علاقة بين الإسلام والغرب. ويرى كيسنجر أن ديناميكية الإقليم ستختلف إذا ما أصبحت إيران نووية وما ينطوي ذلك على أزمات في الشرق الأوسط أكثر مما يمر به الأمريكان هذه الأيام.

ويقول كيسنجر إن مصالح إيران الاستراتيجية الحقيقية كان يجب أن تكون موازية لمصالح أمريكا، فعلى سبيل المثال كان يجب على إيران أن تستفيد من تحديد تأثير روسيا في القوقاز وفي آسيا الوسطى، وتراجع تأثير طالبان في أفغانستان، وكان يجب أن تقبل الاستقرار في العراق، وكان يجب أن تقدم نفسها كقوة تخدم التوازن السلمي في العالم العربي السلمي. ولأن الذين قاموا بهجمات 11 من أيلول (سبتمبر) هم من العرب السنة، ولأن العداء السني للمصالح الأمريكية والإسرائيلية يبقى مشكلة كبيرة، فإنه كان على الولايات المتحدة أن ترحب بدور شيعي قوي في الشرق الأوسط، وهو دور تكون فيه إيران دولة متحولة سياسيا، لكن إيران لا تعمل وفق هذا المنطق.

وكتب كيسنجر في كتابه بأن الردع يتحقق عندما يكون أحد الأطراف مستعدأ للمخاطرة بشكل أكثر من الطرف الآخر، ويكون الردع قليل الفاعلية عندما تكون الرغبة في المخاطرة قليلة بصرف النظر عن القوة العسكرية. وبما أن عضوية النادي النووي هي في توسع، ولأن السلاح النووي أصبح أكثر تعقيدا ومرنا فإن الأسئلة التي طرحها كيسنجر في كتابه هي ذات صلة بما يحدث اليوم. فهناك عواقب محتملة مخيفة لتبادل نووي محدود، لكن وعلى الرغم من المآسي التي ستفضي إليها حرب محدودة، فإن شن مثل هذه الحرب يمكن أن ينقذ الوضع من القوى الثورية التي تخفي نواياها بذكاء، وإيران هي واحدة من هذه الدول.

على الرغم من السيل الكبير من الدراسات والمقالات التي تتحدث عن الملف النووي الإيراني، إلا أن أيا من هذه الدراسات لا تجزم بأن الحرب حتمية، وأن إسرائيل هي من سيشعلها. صحيح أن لإسرائيل مصلحة في منع إيران من تطوير سلاح نووي، لكن الصحيح أيضا أن إسرائيل تخاطر كثيرا بإشعال حرب لا يعرف كيف ستنتهي، ومن هم اللاعبون الذين سيشاركون فيها، وما هو مسرحها؟. وعلى العكس، الكثيرون يعتقدون أن ليس لأمريكا مصلحة، ومن هنا نتفهم المذكرة التي بعث بها مجموعة من قدامى رجال الاستخبارات للرئيس أوباما، مطالبين بمنع إسرائيل من بدء حرب مع إيران.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية