جنوب إفريقيا ودور المناهج المدرسية في التحوّل من العنصرية إلى الديمقراطية (2 من 2)

|
تحدثت في المقال السابق عن العرض التاريخي والسياسي الذي مهد لتحول جنوب إفريقيا من العنصرية إلى الديمقراطية. وأنه لما أراد مجتمع جنوب إفريقيا أن يتخلص من تداعيات التفرقة العنصرية التي كانت سائدة حتى عام 1994، التفت إلى المناهج المدرسية مؤمناً بأهميتها في النهضة بجميع أشكالها، ومدركاً دورها في معالجة المشكلات التي يعانيها، وفي مقابلة التحديات التي تواجهه. وكانت هناك نظم تعليمية متباينة خلال فترة التفرقة العنصرية, فحتى تسعينيات القرن العشرين، كانت هناك مدارس تخص كل مجموعة سكانية، وكانت الحكومة تنفق على تعليم البيض أكثر مما تنفقه على تعليم السود. وكان من نتيجة ذلك أن معظم البيض –تقريباً- يقرأون ويكتبون، وتصل نسبة التعليم والقراءة إلى 85 في المائة بين الآسيويين، و75 في المائة بين الملونين، و50 في المائة بين السود. وبحلول عام 1994، وعدت الحكومة الجديدة بأن يصبح التعليم إلزامياً لجميع الأطفال بدءاً من الأول من كانون الثاني (يناير) 1999. وفي دولة مثل جنوب إفريقيا، يصعب انتزاع مشكلة التعليم من أسس النظام العنصري الذي كان سائداً حتى عام 1994، ومن فلسفته القائمة على «الفصل العنصري التعليمي» لمختلف المجموعات العرقية. وقد نتج عن التعليم العنصري عدد من السلوكيات غير الإنسانية التي تقوم على تمجيد البيض ومعارفهم وتراثهم، واحتقار من سواهم ومعارفهم وتراثهم، ما أدى إلى صراعات عنصرية سببت تأخر الدولة، وانتشار البغض والكراهية في أوساط الشعب. لكن، بعد أن شهدت أواخر تسعينيات القرن الـ 20 إرساء قواعد الديمقراطية غير العنصرية في جنوب إفريقيا، بدأت أعداد كبيرة من المواطنين تعمل على إزالة الخلافات التي أفرزتها سياسة الفصل العنصري، كما بدأت جنوب إفريقيا البحث عن هوية جديدة تجمع شعوبها في دولة واحدة خالية من الحواجز العرقية. وإزاء هذا التحول الاجتماعي، كان التعليم من أهم الأدوات التي عملت الدولة على توجيهها وتطويرها لخدمة الأهداف الإنسانية والتنموية الجديدة، وأكثرها فاعلية. لذلك، فقد حدثت سلسلة من التغيرات في المناهج المدرسية في جنوب إفريقيا منذ أن أجريت الانتخابات الديمقراطية في عام 1994، وإلى يومنا هذا. فمثلا، يقدم دستور جمهورية جنوب إفريقيا (الفقرة 108، السنة 1996) أسس التحول والتطوير في مناهج التعليم لدولة جمهورية جنوب إفريقيا. وفي مقدمة الدستور كانت الغايات واضحة، وهي ما يلي: 1- معالجة تقسيمات الماضي، وتأسيس مجتمع مبني على القيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان الأساسية. 2- تحسين نوعية الحياة لكل المواطنين، وتحرير الطاقات الكاملة لكل شخص. 3- وضع أسس المجتمع المفتوح الديمقراطي الذي تُبنى فيه الحكومة وفق رغبة الشعب، والأفراد كلهم سواسية في حماية القانون. 4- بناء جنوب إفريقيا الموحدة الديمقراطية القادرة على أخذ مكانتها بوصفها دولة متميزة في الأسرة الدولية. وهذه الغايات المستقبلية التي نص عليها الدستور في جنوب إفريقيا ترسم الاتجاهات العامة للدولة، ولا تختص بعلم من العلوم، أو بمقرر من المقررات. ولجعل الغايات التربوية أكثر قابلية للتحقيق فقد سعت وثائق المنهج إلى ترجمتها على شكل مخرجات عملية يمكن ملاحظتها. فقد أوضحت وثيقة المنهج المطورة «تخصص الدراسات الاجتماعية» (2002)، أن النظام التربوي المبني على النتائج Outcomes-based Education يشكل أسس المنهج في جنوب إفريقيا. وأن المنهج يسعى إلى مساعدة المتعلمين على تحقيق أقصى مستوى من التعلم حسب قدراتهم. ويمكن تنفيذ ذلك من خلال تحديد المخرجات (النتائج) التعليمية التي يُسعى إلى تحقيقها في نهاية العملية التعليمية. وتلك المخرجات تشجع الاتجاه التربوي القائم على تأدية النشاط، وعلى أن المتعلم هو محور العملية التعليمية، وهي تخدم الغايات التربوية بشكل غير مباشر. وقد سعت وثيقتا المنهج التي اطلعت عليهما إلى تأكيد أهمية «بناء المتعلم مدى الحياة life long learner الحر، الواثق بنفسه، متعدد المهارات، المثقف، الذي يحترم بيئته، والقادر على المشاركة الفاعلة في أنشطة المجتمع المختلفة». (الثقافة والفنون ص 2، والدراسات الاجتماعية ص3). وهاتان الوثيقتان أيضاً تحاولان إبراز العلاقة بين العدالة الاجتماعية، والحقوق الإنسانية، والبيئة الصحية. كما تحاولان تشجيع المتعلمين على بناء المعرفة الشاملة للتنوع والاختلاف التي تتميز به الدولة، ومحاولة فهم هذا التنوع، بما في ذلك فهم الثقافة والدين، والاختلافات العرقية الناتجة عن هذا التنوع. وهذه الصفات مجتمعة تخدم بشكل غير مباشر الغايات التربوية التي نص عليها الدستور. من جهة أخرى، سعت وثائق المنهج إلى تنمية القيم وتطويرها، ليس فقط لأجل تطوير الذات ونمو الشخصية، بل لتأكيد أن هوية جنوب إفريقيا أسست وفق قيم مختلفة عن تلك التي أسستها التربية القائمة على سياسة التفريق العنصري. وأشارت وثيقة المنهج «تخصص الثقافة والفنون» إلى أن المتعلم الذي يهدف التربويون إليه هو ذلك الملهم بتلك القيم، والذي يتصرف وفق اهتمامات المجتمع المبنية على احترام الديمقراطية، والمساواة، واحترام حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية. وفي دولة جنوب إفريقيا كان التطلع عالياً إلى بعض القيم المهمة في بناء الإنسان، وفي بناء المجتمع، وفي بناء الدولة. وأهم تلك القيم التي كان لها انعكاس ملحوظ في بناء المناهج المدرسية، هي: الحرية، الديمقراطية، تكافؤ الفرص، واحترام العمل. ولو أخذنا قيمة «احترام العمل» كمثال لوجدنا أنه مع التحول في جنوب إفريقيا من عهد العنصرية إلى عهد الديمقراطية، فقد كان على المناهج المدرسية أن تسعى إلى إذابة الفروق التي غرسها نظام الفصل العنصري بين طبقات الشعب قدر المستطاع. واحترام العمل، وإعلاء قيمته، كونه إحدى أهم الأدوات التي يمكن من خلالها تضييق الفجوة بين ما يطلق عليه الطبقة البرجوازية، وطبقة العمال، أو الطبقة الكادحة. وتناولت المناهج المدرسية في جنوب إفريقيا هذه القيمة (احترام العمل) من خلال توفير الفرص التي تساعد على تنمية الاتجاهات الإيجابية نحو العمل، واحترامه بكل أنواعه وصوره. ومن تلك الفرص التي وفرتها المناهج المدرسية للتلاميذ اكتساب مهارات العمل الجماعي وتنفيذه بأسلوب علمي. فقد نصت وثيقة منهج الثقافة والفنون في المخرجات الأساسية للتعليم على أهمية إعداد المتعلمين القادرين على «العمل بأسلوب فاعل مع الآخرين كأعضاء في فريق، أو جماعة، أو مؤسسة أو مجتمع». كما أكدت الوثيقة عينها ضرورة تهيئة المواقف التعليمية التي تساعد التلاميذ على «اكتشاف فرص العمل»، «واكتشاف فرص التجارة، وطلب الرزق»، وعلى «تطوير المهارات العملية أو التطبيقية في مختلف أوجه الفنون». أخيرا، يمكن القول إن مناهج التعليم في جنوب إفريقيا تقدم مثالاً واقعياً وحقيقياً للدور الذي يمكن أن تؤديه المناهج المدرسية بشكل عام في تغيير الثقافة السائدة غير المرغوبة في المجتمع، وفي توضيح أسباب التغير الاجتماعي الطبيعية والبشرية، والدوافع التي أدت إلى هذا التغير، وفي توجيه المتعلمين إلى التغير الإيجابي المنشود، وفي بناء القيم والأسس الجديدة التي يرتضيها المجتمع الحر الذي يهدف إلى التقدم والازدهار. (1) __________________ (1) المرجع: بحث: «دور المناهج المدرسية في جنوب إفريقيا في التحول من العنصرية إلى الديمقراطية»، د. صالح بن عبدالعزيز النصار، مقدم إلى ندوة بناء المناهج: الأسس والمنطلقات. كلية التربية- جامعة الملك سعود (1424هـ).
إنشرها