أتحفنا الزميل المهندس خالد العثمان بتساؤلاته العديدة التي آثارها في مقالة بعنوان "يتطاولون في البنيان"، وأزعم في هذا المقال أن لدي الإجابة عن معظم هذه التساؤلات من خلال تبيان مواقع الضرورة والترف في التطاول في البنيان. أعتقد أنه لا يختلف اثنان على أن غلاء الأراضي العقارية ومحدودية مساحتها في المواقع المميزة يجعلان من الضرورة التطاول في البنيان لزيادة كفاءة استخدام الأرض وزيادة قدرتها الاستيعابية بمعدل عدد الأدوار. ومع التطور التقني للمصاعد وأساليب البناء من رافعات ومضخات للخرسانة أصبح من الممكن الارتفاع في البناء إلى علو شاهق. هذا الارتفاع بالبناء ـ في رأيي ـ ضرورة اقتصادية مبررة وحتمية الحصول في كل مدن العالم لتعظيم الفائدة الاقتصادية لمراكز المدن. مع زيادة الثروات وزيادة أهمية الصورة التجارية للشركات وقدرتها على إثبات علاماتها التجارية وحاجة الدول إلى إثبات قدرتها التجارية وجاهزية بنيتها التحتية للاستثمار المحلي والعالمي. وهذا ـ في رأيي ـ أصبح من الضروريات التي لا تستغني عنها أي دولة أو شركة, ولا سيما في هذا العصر الذي أصبحت العلامات التجارية تشكل جزءا كبيرا من رأسمال الشركات, وتسعى الدول إلى تنميتها لما فيها من عائد اقتصادي كبير. أعتقد أن المباني شاهقة العلو التي لا تخضع لجدوى اقتصادية للاستغلال الأمثل للموقع أو إثبات علامة تجارية تقع تحت دائرة الترف والواجهة الاجتماعية, ولا يكون لها عائد اقتصادي كبير إذا لم تتسبب في خسائر لصاحبها لتحميله تكلفة كبيرة على موقع لا يحتمل مثل هذه التكاليف.
الجانب المقلق الوحيد ـ في نظري ـ لتبعات تعدد الأدوار في المباني هو جانب السلامة سواء أثناء البناء أو بعد السكن. كما سبق أن ذكرت, تلعب تقنيات التشييد الحديثة للمصاعد والرافعات والمضخات وأساليب البناء الأخرى دورا أساسيا في تطوير القدرات على الارتفاع بالبناء إلى أدوار عالية, إلا أن مثل هذه التقنيات تحتاج إلى تركيب وتشغيل وصيانة على مستوى عال من المهنية تراعي متطلبات السلامة, التي تعتبر عسيرة المنال بشكل عام لحاجتها إلى ثقافة سلامة وتكاليف عالية قلّما تجدها لدى المقاولين. وأرى أن على الجهات الحكومية المعنية بالسلامة تكثيف دورها التنظيمي والرقابي لإيجاد تشريعات قانونية تغطي جانب السلامة في المباني المتعددة أثناء التشييد. يمكن على سبيل المثال تشريع منع استخدام الشدات الخشبية منعاً باتاً في المباني التي يزيد ارتفاعها على عشرة أدوار لما يسببه هذا النوع من الشدات الخشبية من مخاطر حريق مرتفعة يصعب إخمادها في الأدوار العليا أثناء التشييد. كذلك يجب تركيب وتشغيل الرافعات البرجية من قبل شركات مرخص لها لديها فنيون مؤهلون, ويتم الفحص الدوري على هذه الأبراج والتأكد من سلامتها وتأهيلها قبل العمل وفي أثنائه.
تولي إدارة الدفاع المدني أهمية كبيرة لتجهيز المباني بأنظمة استشعار ومكافحة الحريق, حيث تشترط وتتابع تنفيذ هذه الأنظمة في جميع مراحل التصميم والتنفيذ. والذي يبعث على السرور أن أصبح لدى إدارة الدفاع المدني عدد من الشباب المتخصص في هذا المجال والعدد في ازدياد مع وصول المبتعثين ـ إن شاء الله. وأعتقد أنه يجب أن يضاف جانب آخر إلى تشريعات أنظمة السلامة في المباني هو تحديد أدوار المباني المخصصة للسكن بألا تزيد على عشرة أدوار لصعوبة إخلاء الأطفال والنساء وكبار السن من المباني الشاهقة حتى في حالة الإنذار دون حريق. كذلك وضع أنظمة ومواصفات خاصة للمصاعد لاستخدامها في أعمال الإخلاء, التي أصبحت مطبقة في كثير من الدول للتطور الكبير وارتفاع مواصفات معدات المصاعد وأنظمة إمداد كهرباء الطوارئ.
بالنسبة للجانب المعماري فإن كثيرا من المعماريين, خاصة التراثيين منهم, يعتقد أن استخدام الواجهات الزجاجية والألواح المعدنية, خلق لمنحوتات زجاجية (كما ذكر المهندس خالد العثمان في مقاله) لا تمثل صلة بتراثنا المعماري وتخلق رتابة في التصاميم تهدد الهوية المعمارية للبلد. ولي رأي مخالف في ذلك, حيث أرى أن أفضل مواد معمارية لمقاومة العوامل الجوية التي تعتبر الأقسى على مستوى العالم هي الزجاج وألواح الألمنيوم, التي لا تتغير بفعل هذه العوامل, ويمكن تنظيفها وصيانتها بأقل التكاليف, خاصة على الارتفاعات العالية. وتطورات تقنيات إنتاج وأنظمة تركيب الواجهات الزجاجية/ المعدنية لتوفير عزل حراري مرتفع الكفاءة وتوفر المرونة التصميمية للمعماري للإبداع. ودور المعماري المتميز هو استخدام هذه المواد الحديثة والاستفادة منها في تشكيل التصميم المعماري الذي يعكس تراثنا وعدم التشبث بالمواد وأنظمة البناء التي أصبحت تراثية وليس لها جدوى اقتصادية وغير مناسبة لأنظمة المباني الحديثة.
