الأحد, 11 أكتوبر 2026|28 رَبِيع الثَّانِي 1448
الاقتصادية

35 كلمة تطالب بخروج الإسرائيليين من الأراضي الفلسطينية تلفظت بها هيلين توماس ـ عميدة صحافيي البيت الأبيض - كانت كفيلة بالإطاحة بحالة إعلامية فريدة عاصرت عشرة رؤساء أمريكيين على مدار أكثر من نصف قرن.

وتم إجبارها على الاستقالة من المؤسسة الصحافية التي تعمل فيها بسبب تصريحاتها التي تمت إذاعتها على موقع "يوتيوب" مطالبة الإسرائيليين بالعودة إلى بلدانهم، ما يكشف عري النظام الديمقراطي والمؤسساتي الأمريكي، فلمجرد رأي عوقبت هيلين وطردت.

تماماً كما صنّف اللوبي الصهيوني نشطاء السلام في أسطول الحرية كإرهابيين، نجح في تحويل الصحافية الألمع في الولايات المتحدة وصاحبة التجربة الفريدة في العالم إلى شخص منبوذ بسبب مطالبتها برحيل الإسرائيليين عن الأراضي الفلسطينية.

فعلى الرغم من نشرها اعتذاراً على موقعها على الإنترنت إلا أن هذا لم يمنع من إظهار الكراهية لها.

ووجه المتحدث باسم البيت الأبيض سهامه نحو صاحبة المقعد الدائم التي تغيبت يومها في إحدى المرات النادرة التي تتغيب فيها عن مؤتمر صحافي في البيت الأبيض خلال نصف قرن. وفي اليوم التالي لاستقالتها أكد الرئيس أوباما أنها اتخذت القرار الصائب معتبراً أن تصريحاتها جارحة وخارجة عن النص. وقال في مقابلة مع قناة "إن بي سي" إنه أمر مؤسف أن تنتهي مسيرتها إلى هذه النهاية المخجلة ـ على حد تعبيره. وفي اليوم نفسه أعلنت وكالة ناين سبيكرز أنها أسقطت توماس من قائمة المتعاملين معها. كما أعلن كريج كروفورد أن مشاريع الكتب المشتركة بينه وبين عميدة الصحافيين قد توقفت. وتم إلغاء أكثر من ارتباط معها مثل خطاب كان مقرراً أن تلقيه في إحدى المدارس.

ولا تزال الأقلام المسعورة تنهش في سيرتها التي طالما تغنى بها كثيرون.

وعاد المهاجمون للتذكير بوصف "العربية العجوز" الذي أطلقته عليها المعلقة الصحافية اليمينية آن كوتلر. وكثيراً ما تفاخرت هيلين بأصولها العربية إلا أنها أوضحت أن آراءها وأسئلتها حول الشؤون العربية في الأراضي المحتلة أو العراق إنما تنبع من إيمانها بالسلام وبالحرص على عدم الإساءة لسمعة الولايات المتحدة. وتقول إنهم لا ينتقدونها لأن أسئلتها منحازة وإنما لأن هذه الأسئلة تضايقهم. وبلغ الأمر حد تجاهل بوش أسئلتها، لكن هذا لم يمنعها من التصريح برأيها في قضايا الشرق الأوسط. وفي المؤتمر الصحافي الأول لأوباما سألته عن ذكره برنامج إيران النووي وتجاهله دولا أخرى في المنطقة تقصد إسرائيل، ولم يرد أوباما, الذي وصفته بأنه ضمير حي لا يملك الشجاعة. وقالت إن سياسة أوباما في المنطقة فظيعة لأنها تسمح للإسرائيلين ببناء مستوطنات وطرد العرب من مساكنهم. كما لا تخفي رأيها في حق الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال بكل الوسائل.

وكثيراً ما انتقدت الإعلام الأمريكي الذي وصفته بأنه ميت إكلينيكياً منذ تولي بوش الرئاسة, حيث نجحت إدارته في تغييب الإعلام. ومن هنا ألصق الصحافيون أوصاف القتلة والإرهابيين على المقاومة الفلسطينية والعراقية، كما تجاهلوا نشر صور ضحايا القصف الأمريكي أو الإسرائيلي.

"بوذا الجالس" في البيت الأبيض

"يأتي الرؤساء ويذهبون, لكن هيلين توماس باقية" لم تكن عبارة الرئيس كلينتون مجاملة بقدر ما كانت حقيقة يندر أن تتكرر.

57 عاماً قضتها هيلين كمراسلة صحافية, منها 34 عاماً داخل أروقة البيت الأبيض لتغطية المؤتمرات الصحافية التي تعقد فيه منذ الأيام الأخيرة لولاية الرئيس إيزنهاور. وكانت أول سيدة وأول رئيس لهيئة مراسلي البيت الأبيض.

كانت البداية عقب إعلان فوز كينيدي في تشرين الثاني (نوفمبر) 1960, حيث بدأت توماس عملها في البيت الأبيض كمراسلة لـ "يونايتد برس" لتشهد بذلك الأيام الأخيرة لولاية أيزنهاور. وخلال هذه الفترة كانت تختم كل مؤتمر صحافي للرئيس بعبارة "شكراً لك سيدي الرئيس" في تقليد ابتكرته زميلتها في الوكالة ميريام سميث أثناء ولاية روزفلت. وهو التقليد الذي تم إلغاؤه في ولاية بوش التي وصفتها توماس بأنها الأسوأ في تاريخ أمريكا. وإذا كانت تختتم المؤتمر فإنها من كانت تفتتح الأسئلة حيث كان كل رئيس يحرص على أن يمنحها فرصة طرح السؤال الأول, الذي غالباً ما يكون الأعمق والأجرأ.

أطلق على هيلين لقب "بوذا الجالس" حيث اعتادت منذ بداية عملها أن تطرح الأسئلة جالسة. إلا أن الهدوء الذي يغلف الجلسة لا يعكس طبيعة الأسئلة التي توجهها التي اتسمت بالجرأة والحدة. وبلغت شهرتها في توجيه الأسئلة القوية المحرجة أن أصبح اسمهاً وصفاً للأسئلة التي تتعدى الخطوط الحمراء. على سبيل المثال رد الرئيس الكوبي فيدل كاسترو على سؤال من أحد الصحافيين عن الفرق بين الديمقراطية في أمريكا وفي كوبا بأن قال: لست مضطراً للإجابة عن أسئلة من هيلين توماس، في إشارة إلى جرأة السؤال. وحين مازحها الرئيس بوش في حفل خاص بأن طلب منها توجيه سؤال، ردت "ستندم على طلبك" وسألته عن جدوى الحرب على العراق. وكانت توماس أول امرأة تعمل في الصحافة المطبوعة تسافر إلى الصين برفقة الرئيس نيكسون خلال زيارته التاريخية في 1972, حيث سافرت باربرا والترز للتغطية لشبكة إن بي سي.

كما قامت هيلين بتغطية كل قمة اقتصادية منذ 1975, فضلاً عن مرافقتها الرؤساء الأمريكيين في كل أنحاء العالم. وسرعان ما شغلت منصب رئيس مكتب "يونايتد برس" في البيت الأبيض لأكثر من 25 عاماً. وخلال تلك الفترة كانت تكتب عموداً بعنوان "السلم الخلفي للبيت الأبيض" لطالما عرضت من خلاله رأيها في الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

وتنفرد توماس باحتفاظها بالمقعد ذاته في الصف الأمامي في الحجرة المخصصة لعقد المؤتمرات الصحافية في البيت الأبيض, الذي تحول إلى مقعد شرفي حفر اسمها عليه. حصلت على أكثر من 30 جائزة صحافية وشهادات جامعية فخرية منها دكتوراه فخرية من جامعة وين ستيت التي تخرجت فيها. كما صنفت ضمن السيدات الـ 25 الأكثر تأثيراً في العالم بحسب تصنيف World Almanac. وكانت أول سيدة تتولى منصباً في نادي الصحافة الوطني. وفي 1975 كانت أول سيدة تنال عضوية نادي جريديرون, الذي يعد أهم المنظمات الصحافية المرموقة في الولايات المتحدة.

من برامج المرأة إلى مواجهة الرؤساء

ولدت توماس في ولاية كنتاكي في 1920 لأبوين هاجرا من طرابلس اللبنانية, حصلت هيلين على ليسانس في آداب اللغة الإنجليزية عام 1942. أحبت العمل الصحافي ونشرت أول مقال في مجلة المدرسة ولم تتجاوز الـ 12. كما عملت في مجلة الجامعة إلى أن دخلت عالم الصحافة من خلال عملها في نسخ المواد الصحافية في الصحيفة التي تعرف حالياً باسم "واشنطن ديلي نيوز". وسرعان ما تم اكتشاف الحس الصحافي لديها وبدأت عملها كمعدة تقارير. وفي 1943 التحقت بوكالة يونايتد برس إنترناشيونال وعملت كمعدة لبرامج المرأة في الإذاعة الخاصة بالوكالة, وكان دخلها الشهري آنذاك 100 دولار.

وفي أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات كتبت عمود "أسماء في الأحداث" الذي حاورت فيه عددا ضخما من النجوم والمسؤولين. وبعد 1955 قامت بالتغطية الصحافية في عديد من المؤسسات الحكومية كوزارات العدل والصحة والتعليم ومكتب التحقيقات الفيدرالية وغيرها.

واستمرت هيلين في عملها بالوكالة حتى أيار (مايو) 2000 عندما تقدمت باستقالتها في اليوم التالي للإعلان عن انتقال ملكية اندماج الوكالة لشركة نيووورلد كوميونيكيشنز التي يديرها رئيس كنيسة الموحدين. وعلى الرغم من تعهد المالك الجديد بالحفاظ على حيادية العمل الصحافي إلا أن هذا لم يقنع عميدة صحافيي البيت الأبيض فيما يبدو. وبعد شهرين انتقلت إلى مجموعة هيرست حيث كانت تكتب عموداً تتناول من خلاله عديدا من القضايا المحلية وشؤون البيت الأبيض. ولم يكن مستغرباً لمن لها تاريخ هيلين المهني أن تتضمن سيرتها الذاتية خمسة كتب قامت بتأليفها خلال وعن رحلتها الصحافية الفريدة. آخر هذه الكتب صدر في العام الماضي بعنوان: "سيدي الرئيس انصت .. كل ما تريد لرئيسك أن يعرف ويفعل" بالاشتراك مع كريج كروفورد. وفي 2006 أصدرت كتاب "كلاب حراسة الديمقراطية" الذي انتقدت فيه تقلص دور الصحافة في فترة بوش. وقالت إن الصحافيين تحولوا من كلاب حراسة للديمقراطية إلى كلاب أليفة. وفي 2003 صدر كتاب "شكراً للذكريات سيدي الرئيس". ومن الكتب المهمة التي ضمنتها قصة حياتها بشكل مكثف كتاب "في الصف الأول داخل البيت الأبيض .. حياتي وأوقاتي".

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية