هذه الرسالة تلخص عالم لبنان الأمني الذي استغلته تل أبيب أيما استغلال لمواجهة الثورة الفلسطينية وتنظيماتها، فاخترقت البيت اللبناني وبعض الطوائف اللبنانية، واخترقت البيت الفلسطيني والمنظمات الإنسانية العالمية، واغتالت من اغتالت، بعضهم عرف من قاتله وبعضهم مازال مجهولا، لكن هذا الوضع ينحسر عندما تصبح الدولة هي المرجعية وتضعف سلطة الطوائف واتصالاتها وعلاقاتها وتضمر مصادر تمويلها .
بالأمس القريب، أعلن مدير عام قوى الأمن الداخلي اللبناني اللواء أشرف ريفي أن بنية شبكات التجسس الإسرائيلية في لبنان تلقت ضربة موجعة أضحى الأمر يتجاوز توقيف عميل هنا أو هناك بل ربما يكون الأمر إعلانا عن حالة انتقال إلى مرحلة ضرب البنية التحتية لشبكات التجسس الإسرائيلية.
ولم يخف ريفي أن هذه البنية المعقدة تلقت ولا تزال تتلقى ضربات استراتيجية موجعة أدت إلى زعزعة مقوماتها، وانهيارها الواحدة تلو الأخرى، بحيث إن محاولة إعادة ترميمها ستحتاج إلى سنوات طويلة.
وتقول مصادر وثيقة إن السلطات اللبنانية اعتقلت نحو 25 مشتبهاً بهم منذ بداية العام في إطار ما تقول مصادر أمنية، إنه تحقيق موسع بشأن التجسس لمصلحة إسرائيل، غير أن ريفي لم يفصح عن "سر" انهيار الشبكات التجسسية بشكل متتابع، حيث أكد أن هذا الانهيار لا يعود إلى اعترافات يتم انتزاعها من الموقوفين، لأن الجيش الإسرائيلي تعمد أن يجعل الشبكات غير مترابطة حتى لا يؤدي ضبط واحدة إلى سقوط أخرى" مضيفا: "هناك سر تقني هو الذي قاد إلى تفكيك كل هذه الشبكات بعدما استطعنا أن نكتشف من خلاله أن هناك قاسماً مشتركاً يجمع بين كل الشبكات، ويوماً ما سنفصح عن هذا السر".
في مقابل ذلك سربت مصادر أمنية إسرائيلية معلومات تفيد بأن وحدة خاصة تابعة لجهاز الأمن الروسي الخارجي الـ (FSB) كان من خلف الكشف عن شبكات التجسس الإسرائيلي في لبنان .
وحسب المصادر الإسرائيلية فقد وصلت الوحدة الروسية الخاصة إلى بيروت سرا مطلع العام الماضي كضيفة عند جهاز الأمن الداخلي لحزب الله.
ووفقا للمصادر فقد أحضرت الوحدة الروسية من موسكو معدات تجسس (مضادة للتجسس) متطورة جدا .
ضباط الوحدة الروسية وبحسب التسريبات قاموا برفقة ضباط من حزب الله بزيارة عدة أماكن في لبنان ونجحوا في تفكيك شفرات شبكات التجسس الإسرائيلية واحدة تلو الأخرى.
هذه المعلومات لم يجر نفيها أو تأكيدها من مصادر لبنانية غير أن ترجيحها يأتي عبر تلميح قائد الأمن الداخلي اللبناني من أن هناك أسرارا سيجري الكشف عنها لاحقا وتتصل بأدوات تقنية ساعدت لبنان في الكشف عن شبكات التجسس.
هذه التقنيات التي تأتي في سياق حرب جاسوسية ساخنة بين موسكو وواشنطن طهرت أخيرا في اكتشاف شبكة جاسوسية روسية في واشنطن كانت مهمتها الكشف عن أسرار عسكرية وسياسية أمريكية.
وليس سرا أن إسرائيل تعتمد التكنولوجيا الأمريكية في محال الاستخبار الأمر الذي أسال لعاب الأجهزة الاستخبارية الروسية لقياس مدى نجاعة تقنياتها في التصدي للتكنولوجيا الأمريكية وبالتالي اتخذت لبنان مجالا لهذا الاختبار الروسي.
في الجانب الإسرائيلي وحين يدلى آفي ديختر رئيس "الشاباك" السابق بشهادته أمام سياسيين وجنرالات في "معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي" عن تعاون إسرائيلي مع الولايات المتحدة لاختراق الساحة اللبنانية وزرع الاختلالات فيها، وتعميق النزاعات السياسية والمذهبية والطائفية، وقطع الطريق أمام تحقيق التوافق بين القوى السياسية فإن ذلك يعد إعلان حرب وأن بوسائل أخرى غير عنفية ليس على لبنان فقط بل وعلى الدول المجاورة لإسرائيل أيضا.
ومما يعزز الاعتقاد أن إسرائيل لا تزال في حالة حرب مع لبنان ما قاله ديختر في محاضرته من كون لبنان أكثر بيئة إقليمية "تفرض التحدي الاستراتيجي على إسرائيل"، مضيفا أن خيار القوة المباشرة الذي استخدمته إسرائيل مع لبنان في عام 2006، ولم يحقق الأهداف الاستراتيجية، يحتم عدم استبعاد هذا الخيار مجددا، بيد أن للحرب مقدمات لا بد منها ولعل في مقدمتها شن حرب استخبارية متعددة الوسائل.
لم تكد أيام قليلة تمضي على هذا التصريح العلني حتى تم الكشف عن شبكات تجسس إسرائيلية في لبنان، الأمر الذي استدعى تساؤلا مشروعا عن غايات هذه الشبكات واستهدافاتها وتاريخ عملها وأسلوبها وأماكن تواجدها وكيفية بنائها.
وشكل الكشف عن الجاسوس "شربل ق" أن الأنشطة الاستخبارية الإسرائيلية لا تزال ترى في لبنان ساحة مكشوفة يسهل التعامل معها وتجنيد عناصر فيها، فخلال التحقيقات مع الموظف الكبير في شركة ألفا للاتصالات تبين أنه ومن خلال موقعه الحساس جداً في الشركة قد مكن إسرائيل من الدخول إلى شبكة الاتصالات الخلوية والتنصت ورصد أشخاص، وهو الأمر الذي جعله يقدم خلال حرب تموز 2006 خدمات لا توصف للإسرائيليين، كونه كان يستطيع تحديد مكان وجود أي شخص حامل لخط "ألفا" على كل الأراضي اللبنانية وكذلك الوصول إلى الأسماء والأرقام والعناوين والسيَر الشخصية... إلخ، فضلاً عما كان يتيحه له تحكمه الفني بالإرسال والترددات من تقديمه.
ويحاول المحققون الوصول إلى معرفة من هم شركاء شربل في هذه العملية، ذلك أن أكثر من خبير فني أشار إلى أن الموقوف ربما يكون شبكة بحد ذاتها وربما يكون جزءاً من منظومة أو شبكة أكبر... والسبب أن شربل بمقدوره الوصول إلى التنصت والتسجيلات إذا كان شريكاً مع شخص آخر، أو أشخاص آخرين، وهناك ترجيحات بأنه استطاع التنصت على خطوط معينة خلال "حرب تموز، مثلما كان بمقدوره تعطيل أي هوائي إرسال وكذلك تشغيله، فضلاً عن برمجة الخطوط، كونه كان معبراً إلزامياً لكل عملية الاتصالات في الشركة المذكورة.
من جهته، أكد وزير الاتصالات شربل نحاس أن الموظف الموقوف قديم في هذا القطاع، وكان في السابق موظفاً في وزارة الاتصالات، مشيراً إلى أنه ليس من موظفي الصف الأول في شركة "ألفا" (أي ليس مديراً)، بل هو تقني "رئيس قسم"، من دون أن يعني ذلك التقليل من أهمية المعلومات التي ربما يكون قد حصل عليها.
فيما يقول موظفون في الشركة "إن شربل كان مسؤولاً عن قسم الـ "بي تي إس" BTS، وهو القسم الذي تمر به المرحلة الأولى من كل الاتصالات عبر هذه الشركة، ومنه يمكن التحكم بأكثر من 650 محطة إرسال تابعة للشركة المذكورة في جميع المناطق اللبنانية، كونه هو القاعدة التي تتولى توصيلهم بعضهم ببعض، ويستطيع من خلال عمله أن يحدد موقع أي خط على هذه الشبكة، ليس في منطقة وحسب بل في أضيق نطاق ممكن (مجمع سكني)، وكان يستطيع أن يعرف من أي ريليه يأخذ الخط نفسه الإرسال، ذلك أنه كلما تحرك حامل الخط من منطقة إلى أخرى تتغير المحطة التي تؤمن له الإرسال، حتى ولو لم يكن يجري محادثة".
بينما قالت مصادر أمنية لبنانية "إننا أمام أكثر من صيد ثمين، لا بل نحن أمام كنز ثمين جداً من حيث الخدمات والمعلومات التي كان يقدمها طوال هذه السنوات للإسرائيليين".
وكانت مخابرات الجيش اللبناني ألقت القبض على الموظف الجاسوس الخميس الماضي بتهمة تزويد إسرائيل بمعلومات حساسة تمس الأمن القومي اللبناني. وجاء توقيف الموظف بناء على معلومات مؤكدة للمخابرات، حيث قامت برصد المدعو شربل ق. وهو من مواليد عام 1954 علمان ـ الشوف، وعندما باتت تملك أدلة حول تعامله، قررت بالتنسيق مع قائد الجيش اللبناني العماد جان قهوجي، ومع النيابة العامة، توقيفه، حيث سارع إلى الاعتراف بتعامله مع "الموساد" الإسرائيلي منذ عام 1996.
قبل عملية الكشف عن العميل "شربل ق " جرى الكشف عن سلسلة من العملاء اللبنانيين الذين وفروا معلومات هائلة لأجهزة الأمن الإسرائيلية، ففي نهاية عام 2008 تم إيقاف علي الجراح ثم تبعته سلسلة من العملاء: أديب العلم (أوقف عام 2009،) ومحمود رافع (أوقف عام 2006،) ومروان فقيه (أوقف عام 2009،)، ومع توقيف العميل شربل فقد تأكدت السلطات اللبنانية أن الإسرائيليين لن يتوقفوا عن تجنيد العملاء والشبكات من خلال تركيزهم على قطاع الاتصالات الحيوي جداً، وهو الأمر الذي يطرح علامات استفهام كبيرة حول حجم العملاء المزروعين في هذا القطاع، سواء في الشركات الخاصة أو حتى في بعض المؤسسات الرسمية، في الشبكة الخلوية أم في الشبكة الثابتة؟
غير أن التغلغل الإسرائيلي في قطاع الاتصالات وصل حدا أن تمكن من السيطرة على محطة الباروك في أعالي جبال لبنان، وهي المحطة المسؤولة عن تزويد لبنان بـ "داتا" الإنترنت وهذا الموضوع، طرح عديدا من الأسئلة الجائرة حول مدى تغلغل إسرائيل في قطاع الاتصالات اللبناني، واللافت أن هناك من يساعد إسرائيل في أنشطتها السرية مثل بعض البعثات الدبلوماسية الأوروبية والمشتغلين في قطاع الأعمال من حملة الجنسيات الأوروبية، إذ غالبا ما تطرح الأوساط الأمنية اللبنانية سؤالا مشروعاً حول حقيقة الدور الذي لعبته المديرة التنفيذية لشركة "ألفا" الهولندية انيكي بوتر التي تمكنت من الفرار من لبنان في نهاية عام 2007 قبل ساعات من تنفيذ أمر إلقاء القبض عليها... وهي ليست سوى واحدة من عشرات سيدات ورجال الأعمال الأوروبيين الذين تبين لاحقا تعاونهم مع الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.
النشاط الاستخباري الإسرائيلي في لبنان له تقاليد عمرها يتجاوز الـ 30 عاما أي منذ اندلاع الحرب الأهلية هناك في عام 1975، حيث أضحت الساحة اللبنانية مكشوفة أمام معظم الأجهزة الأمنية على المستويين الإقليمي والدولي عزز ذلك غياب سلطة مركزية قادرة على ضبط الأمور وتداخل إلى ذلك فإن خبراء الأمن اللبناني يؤكدون أن لدى إسرائيل مشروعين في لبنان منذ اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية، ولم يتبدل هذان المشروعان حتى بعد انتهاء تلك الحرب نهاية الثمانينيات ومطلع التسعينيات، الأول: مشروع احتلالي يصل إلى صيدا، ويتصل بكيفية السيطرة على مياه نهر الليطاني، أما الثاني فهو مشروع تقسيمي يهمه تجزئة لبنان كله على أساس طائفي ومذهبي، بهدف تشكيل دويلات منفصلة بعضها عن بعض ومشتبكة في حروب أهلية لا تتوقف بحيث تغدو نموذجا يجري تعميمه على الوطن العربي وهو ما تم التعبير عنه أمريكياً بمشروع الشرق الأوسط الكبير الهادف إلى تقسيم سبع دول عربية.
وبعد أن اصطدم المشروع الاحتلالي بمقاومة عنيفة، اضطرت إسرائيل إلى تكثيف أنشطتها الاستخبارية لإنجاز مشروع التقسيم وإثارة الفتنة بين مكونات المجتمع اللبناني، مستفيدة من حالة الاستقطاب الطائفي والمذهبي التي تكرست في المجتمع اللبناني.
الخبير الأمني الإسرائيلي أمير أورن قال في معرض تقييمه لأوضاع "الجبهة الشمالية" إن اعتماد الجيش الإسرائيلي على 70 في المائة من قواه البشرية على قوات الاحتياط، يعني أن قدرة العرب على إطالة أمد أي حرب سيؤدي إلى نتائج كارثية على إسرائيل، لذلك فقد أكد أورن الحاجة الإسرائيلية الماسة إلى معلومات اسخبارية دقيقة عن "العدو العربي".
مهمة جمع المعلومات الاستخبارية والموكولة إلى جهازي "الموساد" و"أمان"، جرى رفع موازنتها بل مضاعفتها عدة مرات خلال السنوات القليلة الماضية، ولأن بعض المعلومات الحيوية لا يمكن الحصول عليها إلا عبر مصادر بشرية، فإن جميع قادة الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية، يطالبون بمضاعفة الاستثمار في مجال تجنيد مزيد من المصادر البشرية داخل لبنان والأراضي الفلسطينية.
في المقابل فإن الأمن اللبناني شدد على صيانة المعلومات المتصلة بالموارد البشرية خصوصا بعد حصوله في هذا الإطار على معلومات عبر التحقيقات مع الشبكات المجندة أنها كانت تبعث بطلبات التوظيف التي تأتيها بوصفها شركات خدمات إلى العدو ليدرس هذه الطلبات وليضع خطط اصطياد الشبان المحتاجين إلى العمل.
الحرب الجاسوسية التي تديرها إسرائيل على الأراضي اللبنانية لم تتوقف ومرشحة للتصاعد، وخصوصا أن التحدي الأمني المباشر الذي يتهدد إسرائيل بأي من الجارات الشمالية لها وبالتالي فإنه من المبكر الحديث عن نهاية قريبة لهذه الحرب الضروس.
