كان ذلك في آذار (مارس) 2007. أدركت حينئذ أن سوقين من أسواق العالم كانتا تضمان بعضهما بعضاً في عناق حار ومميت. قبل ذلك بأسبوع عانت أسواق الأسهم العالمية ''مفاجأة شنغهاي''، حين أدى هبوط بنسبة 9 في المائة في بورصة شنغهاي إلى يوم من الجيشان العالمي. عصر ذلك اليوم في ''وول ستريت'' هبط مؤشر داو جونز للشركات الصناعية بنسبة 2 في المائة خلال ثوان. عهد الهدوء الطويل في الأسواق ولى إلى غير رجعة.
أثناء مراقبتي حركات أسواق المال في غرفة الأخبار في مكتب ''فاينانشيال تايمز'' في نيويورك، حاولت أن أفهم ما يحدث بصورة منطقية. كانت الأسهم في صعود مرة أخرى، لكن الناس كانوا إلى حد كبير يشعرون بالتوتر وعدم الارتياح. كانت أسواق العملات تفور وتمور. نظرت إلى شاشات العرض من قناة ''بلومبيرج''. إحدى الشاشات كانت تعرض حركة ستاندارد آند بورز 500 (المؤشر الرئيسي للأسهم الأمريكية) دقيقة بدقيقة. ثم حولت العرض على الشاشة ليُظهِر حركة سعر صرف الين الياباني مقابل الدولار دقيقة بدقيقة. ظننت أنني طبعت اسم الشاشة بطريقة خاطئة، لأن البيانات الخاصة بحركة الين والدولار كانت مطابقة لحركة مؤشر ستاندارد آند بورز.
مع تقدم اليوم وتحوله إلى اليوم التالي، كنا نشاهد مخططات الحركتين أثناء تقلبهما على الشاشة. في كل مرة كان يرتفع فيها مؤشر ستاندارد آند بورز، كان الدولار يرتفع في مقابل الين، والعكس بالعكس. أصبت بالذهول وتساءلت: ما هذا الذي يجري بربكم؟
علاقات الارتباط التي من هذا القبيل غير طبيعية. في السنوات المؤدية إلى مفاجأة شنغهاي كان الين ومؤشر ستاندارد آند بورز يتحركان بصورة مستقلة تماماً. فهما من أكثر الأسواق سيولة في العالم، ويتداول بهما أشخاص مختلفون تماماً، وهناك عدد كبير من الأسباب غير المتصلة تفسر السبب في تداول الناس في الين شراءً وبيعاً (إما للتجارة أو السياحة)، أو السبب في بيع أسهم إحدى الشركات الأمريكية (في أعقاب آخر الأنباء من عالم الشركات الأمريكية). لكن منذ مفاجأة شنغهاي أظهر علماء الإحصاء أن أية حركة في مؤشر ستاندارد آند بورز كافية لتفسير حركات بنسبة 40 في المائة في الين، والعكس بالعكس. المفترض أن هذين المقياسين ليس بينهما شيء مشترك، وهذا يفترض ضمناً أن الأسعار في كل سوق من السوقين لم تكن مقيَّمة بكفاءة. الذي حدث بدلاً من ذلك هو أن هاتين السوقين المتشابكتين كانتا مدفوعتين بالمستثمرين أنفسهم، وباستخدام الحركات نفسها من أموال المضاربات.
نعلم الآن أن مفاجأة شنغهاي سجلت بداية أسوأ أزمة مالية عالمية منذ 80 سنة على الأقل، وهوت بالاقتصاد العالمي في حركة سقوط حر في عام 2009، وهو أسوأ انهيار اقتصادي عالمي بحق حسب ما نعلم. الأسواق التي تفتقر إلى الكفاءة في الأسعار كانت هي المحرك لهذه العملية المريعة. حين تكون العملات مرتفعة أو متدنية بسبب المضاربات، فإنها تشوه أحكام تعاملات التجارة العالمية. سيطرة الحكومات على اقتصاد بلادها تتعرض للضعف إذا جعلت أسعار الصرف المفرطة بضائعها إما رخيصة دون الحد أو غالية فوق الحد. أسعار النفط المفرطة في ارتفاعها يمكن أن تدفع بالعالم إلى الركود الاقتصادي. الإفراط في أسعار المواد الغذائية يعني المجاعة بالنسبة لملايين البشر. الأموال التي تصب في بلدان الأسواق الناشئة تهيج التضخم وتزعزع الاستقرار الاقتصادي في البلدان التي يعتمد عليها العالم اليوم من أجل النمو. حين يصبح الائتمان رخيصاً دون الحد ثم غالياً فوق الحد بالنسبة للمقترضين فإن الطفرة غير القابلة للاستدامة تنفجر ويعقبها الانهيار.
وبالنسبة للمستثمرين تصبح إدارة المخاطر مستحيلة حين تتحرك جميع الأسواق يداً بيد. حيث إنه لا يوجد مكان يمكن الاختباء فيه، حين تنهار الأسواق معاً فإن صناديق التوفير التقاعدية تتلقى ضربة موجعة. خلال أسبوع واحد في شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2008 تضررت موجودات التقاعد العالمية بنسبة 20 في المائة تقريباً.
الزلزال الذي من هذا القبيل كان ينبغي له أن يطهر المضاربات وينفيها عن النظام لمدة جيل واحد. لكن بحلول نهاية عام 2009، حين بدأت التفكير حول تأليف كتابي الحالي، كانت الموجودات الخطرة مندفعة منذ فترة لا بأس بها في حركة انتعاش قوية، وكانت الأسواق تتسم بارتباط أوثق حتى مما كانت عليه الحال في أوائل عام 2007. مرة أخرى كان من المستحيل رؤية أي فرق بين حركات الدولار وحركات سوق الأسهم الأمريكية. الصلات مع أسعار السلع والائتمان ظلت قوية بصورة منحرفة. منذ ذلك الحين تراجعت بعض جوانب هذا التناظر المخيف، لكن الفضل في ذلك يعود بدرجة كبيرة إلى الأزمة اليونانية، التي تشير إلى نقاط ضعف صارخة أخرى.
بالتالي فإن الكارثة المالية خلال الفترة 2007 – 2009 لم تعالج أياً من العوامل الكامنة التي أدت بالأسواق إلى أن تصبح متداخلة ومتضخمة بصورة بالغة ومصدر تهديد للاقتصاد العالمي. هذا لا يعني أن من المحتم وقوع فقاعة متزامنة أخرى يتلوها انهيار، لكنه لا شك يعني أن حدثاً من هذا القبيل هو أمر ممكن الحدوث بالتأكيد.
شأني شأن كثير من المعلقين الماليين الآخرين، مررت بتجربة مثيرة للأعصاب حين حاولت تبيان خطوط ما حدث وتفسيره خلال الوقت الفعلي، حيث كنت أجلس كل يوم أمام كاميرا ''فاينانشيال تايمز'' (على موقعها الإلكتروني) في محاولة لإعطاء ''وجهة نظر قصيرة'' وأنا واقع تحت التأثير الصاعق للأحداث. لكن اضطراري إلى إعطاء رأي علني إلى هذه الدرجة وبصورة منتظمة كانت له على الأقل فائدة من أنني كنت أتعلم بسرعة حين أخرج بتحليل خاطئ. (لاحظ أن مشاهدي البث القصير على موقع ''فاينانشيال تايمز'' على الإنترنت لا يترددون في التعبير عن رأيهم). في التعليقات التي كانت تُرسَل حول ملاحظاتي، بدأت تظهر بوضوح بعض المواضيع المتكررة. لم تكن جميعها في ذلك الحين جزءاً من الحوار السياسي. بالتالي أخذت بصورة مبدئية بالإعداد لكتاب يعطي ''وجهة نظر قصيرة'' حول الأسباب التي دفعت أسواقنا إلى الاختلال على هذا النحو الفظيع.
الفقاعات الاستثمارية
عبر التاريخ
الفقاعات الاستثمارية تضرب بجذورها عميقاً في نفسية البشر، بالتالي فإن من المحتم أنها ستحدث من حين لآخر. الأسواق مدفوعة بالجشع والخوف. وحين يستولي الجشع على الخوف، كما يغلب عليه أن يفعل مرة واحدة على الأقل في كل جيل، فإن النتيجة ستكون نشوء فقاعة غير عقلانية. وحين يعود البندول فجأة نحو الخوف، تنفجر الفقاعة وتتسبب في حدوث الانهيار.
يعطينا التاريخ أمثلة كثيرة على ذلك، كما حدث مع التجار الهولنديين في القرن السابع عشر حين وجدوا أنفسهم عالقين في ''جنون الزنبق''، ودفعوا ''تحويشة العمر'' في سبيل زهرة واحدة من الزنبق. ثم جاءت فقاعة بحر الجنوب. وشهد العصر الفيكتوري فقاعة في أسهم شركات القطارات في الولايات المتحدة.
لكن العقود القليلة الماضية شاهدت فقاعات أكثر فأكثر. شكَّل الذهب فقاعة انفجرت في عام 1980، وعانت السندات المكسيكية وبلدان أخرى في أمريكا اللاتينية من المصير نفسه في عام 1982 وعام 1990، تبعتها بعد فترة قصيرة فقاعة البنوك الاسكندينافية. وهوت إلى الأرض أسهم بلدان ''النمور'' الآسيوية في عام 1997، وانفجرت فقاعة الإنترنت مع انهيار الدوت كوم في عام 2000.
قال البعض إن هذا أمر مفهوم. ذلك أنه خلال الفترة من عام 1950 إلى عام 2000 شهد العالم نهضة ألمانيا واليابان، ونهاية سلمية للحرب الباردة، كما شهد ظهور الأسواق الناشئة – وكلها أحداث كانت تبدو شبه مستحيلة في عام 1950 – هذا بينما هالت أعداد السكان المتزايدة الأموال على الأسهم. وربما لم تكن الفقاعات التي شهدتها نهاية القرن أكثر من زبد بعد عصر ذهبي غير قابل لأن يتكرر. ولكن منذ ذلك الوقت، بدأت العملية في التسارع فقد أفسحت الفقاعات في أسعار المساكن الأمريكية وفي سندات الرهن الأمريكية التي بدأت تنفجر في عام 2006، المجال لفقاعة في الأسهم الصينية انفجرت في عام 2007. وفي عام 2008، جاء انفجار الفقاعات في أسعار النفط، والمعادن الصناعية، والمواد الغذائية، وأسهم أمريكا اللاتينية، والأسهم الروسية، والأسهم الهندية، وحتى في مختلف العملات كالجنيه الاسترليني، والريال البرازيلي والدولار الأسترالي.
2009 وأسرع الانتعاشات في التاريخ
بعدئذ، جلب عام 2009 واحداً من أسرع الانتعاشات في التاريخ. الأخبار الواردة من عالم الواقع ربما لا تستطيع أن تفسر هذا. لماذا كانت الأسواق أكثر ميلاً وعرضة للفقاعات؟ لقد جرت العادة على إلقاء اللوم على الجشع. لكن هذا غير معقول، لأنه يوحي أن الناس في سائر أنحاء العالم أصبحوا فجأة أكثر جشعاً. وبدلاً من ذلك، فإن من الأدق القول إن الخوف في نصف القرن الماضي زال من القرارات التي كان يتخذها المستثمرون. وحيث أن الخوف لم يعد يخفف الجشع، أصبح لدى المستثمرين ثقة مفرطة.
كيف حدث هذا؟ في رأيي أن هذا راجع إلى ما يمكن أن يدعى بالصعود المخيف للأسواق، فعبر العقود، عملت مأسسة الاستثمار وانتشار الأسواق لتغطي أجزاء أكبر من الاقتصاد العالمي على تضخيم الفقاعات وجعلها تحدث بالتزامن بعضها مع البعض. وقد ترتب على هذا الصعود للأسواق حدوث عدة نزعات أسهمت جميعها في كارثة عام 2008.
أموال الآخرين: في خمسينيات القرن الماضي، كان الاستثمار لعبة بالنسبة إلى الهواة، حيث كانت نسبة تقل عن 10 في المائة من الأسهم في بورصة نيويورك تملكها المؤسسات، والآن فإن المؤسسات هي التي تدفع التداولات اليومية. وفي الماضي، كان الإقراض خاصاً بالجهات المحترفة حيث كانت البنوك تسيطر على جميع القرارات تقريباً. واليوم، تضطلع بهذا الدور أسواق المال التي يمكن للشركات أن تطرق بابها للحصول على التمويل. وحسب تعبير الاقتصاديين، انفصل الموكّلون عن الوكلاء في عمليتي الاستثمار والإقراض. وعندما يتخذ الناس القرارات التي تتعلق بأموال الآخرين، فإنهم يفقدون الخوف وينزعون إلى اتخاذ قرارات أكثر خطورة مما لو كان الأمر يتعلق بأموالهم الخاصة.
سياسة الدهماء أو القطيع: إن الضغوط التي يتعرض لها المستثمرون من صناعة الاستثمار ومن عملائهم تعتبر أمراً جديداً بالنسبة لهذا الجيل وتزيد النزوع البشري للسير وراء القطيع. إن لدى المستثمرين المحترفين حوافز قوية تدفعهم إلى الدخول في الاستثمارات التي سبق للآخرين أن قاموا بها. وعندما يذهب ثقل أموال المؤسسات إلى نفس المكان في نفس الوقت، فإن الفقاعات تتضخم.
الأمان بالأرقام :منذ وقت ليس بالبعيد، كان يتم جمع مؤشرات السوق أسبوعياً من قبل اكتواريين باستخدام المسطرة الحاسبة، وكانت الأسهم تعتبر أكثر خطورة من السندات. أما الآن، فهناك نماذج رياضية محوسبة تقيس المخاطر بدقة، وتبين كيفية تداولها للحصول على عائد. وكانت الفروقات بين مثل هذه النظريات ضئيلة، ولها محاذير، ولكن تأثيرها النفسي على المستثمرين كان أكبر: أعطت الانطباع بأنه يمكن السيطرة على الأسواق. علاوةً على ذلك، روجت هذه النظريات للفكرة القائلة إن التنويع يعني الأمان- أي الاستثمار في أصول مختلفة. ومن الصعب تفنيد فكرة التنويع بحد ذاتها، إلا أن الأمر أدى إلى تشجيع المجازفة، ودفع المستثمرين إلى أسواق لا يفهموها.
المخاطر المعنوية: مع تلاشي ذكريات حالات فشل البنوك في الثلاثينيات، فككت الحكومة القيود التي تم فرضها في تلك الحقبة. وأصبحت البنوك أكبر بكثير. وجعلت عمليات إنقاذ البنوك الحكومية الأموال أرخص، وعززت في الوقت نفسه الانطباع بأنه سيكون هناك دائماً عمليات إنقاذ إذا وقع المصرفيون في المشاكل. وأوجد هذا مخاطر معنوية- الاعتقاد أنه ليس هناك عقاب للمجازفة التي لا داعي لها. وأدت المكافآت الكبيرة للأداء قصير الأجل، مع غياب العقوبة للخسائر طويلة الأجل، إلى تشجيع مديري صناديق التحوّط والمصرفيين الاستثماريين على تحمل مخاطر كبيرة قصيرة الأجل، وعززت ثقتهم المفرطة بأنفسهم.
ارتقاء الأسواق وسقوط البنوك: حولت التطورات المالية الأصول التي كانت متاحة في السابق للمتخصصين فقط إلى أصول قابلة للتداول، ويمكن للمستثمرين في كل مكان من العالم شراؤها أو بيعها- وبسرعة. في السابق، كانت أسهم وعملات وائتمانات وسلع الأسواق الناشئة تعمل في مساحتها الخاصة المنفصلة، وتتبع قواعد خاصة بها. أما الآن، فهي أصول قابلة للتبادل، وحين توسعت أسواقها مع تدفق الأموال، ارتفع العديد من الأصول الخطرة في وقت واحد، الأمر الذي شكل فقاعات متزامنة. وفي الوقت نفسه، شهدت البنوك انتزاع أدوارها من قبل الأسواق. وبدلا من الاختفاء، سعت إلى القيام بأمور جديدة- ووقعت في تجاوزات المضاربة.
جعل الأسواق أكثر خوفاً وكفاءة
إحدى المشاكل الكبيرة التي تعترض سبيل إصلاح هذه العوامل الكامنة هي أن معظمها أفكار جيدة. فمعظم الناس يحتاجون إلى مؤسسة محترفة لإدارة أموالهم نيابة عنهم. والأكثر من ذلك هو أن الميل لتضخيم الفقاعات متأصل في نسيج الأسواق العالمية، لذا يجب أن تكون أي إصلاحات شاملة للنظام بأكمله. وفي حين أنه يجب أن تختفي الأدوات المعقدة للغاية التي أوجدت فقاعة سوء الائتمان (مثل التزامات الدين المضمونة التي أوقعت بنك جولدمان ساكس في المأزق)، إلا أن جذور المشكلة أعمق بكثير من هذا. ويتضمن إيجاد علاجات اتخاذ قرارات صعبة.
والأصعب من ذلك هو أي حل يجب أن يلائم الطبيعة البشرية ولن يتلاشى أبداً ميلنا للمعاناة من تقلبات المشاعر، والتحرك ضمن قطعان، وتوقع الآخرون إنقاذنا من عواقب تصرفاتنا. وبالتالي، في حين أني أعتقد أن تشخيص المشكلة صحيح، إلا أنني يجب أن أكون أكثر تواضعاً بكثير عند اقتراح حل. ولكن لدي عموماً بعض الأفكار حول كيفية جعل الأسواق أكثر خوفاً، وربما أكثر كفاءة:
المخاطر المعنوية: كبحت الأزمات المالية السابقة جماح المخاطر المعنوية عن طريق إلحاق خسائر خطيرة بكبار المستثمرين. إلا أن الأزمة الأخيرة كانت مختلفة: فقد أظهرت أن الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وغيرهما، قد تنفق تريليونات الدولارات للمحافظة على أكبر المجموعات المالية. لذا يجب تثبيط الأسواق التي تراهن على أن الحكومة لا تجرؤ على تركها تفشل. ولا يزال من المبكر فعل ذلك. ولكن في مرحلة ما، يجب على الحكومة أن توضح أنها لن تنقذ المتهورين، إما عن طريق رفع أسعار الفائدة، أو السماح لبنك كبير بالفشل.
يمكن البدء بالبنوك الكبيرة للغاية مثل بنك بانك أوف أمريكا الذي أصبح أكبر الآن نتيجة لعمليات الاندماج القسرية التي تم ترتيبها خلال الأزمة. ولا يمكن السماح لها بالفشل، وبدلاً من ذلك، يجب تنظيمها بشكل محكم، بحيث لا يسمح لها بالمراهنة، أو يجب أن تصبح أصغر. ويمكن للحكومة أن ترفع متطلبات الاحتياطي، مما سيجبر البنوك على بيع الأصول؛ وليس من الضروري أن يتضمن ذلك فرض التقسيم.
تراجع البنوك وارتقاء الأسواق: أوجد ارتقاء أسواق المال فئةً جديدةً من المؤسسات الشبيهة بالبنوك التي لا تحتاج إلى تأمين لحماية المودعين. ويجب الآن تنظيم نظام الظل المصرفي هذا، بما في ذلك صناديق أسواق المال، كما لو أنها بنوك. ومن الضروري تماماً تنفيذ إصلاحات لتقوية ما يسمى سوق إعادة الشراء (التي تقترض فيها البنوك من بعضها البعض على مدى فترات قصيرة للغاية، وتقدم السندات كضمانات). وحين تم ضبط هذه السوق، لم تكن البنوك قادرةً على الحصول على التمويل قصير الأجل.
ينبغي على المنظمين أيضا إصلاح القواعد التي دفعت البنوك، دون قصد، إلى تجميع الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية، والاستعانة بمصادر خارجية، أي وكالات التصنيف، للقيام بوظيفتها الرئيسية كمقرضة- معرفة من يمكنهم التسديد وأولئك الذين لا يستطيعون ذلك.
حين تخضع أسواق المال للقوانين ذاتها التي تخضع لها البنوك، فقد تتلاشى مزاياها، وهو ما يمكّن البنوك من استعادة أعمالها القديمة، أي الإقراض. وإذا لم يحدث هذا، يمكن للاقتصاد الاستغناء عن البنوك بشكلها التقليدي. وقد قادت صناديق التحوط العديد من الاتجاهات نحو التدمير بحلول عام 2007، ولكن لم يحدث ما كان الكثيرون يخشونه، أي الانهيار الفوضوي لصندوق تحوط كبير. وبدلاً من ذلك، فإن ما أدى إلى الانهيار هو عدم الاستقرار المتأصل للبنوك. وبالتالي، فإن الوضع الراهن ليس خياراً أمام البنوك.
أموال الآخرين: يجب على الإصلاحات المصرفية كذلك معالجة الصراعات التي تنشأ كلما كان أولئك الذين يتحملون المخاطر قادرين على بيع تلك المخاطر لأطراف أخرى. ففي مجال التوريق، حيث لا بد أن يحدث انقسام بين العميل ووكيله، يجب أن يتم إلزام منشئي القروض بالاحتفاظ بنسبة كبيرة من محفظة القروض الخاصة بهم- بعبارة أخرى أن ''يأكلوا مما طبخوه''. وقد تعود البنوك الاستثمارية العامة الآن إلى نموذج الشراكة. وحينها سيكون المال على المحك هو للشركاء أنفسهم، وليس للمساهمين.
تشمل كل هذه المجالات ما يسميه الناس في هذه الصناعة ''جانب البيع'' ــ المصرفيين المعنيين ببيع الأوراق المالية. وفي الواقع، تؤثر أخطر الانقسامات بين العميل ووكيله على ''جانب الشراء'': مديري الاستثمار. ولا تحدث فقاعات الأصول على النطاق الذي شهدناه إلا إذا كان هناك شيء خاطئ على مستوى النظام في الطريقة التي يتم بها استثمار أموالنا. ومن الصعب تصور كيف يمكن للأنظمة والقوانين حل هذه المشكلة.
مديرو الاستثمار وعقلية القطعان
المشكلة الأساسية هي الاندفاع على شكل قطعان. فعقلية القطعان التي يفكر بها الجيل الحالي من مديري الاستثمار مدفوعة بالطريقة التي يتم بها دفع أجورهم وتصنيفهم. فالتجربة تظهر أن تصنيفهم مقابل أقرانهم ومؤشر ما، ودفع رواتبهم، استناداً إلى مقدار المال الذي يديرونه، يقربهم أكثر إلى بعضهم البعض، وإلى المعايير الرئيسية، مثل ستاندرد آند بورز 500. وهذا يؤدي إلى انتفاخ الفقاعات.
يقول جون ميلشير، مدير صندوق تحوط في نيويورك: ''نشهد هذا مرة تلو الأخرى، خاصة في الأوقات الصعبة. فكبار المستثمرين يتصرفون مثل قطيع من الخراف التي تحيط بها الذئاب. فهي تقترب أكثر من بعضها البعض. والأفضل أن تكون في منتصف ذلك القطيع''.
ماذا يعني ذلك؟ في مواجهة الجداول المنشورة التي تقارن أداءهم بأداء أقرانهم، لا يفيد مديري الصناديق أن يكون أداؤهم أفضل من الجميع؛ وإذا فشلوا، فسيسحب المستثمرون أموالهم. أما إذا تجمعوا معاً، فسيحصلون على الأمان عن طريق الكثرة. وإذا ارتفعت السوق، ستزيد كذلك محفظة مديري الصناديق، ونسبتهم المئوية من الرسوم حتى لو لم يفعلوا شيئاً أكثر من مجرد الاستفادة بشكل سلبي من ارتفاع السوق. لذا علينا تغيير الطريقة التي ندفع بها أجور مديري الصناديق.
بالنسبة لصناديق التحوّط، فإن الأمر متروك للمستثمرين لرفض دفع الرسوم على أساس الانحراف الحالي الذي يشجعهم على المخاطرة بكل شيء. ومن المنطقي أكثر أن تكون هناك رسوم سنوية ثابتة، ودفع أي رسوم أداء بناءً على فترات أطول بكثير من عام واحد. وفي صناديق الاستثمار، من السهل للغاية أن يحقق الأداء دون المتوسط المال في السوق المرتفعة تزيد رسومها فقط لمجرد أخذها المزيد من المال.
دفع رسوم ثابتة للمديرين لا يكافئهم على قيامهم بتجميع الأصول فقط، وهكذا ستقل احتمالات أن تصبح الصناديق كبيرة للغاية. ويجب أن تقتصر المكافآت التي تزيد على الرسوم الثابتة على الأداء الممتاز بصورة استثنائية فقط.
المشكلة الكبرى هي كيفية تحديد ذلك الأداء. فقياس أداء مديري المحافظ مقابل أقرانهم، أو مقابل مؤشر السوق، يشجعهم على الاندفاع كالقطعان. وربما يكمن الحل في الجهود المتزايدة لفهم وقياس مهارات الاستثمار؛ فهي تكمن في الانضباط العقلي، والقدرة على مقاومة إغراء الجشع والذعر. وقد بدأ علماء النفس بتحديد المديرين الموهوبين حقاً عن طريق دراسة أداء مديري الصناديق. ويجب أن تستمر هذه الجهود.
لا تزال القوة العظمى في يد أولئك الذي يتخذون قرارات مهمة تتعلق بتوزيع الأصول ــ خاصة السماسرة ومستشاري صناديق المعاشات التقاعدية. وعليهم اتباع ما يعرف في هذا القطاع بأنه ''أثقال حديدية''ــ إما أن تكون استثماراتهم سلبية، بحد أدنى من التكاليف، أو يتم إعطاؤها لمديرين أكثر نشاطا على أساس مهاراتهم، ويتم دفع أجورهم وفقا لمهاراتهم.
تغيير تصميم المنتجات الاستثمارية
هناك إصلاح آخر ضروري، وهو تغيير تصميم المنتجات الاستثمارية لتحرير الجميع من الإغراءات. وبدلاً من إعطاء المدخرين مجموعة من الخيارات، يمكن منحهم خياراً افتراضياً مصمماً على نحو جيد، بحيث يشمل توزيع معقول عبر فئات الأصول الرئيسية. وللحفاظ على ثقة المستثمرين، قد يكون من المنطقي إعلان مكاسب مضمونة على طول الطريق، تماما كما فعل نموذج المعاشات التقاعدية الأبوي الفكتوري القديم. وسيساعد كل هذا على تجنب كارثة التسعينيات، حيث لم يكن أمام العديد من مديري الاستثمار خيار سوى مواصلة صب الأموال في أسهم الإنترنت.
لكن لاحظ أن كثيرا من هذه التغييرات هي تغييرات خفية، ومن الصعب على السياسيين تشريعها. ولكن هل ستولد لنا هذه الإصلاحات أسواقاً فعالة؟ يجب أن تتغير النظريات، وليس فقط الممارسات. فقد أدت نظرية التنويع القديمة إلى الاندفاع إلى أصول ''غير مترابطة'' والتي أصبحت فيما بعد مرتبطة. وقد فشلت فرضيات أساسية أخرى، مثل العلاقات المترابطة المستقرة على مر الزمن. ونحن بحاجة إلى نظرية جديدة.
بدأ الأكاديميون بالفعل بالعمل على هذه المسألة. ويعتقد باول ووللي، من كلية لندن للاقتصاد، أنه يمكن إنقاذ الأسواق الفعالة التي تتمتع بالكفاءة إذا استطعنا إيجاد طريقة لوضع نموذج للآثار المشوهة للمؤسسات على الحوافز. ويقول اندرو لو، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، إن الأسواق أنظمة تكيف معقدة يمكن تشكيلها باستخدام البيولوجيا الداروينية- التي تعني أننا نعيش في العصر الذي ضرب فيه النيزك الأرض للتو، وأننا ننتظر خلفاء الديناصور.
لكني أعتقد الآن أنه يجب ألاّ يطمح أي نموذج جديد لتحقيق دقة النموذج القديم ذاتها؛ فالتمويل والاقتصادات تتوقف على اتخاذ القرارات الإنسانية، وليس قوانين الطبيعة. وإذا تخلينا عن محاولة التنبؤ بالأسواق بدقة، ربما يمكننا تفادي العودة إلى الثقة المفرطة.
أما بالنسبة للتنويع، فإن البحث عن فئات أصول جديدة ''مترابطة'' هو ما ساعد على حدوث الكارثة. ولا بد أن يدرس أولئك الذين يوزعون الأصول مخاطر تلك الأصول، ويتركون هامشاً للخطأ، الأمر الذي يعني المزيد في الأصول ''المحافظة''، و ''ميزة'' محتملة أقل مما يريدون.
لحسن الحظ، تنتشر مثل هذه الأفكار بالفعل في الصناعة. وكلها تتضمن وضع قيود على الثروة التي يمكن للأسواق إيجادها. ومن شأن ذلك أن يكون مماثلا للمقايضة التي نفذها العالم بعد فترة الكساد العظيم. ومع شيخوخة العالم الرأسمالي، ربما يكون معدل النمو الذي يمكننا توقعه في العقود القليلة المقبلة أقل بكثير عنه في النصف الثاني من القرن العشرين. ولكن حتى لو وضعنا هذا بعين الاعتبار، سيقوم الكثيرون بمثل هذه المقايضة مرة أخرى. وربما تؤجل مثل هذه الأفكار فقاعة أسعار الأصول المقبلة لمدة جيل واحد. وبعد ثلاث سنوات محمومة من الظهور يوميا على شاشة الفيديو لشرح الأسواق التي انحرفت بشكل أساسي عن الحس السليم، فهي مقايضة ربما أقوم بها أنا كذلك.
جون أوثرز هو رئيس عمود ''ليكس'' المتخصص في الاستثمار في ''فاينانشيال تايمز''

