دعا الدكتور عبد الباري مشعل مختص الرقابة الشرعية والخبير في مجمع الفقه الإسلامي الدولي إلى العمل على توحيد المرجعية الشرعية والفصل بين الفتوى والتدقيق، وإلى الاستغناء عن هيئات الفتوى الخاصة, التي من شأنها ـ كما قال ـ أن تعمل على دعم المنافسة الصحية وتحقيق مهنية التدقيق بصفة عامة.
#2#
وتحدث مشعل في ورقته «تحديات ومعوقات حوكمة المصارف الإسلامية», التي قدمت في جلسة خاصة خلال المؤتمر التاسع للهيئات الشرعية التي نظمته هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي) أخيرا عن التحديات والمعوقات التي تواجه الحوكمة في المؤسسات المالية الإسلامي, حيث اهتم بتقديم حلول مهنية وعملية لهذه التحديات والتي تحول ـ كما قال - دون تحقيق أهداف هذه المؤسسات، واستندت التحديات التي تناولتها الورقة التي قدمها خلال جلسة خاصة إلى متابعة الباحث اللصيقة واقع التطبيقات والتشريعات والمعايير على مستوى المؤسسات المالية الإسلامية.
ومن أبرز المظاهر التي توافرت من هذه المتابعة كما قال مشعل: الجمع بين الفتوى «التشريع» والتدقيق، تضارب الفتاوى بين المنع والجواز على صعيد المنتج الواحد، غياب القانون الملزم، ومن ثم ضعف مبادئ المسؤولية والمساءلة، عدم استكمال التنظيم المؤسسي اللازم، وممارسة المنافسة على أساس الفتوى وليس على أساس الجودة.
ولمعالجة هذه المظاهر دعا مشعل إلى تحقيق الحوكمة في المؤسسات المالية الإسلامية, التي قال إنها تواجه تحديات ومعوقات أساسية أجملها في الفصل بين الفتوى «التشريع» والتدقيق، توحيد المرجعية الشرعية، وانحسار الفتوى الخاصة، وتنظيم مهنة التدقيق الشرعي، والإلزام القانوني.
الفصل بين الفتوى «التشريع» والتدقيق
ركز مشعل على الفصل بين الفتوى «التشريع» والتدقيق ووصفها بأنها واحدة من أهم هذه التحديات التي أصبح تحقيقها على أرض الواقع ضرورة في هذه المرحلة, وذلك من أجل تحقيق الفصل بين السلطات والفصل بين الوظائف المتعارضة.
وأضاف أنه على الرغم من أن الجمع بين المهمتين نصت عليه قوانين البنوك الإسلامية والمعايير ذات الصلة, إلا أن هذا الأمر أدى إلى حالة من عدم الفصل بين السلطات والجمع بين الوظائف المتعارضة.
وأبان أنه من خلال الممارسة والمشاركة في الهيئات الشرعية أن الهيئة الشرعية التي تفتي «تصدر التشريعات» ثم تقوم بنفسها «أو بتوكيل غيرها» بالتدقيق اللاحق وإظهار الملاحظات على التطبيق؛ نجد أن هذه الهيئة - تحت ضغط عدم الفصل بين السلطات والجمع بين الوظائف المتعارضة ـ تنجرف في بعض الأحيان لتغيير الفتوى «التشريع/المعيار» الذي أصدرته من قبل حتى لا تكون نتائج التطبيق مخالفة للفتوى «التشريع».
وأضاف أن هذا النوع من الممارسة يؤدي إلى عدم استقرار المعيار، وعدم وضوح في تحمل إدارة المؤسسة مسؤوليتها تجاه تنفيذ المعاملات طبقاً للمعيار، كما يؤدي إلى تهميش آليات المساءلة؛ خاصة إذا كانت هذه الهيئة الشرعية الخاصة ستجد رأياً فقهياً يمكن أن تمرر على أساسه كل مخالفة تظهر في التطبيق.
وأوضح أن الفصل أصبح ضرورة أيضاً لضمان ثبات المعايير التي يمكن على أساسها ممارسة التدقيق الشرعي والمالي، وتتم على أساسها المساءلة.
وأشار إلى أن الفصل التام لن يكون ممكناً لأن الفتاوى الصادرة عن الهيئات الشرعية ربما لا تكون بالوضوح الملائم أو بالكفاية اللازمة لتغطية جميع مراحل المعاملة؛ وهذا يتطلب من جهات التدقيق العودة إلى الهيئة الشرعية الخاصة للحصول على التشريع اللازم عند الحاجة.
وتساءل عن بقاء هذا الإشكال في حال وجود مرجعية شرعية متكاملة لجميع المؤسسات المالية الإسلامية في الدولة أو الإقليم، ومدى حاجة المؤسسات إلى هيئات الفتوى الخاصة مع وجود المرجعية الشرعية الموحدة.
توحيد المرجعية الشرعية
تحدث مشعل في نقطة أخرى عن توحيد المرجعية الشرعية قائلاً «إن تعدد الهيئات الشرعية على مستوى كل مؤسسة يؤدي إلى تعدد المرجعيات الشرعية، فيكون لكل بنك مرجعيته الشرعية الخاصة.
وهذا يضع عبئاً على جهات التدقيق الشرعي والمالي على مستوى المؤسسات المالية الإسلامية؛ لأنها تكون مكلًّفة بإعداد برامج وخطط للتدقيق في ضوء المرجعية الشرعية لكل مؤسسة خاضعة للتدقيق, وأضاف «إن استمرار كل هيئة شرعية خاصة بعملها في إصدار أحكامٍ بالجواز أو المنع لما يعرض عليها من أعمال المؤسسة التي تشرف عليها؛ تسبب في نشأة ظاهرة تضارب الفتاوى بين الهيئات على مستوى المؤسسات بالنسبة للمنتج الواحد، فيكون جائزا في مؤسسة وممنوعا في أخرى».
وقال إن استمرار العمل بمرجعية الهيئة الشرعية الخاصة أدى إلى خلق بيئة تنافسية غير صحية استخدمت فيها صفة الفتوى من حيث كونها متحفظة أو متساهلة كعنصر أساسي في المنافسة بين المؤسسات على حساب عنصري جودة المنتج وسعره, لذا اندفعت أغلبية المؤسسات إلى اختيار أعضاء هيئة الفتوى من النوع الذي اشتهر بأنه الأكثر تيسيراً وتسهيلاً لتضمن الحصول على موافقات على منتجات وصيغ ربما لا تحصل عليها في حال كان أعضاء الهيئة التي تصدر الفتوى من النوع المتحفظ.
ولا شك أن التشريعات ينبغي ألا تكون لخدمة شريحة من الناس على حساب شريحة أخرى، وإنما يجب أن يكون التشريع للجميع.
ودعا مشعل في هذا الخصوص إلى ضرورة إعداد مرجعية شرعية موحدة على مستوى الدولة أو الإقليم كبديل عن الفتوى الخاصة لكل مؤسسة وذلك لتحقيق التقارب والتطابق في تطبيقات المؤسسات المالية الإسلامية, وأضاف أن ذلك سيسهم في تخفيف العبء على جهات التدقيق المالي والشرعي الخارجي، ويعزز فاعلية الفصل بين الفتوى والتدقيق كسلطتين متعارضتين، ويدعم المنافسة الصحية على أساس الجودة والسعر.
وأبان أن أي جهد لإقرار مرجعية موحدة للمؤسسات المالية الإسلامية يترتب عليه واقع جديد على مستوى المؤسسات المالية الإسلامية, وقال إن السؤال الأكثر إثارة هنا هو: هل ستكون المؤسسات المالية الإسلامية في حاجة إلى مرجعية الهيئات الخاصة؟
الفتوى الخاصة لم تعد تشكل حاجة ضرورية
في السياق نفسه, قال مشعل إننا اليوم وبعد مضي أكثر من 35 سنة من عمر المؤسسات المالية الإسلامية لم تعد الفتوى الخاصة نفسها تشكل حاجة ضرورية للمؤسسات المالية الإسلامية، خاصة في ظل المعايير الصادرة من «الأيوفي», وأضاف قائلاً «ومن هذا المنطلق فإن وجود مرجعية شرعية يمكن أن يستند إليها في صياغة معايير متكاملة لجميع المنتجات في المؤسسات العاملة في الدولة أو الإقليم؛ يجعل الحاجة إلى الفتوى الخاصة لم تعد قائمة، ويمكن الاستغناء عن مهمة الفتوى من قبل الهيئات الخاصة القائمة حالياً في البنوك الإسلامية التجارية بصفة خاصة».
وأضاف أن الاستغناء عن هيئات الفتوى الخاصة ستعمل على دعم المنافسة الصحية، ولتحقيق مهنية التدقيق بصفة عامة وقال «إن المهنيين العاملين في البنوك المركزية وكذلك المتخصصين في مكاتب التدقيق يتفهمون أهمية هذه المرحلة وينظرون إلى الاستغناء عن هيئة الفتوى الخاصة كمتطلب مهني لدعم المرجعية الموحدة», وذكر في هذا السياق الخطوة التي قام بها حاكم مصرف سورية المركزي في آذار (مارس) الماضي من هذا العام عن عزم سورية على إقرار مرجعية شرعية موحدة؛ حيث يتوقع أنها منشغلة بالتحضير الجدي لإلغاء هيئات الفتوى الخاصة، وطرح المرجعية الموحدة كبديل مهني مقبول من شريحة واسعة من المتخصصين في الصيرفة والتدقيق والعاملين في جهات الرقابة بصفة عامة.
مواجهة الاعتراضات
أشار مشعل إلى أنه من خلال الممارسة فإن إثارة هذا الموضوع في أوساط الهيئات الشرعية وخاصة بين العدد المحصور من أعضاء الهيئات الشرعية الذين يكونون أعضاء في عدد كبير من المؤسسات المالية الإسلامية ربما يبدو حساسًا، وربما يواجه اعتراضات شديدة تحت حجج وذرائع مختلفة.
ودعا إلى انتظار ما يصدر عن هذه الفئة من آراء في هذا الاتجاه بقدر كبير من الاهتمام لإقناعهم بأن هذه الخطوة المرحلية لا تستهدف مواقعهم التي يشغلونها وإنما تستهدف إحداث تطوير مهني كلي على مستوى التنظيم المؤسسي للمؤسسات المالية الإسلامية الذي يعود بالنفع على دعم جميع الأطراف ذوي العلاقة، حيث دعا هذه الجهات إلى دعم هذه الجهود، إلى أن يكونوا من الفاعلين في تسريع إقرارها من السلطات الإشرافية في كل دولة، وألا ينظروا نظرة شخصية ومادية ضيقة على حساب النظرة الكلية التي تستهدف تحقيق مصالح أكبر، وأبرزها تحقيق الالتزام الشرعي بشكل أكثر فاعلية في تطبيقات المؤسسات المالية الإسلامية.
كما دعا مشعل في ختام ورقته إلى ضرورة تنظيم مهنة التدقيق الشرعي, حيث قال «إن التدقيق الشرعي الخارجي المحسوب كمهمة للهيئات الخاصة، ينتابه كثير من الضعف في الممارسة ولا يتسم بالاستقلالية.
وذلك لأن الهيئات بصفة غالبة لا تقوم بالتدقيق بنفسها، وإنما تعتمد على نتائج التدقيق الشرعي الداخلي.
وهذا لا يحقق الوضع المهني المستقل للمدقق الشرعي الخارجي، وأضاف «إن فصل مهمة التدقيق عن مهمة الفتوى الخاصة كمرحلة أولى، ثم انحسار الفتوى الخاصة واعتماد المرجعية الموحدة كمرحلة ثانية يجعل التدقيق الشرعي الخارجي في وضع أفضل من الناحية المهنية، ولدعم استقلالية التدقيق الشرعي الخارجي يجب استحداث نظم متكاملة لتأسيس مكاتب للتدقيق الشرعي الخارجي على غرار مكاتب التدقيق المحاسبي، وإقرار نظم وتشريعات ومؤسسات تتعلق بمزاولة مهنة التدقيق الشرعي».


