في خمس مقالات متتابعة في مجلة the globalist يحاول ماكس ستيكهاوس اقتفاء خطى ماكس فيبر في تحليل دور الدين في التنمية, خاصة أن هناك كثيرين قالوا إن الدين أداة معطلة, لكن ماكس يطرح تساؤلات عدة حول كيفية فهم التطور الهندي والصيني دون الالتفات إلى دور العامل الديني وأهميته، لكنه يتساءل: أي دين؟ وما نوع هذه الثقافة
A Protestant View of Globalization
يطرح ماكس السؤال التالي: هل يمكن لأحدنا أن يفهم الطريقة التي تطورت بها الهند والصين دون الرجوع إلى الهندوسية والبوذية أو الكونفوشسية؟ وهنا يحاول نمط التفسير السائد سواء أكان رأسماليا أم اشتراكيا أن يقوم بذلك. وفي هذه المقالة يشرح ماكس ستيكهاوس لماذا لن يجدي ذلك نفعا, وهو بذلك يجادل بأن ماكس فيبر في جعبته الكثير ليعلمنا حول عولمة العصر الحاضر.
وجادل ماكس فيبر قبل قرن من الزمان في كتابه الشهير عن الأخلاقيات البروتستانتية وروح الرأسمالية بأن الدين له أثر تكويني في الثقافة والمجتمع. ومقولة ماكس فيبر كانت ما زالت عرضة للنقاش والخلاف لمدة قرن، وهو دون شك مخطئ في بعض مقولاته, لكن دراسته تضع قضية رئيسة محط التركيز، فمثلا ما نوع الدين الذي يشكل أي نوع من الثقافة، وأي أثر للثقافة الناتج عن دين معين على الحياة الاقتصادية والاجتماعية؟ لهذا السبب لا يمكن فهم ديناميكية العولمة القائمة حاليا دون دراسة العلاقة بين الدين, أو لنقل الإيمان والثقافة, ومن ثم الثقافة والمجتمع.
والسؤال هنا هو: إذا ما كنا قادرين على فهم الطريقة التي تطورت بها كل من الهند والصين دون فهم أثر الهندوسية أو البوذية أو الكونفوشسية في الثقافة؟ أو إذا كان من الممكن فهم كيف تطورت بلدان جنوب إفريقيا وإفريقيا الاستوائية دون فهم الدين الذي ترك أثرا في عملية الاستعمار في هذه المناطق وكذلك الدين الأصيل الذي تم تجاوزه؟ والسؤال نفسه يمكن طرحة على عدد كبير من المناطق والأقاليم، فمثلا، هل يمكن فهم الأوضاع في إندونيسيا وإيران ومصر وتركيا دون فهم الدين الإسلامي؟
الجواب هو بالنفي مع أن الأنماط الاقتصادية السائدة سواء أكانت سياسية أو اقتصادية تحاول القيام بذلك. ولا يمكن بأي حال من الأحوال مهما كان حجم التحليل وقراءة الوضع إذا لم يكن ذلك مقرونا بمستوى أعلى وأعمق من التأثيرات الدينية في تشكيل الحضارات. وهذا يتركنا مع مشكلتين أساسيتين هما: أولا، كيف يمكن فهم تطورات اجتماعية كبيرة، وثانيا، ما المنظور الديني الذي لا يساعدنا فقط على فهم العملية وإنما له القدرة على إرشادنا في هذه الظاهرة في وقت نواجه فيه المستقبل؟ وهذا يتطلب إجابة كهنوتية ودينية, وفي هذه النقطة بالتحديد يعتقد الكاتب أن المسيحية تقدم كثيرا من الإجابات.
وهناك سببان لهذه المقولة هما: أن المسيحية ساعدت على إيجاد وجهة نظر شكلت العولمة المعاصرة، وثانيا، أن الادعاءات الثلاثة الرئيسة لهذا الدين التاريخي هي في المحصلة النهائية عالمية من حيث نتائجها, وهنا تتطلب العولمة الانتباه للواقع العالمي.
لا يمكن لنا بطبيعة الحال أن نتفهم هذه الظاهرة المعقدة أو نصلح أو نعيد توجيه العولمة دون فهم الموضوعات الدينية وافتراضاتها ونتائجها مرة أخرى. كما أنه لا يمكن لنا أن نقرأ بدقة المبادئ التي نحتاج إليها لتقييم عواقب الاتجاهات الحالية إذا لم نكن قادرين على رؤية من أين أتت وأين هي متجهة. وما من شك أن النسيان الممنهج لهذه الأشياء, الذي يميز أساتذة الجامعات والجامعات المهنية وحتى بعض رجال الدين يعني من جملة ما يعني أننا نسير دون خريطة ذهنية فيما يتعلق بمسألة من أين أتينا؟ وأين نسير؟ وكيف يمكن لنا أن نصل إلى ما نريد الوصول إليه بالطريقة المثلى؟ طبعا لا يمكن الإشارة إلى فكرة واحدة أتت من الثقافة الكونفوشسية أو الهندوسية أو البوذية أو الإسلامية أو الإنسانية, مع أن جزءا من هذه الأفكار متجذرة في التقاليد القبلية لإسرائيل القديمة. ومع ذلك فإن لكل تقليد من هذا التقاليد أفكارا أخرى حول كيف يمكن أن ينظم العالم, وما شكل مستقبل الدولة النهائي للبشرية. بمعنى أنه لا يمكن فهم ديناميكية العولمة دون فهم واستبطان العلاقة بين الثقافة والدين, وبين الثقافة والمجتمع, وبين المجتمعات وتشكيل الحضارات, وعلاقة كل ذلك بالاقتصاد. وبما أنه لم تتمكن أي حضارة حتى الآن من أن تستمر دون أن يكون هناك نظام أخلاقي وديني يشكل أساس هذه الحضارة أو تلك، ومن ثم علينا أن نفهم ماذا يمكن للمسيحية في أفضل أشكالها أن تقدم للمجتمع المدني الكوني, والذي يمكن له أن يصبح حضارة كونية.
#2#
فبعد أن انتشرت الإنسانية لمعظم بقاع العالم وساعدت على تشكيل ثقافات أو أديان محلية مميزة، فقد بدأ البعض بتطوير روابط بينهم. وكانت هناك حوافز مثل الفضول الثقافي والحماس الديني والآمال لحكمة جديدة والبحث عن تجارة مربحة ورغبة في المغامرة وفرصة للهروب من الأوضاع غير السعيدة ومحبة الأشياء الغريبة فقد وجد الناس طرقا للسفر بين الغرب وبين الشرق والشمال والجنوب. وبطبيعة الحال كان هناك مزيج من المصالح المادية التي تتعلق بالمثل والأفكار دفعت التجار والمغامرين ورجال الدين إلى تطوير واستعمال مزيج من الرحلات التي أطلق عليها وبشكل جماعي طريق الحرير. وربط هذا الطريق تركيا بالصين مع وجود طرق كثيرة من الغرب إلى أوروبا والمنطقة العربية وإفريقيا. وهذا مكن البوذيين واليهود والمسيحيين والمسلمين من توصيل أديانهم من خلال هذه الطرق. ولقرون طويلة تم تبادل البضائع والأفكار والذهب من خلال هذه الطرق, ما أثرى الحضارات، ولقي كثيرون حتفهم في هذه الطرق في حين ازدهر البعض الآخر, وشكل هذا ما يمكن تسميته الشكل الأولي للعولمة. وظهرت تكنولوجيات جديدة بعد ذلك بقرون وتم الاعتناء بهذه التكنولوجيات من قبل الدين, وهو ما أوجد الفكرة التي تقول إن الطبيعة في حاجة إلى إصلاح وتحول حتى تكون الحياة أقرب إلى الجنة الموعودة في القدس الجديدة.
وعلى المستوى العملي فقد تغيرت الأحوال بعد اختراع السفن البخارية ما سارع من عمليات الاكتشاف لقارات جديدة واستعمار أجزاء جديدة من الكوكب. وهو أمر أيضا أسهم في التوسع في العبودية, وهي كانت تعبر عن ممارسات مقبولة من قبل بعض التقاليد الدينية, وأدت إلى نقاشات حول إذا ما كان لكل البشر أرواح ومتساوين بنظر الخالق.
وكان للتطورات العملية أيضا أثر كبير في النشاط التبشيري لأعداد غير مسبوقة، فالمسيحيون من الغرب استفادوا من هذه الأوضاع، فما كان من رجال الدين المسيحي إلا أن استغلوا الأوضاع وتواصلوا مع بقية أصقاع العالم. وجاء هؤلاء بتفسيراتهم الجديدة للعالم وللأرض وكذلك وسائل جديدة للاعتناء بالشباب ومعالجة المرضى، كما جلبوا معهم أنماطا جديدة لتنظيم الحياة العامة للناس حول العالم. وقد تنازع التبشيريون والمستعمرون حول قضايا رئيسة, لكنهم تعاونوا في كثير من الأحيان, كما جلبوا معهم الكثير لبلدانهم ثقافيا.
لكن الناس الذين تلقوا هذا الأثر لم يكونوا بدورهم سلبيين، فقد تبنوا فقط ما يناسبهم, أو لنقل جزءا مما عرض عليهم وبطريقة انتقائية، فقد جلبوا معتقدهم القديم إلى معتقدهم الجديد, وهذا بدوره ولد توليفة ثقافية جديدة أسهمت في مقاومة الاستعمار والإمبريالية للثقافات الأوروبية. وهذه التوليفة الجديدة هي الآن مصدر كثير من التطور وإعادة الإعمار فيما يسمى اليوم العالم الثالث، وبهذا يمكن القول إن وجهة نظر أوسع للإنسانية أصبحت أكثر شيوعا. ولهذا السبب وجد عديد من وجهات النظر التوليفية وأصبح من الممكن للناس أن يتكلموا عن رؤية إنسانية وتطلعات لحقوق الإنسان وبناء الأمم والحكومات الدستورية والحداثة في الاقتصاد والطب والحياة الاجتماعية، وأغلبية هذه الأشياء يعبر عنها بمفاهيم ثقافية شبه مسيحية. واليوم يمكن القول إن عولمة اليوم موجة أخرى من التطور, وهي لحظة تم تميزها تكنولوجيا بوسائل جديدة من الاتصال من الطائرات النفاثة إلى الإنترنت. والآن يتناول العلماء مسائل متعلقة بإمكانية الهندسة الوراثية والبيئية وتفاعلات جديدة بين الثقافات والأديان.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن القدرة المتزايدة في السيطرة على العالم البيولوجي والفيزيائي عن طريق توظيف التكنولوجيا (متوافرة الآن للبعض), والمقدرة المتزايدة للتأثير في آراء الناس عن طريق الشكل الجديد من وسائل الإعلام (هي الأخرى متوافرة للبعض)، كل ذلك يطرح سؤالا عن ماهية القيم والمبادئ والأغراض التي تدفع ردة فعلنا على آفاق وأخطار العولمة. فكل واحد يعرف على سبيل المثال أن البعض ما زال متخلفا عن هذا الركب ومع ذلك فإن اللافت في الأمر هو إحياء البعث في الأديان العالمية القديمة وظهور التنبؤات الجديدة في وقت يريد البعض تحديد مصير العولمة بما يتناسب مع قيمه المستندة إلى الدين. وهنا الإشارة إلى الإسلام العنيف في الشرق الأوسط, وهو بالمناسبة مواز في تركيبته مع بعض أشكال الأصولية المسيحية. لكن علينا أيضا أن ننتبه إلى العودة الدراماتيكية للبوذية في شرق آسيا, وهو ينتشر بسرعة في الصين كما هو الحال مع المسيحية الإيفنجليكية.
#3#
وهذه التطورات, إضافة إلى صحوة العشائرية والأديان في بعض أجزاء العالم, تعني أن الضغوط الناتجة عن العولمة تجعل من البحث عن رؤية إرشادية أخلاقية وروحية أمرا يبحث عنه الناس على نطاق واسع. وهذه الرؤية تهدف إلى تقديم وجهة نظر أو منظور شامل للأخلاق للمجتمع. وتحوي هذه الرؤية بطبيعة الحال عملية معقدة تأخذ في الاعتبار التنوع الكبير الموجود في الثقافات وفي الأديان في وقت يجب أن تكون فيه بسيطة نسبيا حتى تكون قادرة على تشكيل ولاءات الناس. ومسألة الولاءات هذه تقودنا إلى العودة إلى مسألة الإيمان: كيف كانت وكيف يجب أن تكون العلاقة بين الإيمان وهذا التشكيل العولمي لمجتمع مدني عالمي جديد والقوى التي تنتجه وتسهم في استمراره؟ ولو سألنا الاقتصاديين الرئيسيين والمنظرين الاجتماعيين فإننا عندها سنحصل على نتائج مختلفة.البعض سيقول إن العولمة لم تعمل على إفقار الناس بدليل أنها حولت ملايين الفقراء ليكونوا من ضمن الطبقة الوسطى مع الاعتراف بأن هناك مناطق لم تصلها العولمة وبخاصة في ثقافات تشكلها الأديان تكون مصممة لمقاومة التغيير. ومع ذلك يمكن القول إن عدم المساواة قد زاد، وهذا أمر منطقي في المراحل الأولى في عملية تحول تاريخي عندما تأتي قيم اجتماعية جديدة وأساليب في الإنتاج وأنماط في التنظيم، تضاف إلى ذلك أعداد كبيرة جدا من الناس يتم توطينهم في مناطق الحضر وفي الاقتصاديات الصناعية.
ربما الأهم هو أن نشير إلى أن النمو في الطبقة الوسطى في شرق آسيا وجنوبها, وهي بلاد تنمو فيها المسيحية بشكل كبير, خاصة الإيفانجليك. وربما هناك نوع من الربط بين هذا وحقيقة أن هذا القسم من العالم آخذ في التطور. وربما يستدعي هذا تفحص موضوع العولمة من منظور آخر, السلطة البطريكية الأبوية لم تعد تتحكم بالعائلة ولا بثروتها أو بالدولة التي تحكم قبضتها في موضوع القوة الاقتصادية. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقوميات لها القدرة لأن تتحرك في جميع أنحاء العالم. وهناك دائما بحث حولهم من قبل الدول والقادة, إذ توفر الدول كل الشروط المريحة, لعل إحدى هذه الشركات تقرر أن تستثمر في أي من هذه البلاد. غير أننا يجب ألا نقع تحت وهم أن هذه الشركات لا تخضع للقوانين أو أنها فوق القانون.
لقرون طويلة لم يفكر البشر في العالم أبعد من مجرد دول وطنية، لكن مع العولمة فإن الدول الوطنية تصبح الآن وحدات من ضمن تجمعات أعرض تسمى أحيانا حضارات. وهذا التغير لا يعني أن تماهيا ما قد حدث, بل هناك أنماط جديدة من التنوع التي يمكن لها أن ترعى أنماطا كونية إبداعية مبتكرة للحياة, وهي تفضي إلى هويات أكثر تعقيدا.
في نهاية الأمر للأديان آراء تتعلق بالعولمة, وهنا نشير إلى رؤية البروتستانتية حول العولمة. أولا لا بد من الإشارة إلى أن هناك عددا من الاقتصاديين البارزين يصرون على أن هناك احتكارا على فهم مسألة العولمة، وهم يعتقدون أن كل حقل من حقول المعرفة يمكن شرحه وفهمه بلغة الاقتصاد. وهم ينظرون إلى الأديان وكأنها شيء توظفه قوى السوق ويمكن فهمها كسلعة للمستهلكين. وهؤلاء لا يفهمون أو لا يحترمون أن الدين أساس للأخلاق التي يمكن لها توليد وإدامة وإرشاد وإصلاح السياسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ثم هناك قلق من تفسيرات توارتية ولاهوتية دينية التي تتعلق بالموقف المناهض للعولمة. وهنا لا يتفق الكاتب مع هذه التفسيرات التي تعد العولمة تعبيرا عن استعمار جديد أو إميريالية جديدة, فحسب هذه التفسيرات فإن العولمة ظاهرة رأسمالية غير أخلاقية, وهي ـ أي العولمة ـ تلقى الدعم من قبل إجماع واشنطن المعروف، وهي ظاهرة مصممة لزيادة الغني غنى والفقير فقرا وتقوم على استغلال الفقير. وهذا التفسير جزئي ماركسي يعتمد على تحليل الطبقات وفلسفتها حول التاريخ.
هناك أيضا خلط بين العولمة وسياسة أمريكا غير الشعبية, وبالتالي يكون هناك خلط بين ذلك والمسيحية التي غالبا ما تصبح موضوع نقاش في وقت تكون فيه في واقع الحال ذا فائدة كبيرة. ولهذا السبب فإن هناك إخفاقا في فهم الطريقة التي ساهم بها الدين, خاصة البروتستاتينية, في تشكيل التطورات التي جلبتها العولمة. وقامت بذلك لأنها قيدت وأصلحت السلطة في اتجاهات غير تلك الموجودة في المجتمعات التسلطية والثابتة.ويشير المقال إلى أن الدين المسيحي أكثر دين صالح للإنسانية، غير أن الكاتب يدرك ويعترف بأن هناك آراء أخرى علينا أن نواجهها في عالم معولم, وكذلك لا بد من الاعتراف بأن هناك مظاهر ومسائل يمكن أن تغني بشكل عام. وفي الوقت نفسه يمكن القول إن هناك أدلة تفيد أن المجتمعات البروتستانتينية أكثر انفتاحا وتعددية من غيرها, وهي قادرة على التكيف مع وجهات النظر الأخرى من غيرها، وهذا بشكل عام يثري المجتمع ويجعله أكثر قدرة على التعامل مع التحديات.



