التحديات الصعبة في المالية العامة عبر جميع البلدان الصناعية ليست مفاجئة؛ فاقتصاداتنا بدأت في الخروج من أسوأ أزمة اقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية، وكنا سنعاني كسادا كبيرا لولا الإجراءات السريعة الملائمة التي اتخذتها البنوك المركزية والمساهمة الكبيرة من سياسات المالية العامة، لكن الآن هو الوقت المناسب لاستعادة الاستدامة في المالية العامة فالتدهور الذي نشهده في المالية العامة لم يسبق له مثيل من حيث الحجم والنطاق الجغرافي، وبحلول نهاية هذا العام ستكون ديون الحكومات في منطقة اليورو قد زادت أكثر من 20 في المائة على مدى أربع سنوات فقط، من 2007 إلى 2011. والنسبة للولايات المتحدة واليابان هي بين 35 و45 في المائة.
لقد كان نمو الدين العام مدفوعا بثلاث ظواهر: التناقص العجيب في الإيرادات الضريبية بسبب الركود، وزيادة الإنفاق بما في ذلك الحوافز الاستباقية لمكافحة الركود، والتدابير الإضافية لمنع انهيار القطاع المالي. ولأننا تجنبنا السيناريو الكارثي، أي الانهيار المالي، فإن العنصر الثالث لا يمثل حجم إنفاق كبيرا بالنسبة إلى معظم الدول، إلا أن حسابات البنك المركزي الأوروبي تظهر أن حجم مخاطر دافعي الضرائب المخصصة لدعم المجال المالي، بما في ذلك جميع الخيارات - إعادة الرسملة والضمانات والأصول السامة وغيرها - بلغ نسبة مرتفعة وصلت إلى 27 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
في مايلي مزيد من التفاصيل:
التحديات الصعبة في المالية العامة عبر جميع البلدان الصناعية ليست مفاجئة. فاقتصاداتنا بدأت بالخروج من أسوأ أزمة اقتصادية منذ الحرب العالمية الثانية، وكنا سنعاني من كساد كبير لولا الإجراءات السريعة الملائمة التي اتخذتها البنوك المركزية والمساهمة الكبيرة من سياسات المالية العامة. لكن الآن هو الوقت المناسب لاستعادة الاستدامة في المالية العامة. فالتدهور الذي نشهده في المالية العامة لم يسبق له مثيل من حيث الحجم والنطاق الجغرافي. وبحلول نهاية هذا العام ستكون ديون الحكومات في منطقة اليورو قد زادت أكثر من 20 في المائة على مدى أربع سنوات فقط، من 2007 إلى 2011. والنسبة للولايات المتحدة واليابان هي بين 35 و45 في المائة.
لقد كان نمو الدين العام مدفوعاً بثلاث ظواهر: التناقص العجيب في الإيرادات الضريبية بسبب الركود، وزيادة الإنفاق بما في ذلك الحوافز الاستباقية لمكافحة الركود، والتدابير الإضافية لمنع انهيار القطاع المالي. ولأننا تجنبنا السيناريو الكارثي، أي الانهيار المالي، فإن العنصر الثالث لا يمثل حجم إنفاق كبير بالنسبة لمعظم الدول. إلا أن حسابات البنك المركزي الأوروبي تظهر أن حجم مخاطر دافعي الضرائب المخصصة لدعم المجال المالي، بما في ذلك جميع الخيارات - إعادة الرسملة والضمانات والأصول السامة وغيرها - بلغ نسبة مرتفعة وصلت إلى 27 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ومن اللافت للنظر أن هذه النسبة الضخمة هي نفسها على جانبي الأطلسي.
وبأخذ هذه الحقائق بعين الاعتبار، هناك وحدة هدف قوية بين صنّاع السياسة في العالم لمعالجة مواطن الضعف في المالية العامة. وما يبعث على الاطمئنان أنَّ توافُق الآراء حول ضرورة وضع استراتيجيات خروج مالي ذات صدقية إلى جانب إصلاحات عميقة للقطاع المالي، واسع جدا. إلا أن التوقيت لا يزال محل خلاف. ففي معكسر أولئك الذين يفضلون الانتظار، يقول بعضهم إنه سيكون من المرغوب به الحفاظ، أو حتى زيادة الحوافز المالية لتجنب تعريض الانتعاش الاقتصادي للخطر. ويقول آخرون إن ضبط النفقات في المالية العامة سيكون له تأثير سلبي على النظام على مستوى الاقتصاد العالمي عن طريق تثبيط بيئة النمو. لكني اختلف مع وجهتي النظر هاتين. فعلينا تجنب عدم التنسيق بين التخفيف الجريء، وإن كان مبرراً، وتخفيض النفقات المفرط على نحو متردد. وهناك ثلاثة أسباب رئيسية للبدء باستراتيجيات التدعيم المالي المصممة بعناية في الدول الصناعية الآن، على وجه التحديد لتعزيز الانتعاش الحالي.
أولاً، لدينا تجارب ضبط النفقات في المالية العامة في أوقات لم تكن عصيبة على هذا النحو. وهي تجارب توضح الفوائد طويلة الأجل للحد من الاختلالات المالية الكبيرة. وتشير هذه التجارب أيضاً إلى أنه، إذا تم السعي لتحقيق التدعيم كجزء من استراتيجية إصلاح شاملة، يمكن احتواء التكاليف قصيرة الأجل للنمو الاقتصادي، أو الحد منها. ويعتمد نجاح استراتيجية التدعيم المالي إلى حد كبير على تصميمها. فالتكيف من حيث الإنفاق، المصحوب بإصلاحات هيكلية لتشجيع النمو طويل الأجل، هو أفضل استراتيجية عادةً، خاصة حين يقترن بالتزام موثوق طويل الأجل بالتدعيم المالي.
ثانياً، بالنظر إلى حجم حالات العجز في الميزانية السنوية وتضخم الدين العام غير المسدد، كانت النماذج الاقتصادية الخطية القياسية تظهر أن تأثير الضبط المالي، أو الحوافز المالية ربما لا يمكن الاعتماد عليه. في الأوقات غير العادية، يمكن أن يكون الاقتصاد قريباً من الظواهر غير الخطية مثل التدهور السريع للثقة بين الأسر والشركات والمدخرين والمستثمرين. وأعتقد أن الأغلبية الكبرى من الدول الصناعية تبحر الآن في هذه العوالم المجهولة، حيث الثقة يمكن أن تكون على المحك. لذا، التدعيم لضبط النفقات أمر لا بد منه في مثل هذه الظروف.
ثالثاً، يعتمد الاستقرار الاقتصادي المنهجي - وبالتالي النمو المستدام - على قدرة المالية العامة على التدخل في الظروف الصعبة. ومثبطات الصدمة المالية ضرورية حين تكون اقتصاداتنا في دورة أعمال تقليدية. وتصبح أكثر أهمية حين تكون الاقتصادات في مرحلة التغلب على الظروف الاستثنائية. ولو لم تكن المالية العامة ذات صدقية حين تم جمع 27 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي من مخاطر دافعي الضرائب، لما تمكنا من تجنب الانهيار المالي وحدوث فترة كساد كبير ثانية. ونحن نفعل كل ما هو ممكن لتجنب كارثة اقتصادية مستقبلية ناجمة عن الخلل الوظيفي الحاد في القطاع المالي. وأنا على ثقة أننا سننجح. لكن حتى مع أفضل الإصلاحات المالية لمجموعة العشرين، ربما تكون هناك مسببات مختلفة للتفكك الاقتصادي والمالي. فقد تبرز الحاجة لدعم مالي في حالات الطوارئ بسبب أحداث غير متوقعة أخرى، بما في ذلك الكوارث الطبيعية. والمالية العامة السليمة هي عنصر حاسم في الاستقرار المالي والنمو العالمي المستدام.
ومع إدراك الوضع متأخراً، نرى كم كانت مؤسفة الرسالة المبسطة جدا للحوافز المالية التي تم منحها لجميع الاقتصادات الصناعية تحت شعار: ''التحفيز''، ''التنشيط''، ''الإنفاق''! ولحسن الحظ، كان لدى عدد كبير مساحة للمناورة، وكان لدى البعض مساحة محدودة، ولم يكن لدى آخرين أية مساحة على الإطلاق وكان ينبغي أن تكون قد بدأت بالفعل بالتدعيم. ولا بد أن يتم دائما تكييف استراتيجيات محددة وفقاً لاقتصاد كل بلد على حدة. لكن لا شك أن الحاجة لتطبيق استراتيجية تدعيم مالي متوسطة الأجل وذات صدقية أمر مناسب لجميع الدول الآن.
في ظل الظروف الاستثنائية التي نمر بها منذ عام 2007، أظهرت البنوك المركزية عبر الأطلسي وفي بريطانيا والمحيط الهادئ وجميع أنحاء العالم قدرة ملحوظة على تحليل الأوضاع غير المسبوقة واتخاذ القرارات المناسبة. فقد صممت سياستها النقدية للحفاظ على صدقية استقرار الأسعار في مواجهة المخاطر التضخمية والانكماشية على حد سواء. وقامت بتنفيذ تدابير انتقالية غير قياسية تهدف إلى تحسين أداء بعض قطاعات الأسواق المالية التي لا غنى عنها للتحول في السياسة النقدية. وانخرطت في تعاون دولي غير مسبوق. وسيسهم البنك المركزي الأوروبي، الذي اتخذ إجراءات منذ البداية المبكرة للاضطراب المالي في التاسع من آب (أغسطس) 2007، لتدعيم بيئة اقتصادية قوية عن طريق ضمان استقرار الأسعار في منطقة اليورو، مثلما فعلنا منذ أكثر من عقد من الزمن. ونتوقع أن تؤكد الحكومات على عزمها لتدعيم مالياتها العامة. فهذا الالتزام مهم اليوم بالنسبة لأنموذج مجموعة العشرين لنمو ''قوي ومستدام ومتوازن'' بقدر أهمية قرارات الأمس الجريئة لتجنب الكساد.
الكاتب رئيس البنك المركزي الأوروبي.

