منظماتنا بحاجة إلى "اليقظة الإستراتيجية" !

يعيش العالم على العموم و عالم الأعمال على الخصوص، حاليا و أكثر من وقت مضى، مرحلة تتسم بالاعتماد الأكثر فالأكثر على المعلومات في كل الميادين، و هذا راجع للتقدم المتسارع والتنافس المتزايد ، حيث أصبحت المنافسة تمارس ضغطها على المؤسسات في جميع القطاعات. و في ظل هذا المحيط تعمل المؤسسات جاهدة لتحسين جودة منتجاتها و خدماتها، و العمل على معرفة الأسواق و آليات عملها، و تحسين وضعها مقارنة بالمنافسين وتقليل تكاليف إنتاجها و تفعيل التكنولوجيا لزيادة أرباحها. وعن طريق التحكم الجيد في المعلومات و استعمالها بالطريقة الذكية – بجانب عوامل أخرى - يمكن لأي مؤسسة أن تكون رائدة في مجال نشاطها. ولتحقيق الريادة في عصر المعلومات لابد للشركات من التفطن لمفهوم "اليقظة الاستراتيجة"، وهو مفهوم حديث نسبياً ، ففي 20 من اكتوبر 2009 اقيمت ندوة حول هذا المفهوم في الموتمر العربي المنعقد في الرياض بعنوان آلية اليقظة الاستراتيجية في الصناعة أداة للتحسين. ألقاها رئيس قسم التخطيط الصناعي بوزارة الصناعة والتجارة والتكنولوجيا الحديثة بالمملكة المغربية توفيق مشرف. ـ حيث عرفت اليقظة الإستراتيجية على أنها " أسلوب منظم، في الإدارة الإستراتيجية للمؤسسة، تركز على تحسين تنافسيتها، بالجمع، معالجة المعلومات و نشر المعرفة المفيدة للتحكم في المحيط (التهديدات و الفرص). هذا المنهج الذي يساهم في أخذ القرارات يستعمل وسائل معينة، يجند العمال و يرتكز على نشاط الشبكات الداخلية و الخارجية". (Lendrevie, Autre, Op_cit, p : 201) كما عرفت اليقظة الإستراتيجية على أنها " عملية مستمرة من إدارة المعلومات و دعم القرار من أجل تنمية و تطوير المؤسسة و ضمان بقائها". و عرف David coudol et strphane geos اليقظة الإستراتيجية بأنها : "نظام يساعد في أخذ القرارات بالمراقبة و التحليل للمحيط العلمي، التقني، التكنولوجي و المؤثرات الاقتصادية الحاظرة و المستقبلية لالتقاط التهديدات و الفرص التطويرية. حيث تركز اليقظة الإستراتيجية على المعلومات الإستراتيجية او على القرارات المهمة" ـ و اليقظة الإستراتيجية " هي عملية مستمرة تؤدي إلى الجمع المخصص و المتكرر للبيانات (أو المعلومات أو الاستخبارات)، و معالجتها وفقا لغرض أو أكثر من أغراض المستخدمين باستخدام الخبرة ذات صلة بالموضوع أو طبيعة المعلومات المجمعة". و منه نستنتج أن اليقظة الإستراتيجية هي عملية مستمرة من بحث و جمع و معالجة للمعلومات الإستراتيجية و القيام بنشرها من أجل استخدامها من طرف متخذي القرارات في المؤسسة. و يمكن أن تشغل عملية اليقظة الإستراتيجية ـ لا على سبيل الحصرـ طبقا لطريقتين أو آليتين مختلفتين : آلية التحكم و آلية الإنذار آلية التحكم. وتعني بأن الأبحاث هي التي تقوم بتنشيط معلومات اليقظة الإستراتيجية بدءا بالطلب السريع و العاجل (الأمر و الطلبية) من المسؤول المباشر الذي يعبر عن حاجة معينة للمعلومات، منه تكون المبادرة من قبل مستخدم المعلومات المحتمل (المسؤول على سبيل المثال).أما الطريقة الاخرى فهي آلية الإنذار وتعني هذه الطريقة بأن الأبحاث الفعالة للمعلومات مستمرة من طرف بعض الأشخاص ـ الذين سيتم ذكرهم للمعلومة و هم المتعقبون ـ حيث يقوم هؤلاء الشخاص و بمبادرتهم الشخصية بتنبيه المسؤول المباشر ـ أو الأشخاص الآخرين ـ و ذلك حينما يرون أنهم قد وجدوا معلومات مهمة، مع أن المسؤولين المباشرين لم يعبروا عن حاجاتهم الخاصة للمعلومات. فالمبادرة تكون من طرف المنشط لليقظة الإستراتيجية لهذا الفريق . وعند تبني المنظمات لمفهوم اليقظة الإستراتيجية ينبغي لها التفطن لمقوماتها والوفاء بها على نحو متكامل، ويمكن إيضاح ذلك كما يلي:( Humbert LESCA, 1997) المقوم الاول الإستراتيجية حيث أن صفة الإستراتيجية ليست امتيازا بالأخذ بالمفهوم الآني،فهي تستعمل من أجل الإشارة إلى أن المعلومات المزودة لليقظة الإستراتيجية لا تتعلق بالعملية الحالية و المكررة، لكن على العكس من ذلك، فهي تقوم بالمساعدة على اتخاذ القرار و عليه فهي تتعلق بالقرارات غير المتكررة، و التي ليس لها أي نموذج من النماذج المفحوصة و القيمة بفعل التجربة، مع الأخذ بالحسبان المعلومات الناقصة جدا، لكنها من الممكن أن تعبر عن القرارات التي لها تأثير كبير جدا على تنافسية و بقاء و استمرار المؤسسة، فعلى سبيل المثال، تكتسي عملية اتخاذ المورد الجديد أهمية إستراتيجية لمؤسسة صناعية، بينما تمرير طلبية ـ متكرر ـ لا يكتسي أي أهمية إستراتيجية.أما المقوم الثاني فهو تطوعية حيث لا يمكن لليقظة الإستراتيجية أن تكون عملا سلبيا، و محدودا بالمتابعة و المراقبة البسيطة للمحيط لكونها هدف إبداعي. فهي على العكس من ذلك تعتبر تطوعية، باشتراط الذهاب إلى واجهة المعلومات المتوقعة مع انتباه الحاد و بتنشيط كل الحواس، المقوم الثالث فهو يتناول الذكاء الجماعي حيث يقتضي وضع جهاز اليقظة الإستراتيجية إنشاء ذكاء جماعي في المؤسسة، فلا يمكن للأبحاث الإرادية ـ و التي تتمثل في التنشيط القبلي ـ لمعلومات اليقظة الإستراتيجية و استخدامها أن تكون خطوة فريدة. على العكس من ذلك، فإنه يتم تدخل مختلف أعضاء المؤسسة، كل واحد طبقا لأنشطته و كفاءاته. و يعني الذكاء الجماعي وجود مجموعة من الأفراد، تقوم بملاحظات العلامات أو الإشارات في المحيط، اختيارها و تفعيلها و مقارنتها لإعطاءها معنى معين، و الذي يمثل هدف العمل الجماعي حيث يكون بمقتضاه أعضاء المجموعة أو الفريق في اتصال و تفاعل في ظل كل الأشكال الملائمة، مع عدم تجاوز و احترام القواعد السلوكية لعمل المجموعة أو الفريق.المقوم الرابع وهو المحيط :ليس محيط المؤسسة مفهوم مجردا أو شيئا إحصائيا، فهو مكون من عدة عوامل مؤثرة، لذا سيتم تأثيرها بطريقة عملية، لاسيما عند التكلم عن استهداف اليقظة الإستراتيجية. ايضاً يوجد مقوماً آخرى كإنشاء الإبداع حيث تتضمن اليقظة الإستراتيجية مع الأخذ بعين الاعتبار خصائص المعلومات المعنية و المستقصاة ـ تفسيرات إشارات الإنذار المبكرة و التي ترتبط بعنصر الإبداع.فالمعلومات المعنية التي هي بصدد التقصي عنها، لا تصف أيا من الأحداث و الأعمال المنفذة سابق، و لكنها تسمح بصياغة الفرضيات و إنشاء رؤية تطوعية إرادية. المقوم الاخير وهو التوقع يؤكد تعريف اليقظة الإستراتيجية عملية التوقع و كشف التغيرات، لاسيما الإنقطاعات المحتملة (فجوات : التوقف، التغييرات الجذرية) و التي يمكن أن تحدث في المحيط المرتبط بالمؤسسة، و لدى اختيار نتيجة عملية و نظرية بالنسبة لنوع المعلومات ـ التي هي مركز الإهتمام في هذه النقطة ـ فهي المعلومات التي تمتلك بنفسها على المميزات التنبؤية : بحيث يجب أن تقوم بالتزويد بالتوضيحات كإضاءة عن المستقبل، و ليس من المهم أن تعبر عن الماضي أو الحاضر. واخـيراً تعتبر اليقظة الإستراتيجية عملية أو "مسار معلوماتي استراتيجي"، يبدأ من البحث عن المعلومات والتعقب وصولا إلى تفسيرها و استخدامها لبلورة رؤية عن المحيط الذي تريد فيه المؤسسة فرض و إعلاء مكانتها (Humbert LESCA, Schuler Mria, Veille stratégique) ) هذه العملية الإعلامية مفتوحة على خارج المؤسسة، فهي تخرج من داخل المؤسسة للذهاب نحو الخارج، ثم تعود إلى داخل المؤسسة بعد عملية تعقب المعلومة، بحيث تمر هذه العملية مرتين على حدود المؤسسة، لهذا لا يمكن للفرد الواحد بأن يقوم بهذه العملية بمفرده كونها تتطلب مجموعة من الأفراد الذين يعملون بصفة مكملة فيما بينهم. وأخيراً أجدد مطالبة منظماتنا بأن تكون أكثر يقظة استراتيجية، فالسوق المفتوح لا يرحم الغافلين!! (عليوات رفيق، إرساء نظام لليقظة الإستراتيجية ، 2004، ص 57)
إنشرها

أضف تعليق