في كتابه الصادر حديثا والمعنون: «تطور الإله»، يمسح روبرت رايت تاريخ الدين ويقدم نظرية جديدة لتفسير كيف تطورالتاريخ بالطريقة التي تطور بها. وفي كتابه هذا ينطلق روبرت رايت من فرضية أنه بالرغم من أن الدين يبدو وكأنه أمر ظاهري، بمعنى عالم من الوحي والروحانية، فهو في حقيقة الأمر كما وهي بقية الأشياء الأخرى مدفوع بحقائق عادية تحدث على أرض الواقع. أي أن الدين يتغير مع الوقت بسبب أنه يستجيب للظروف المتغيرة (السياسة والاقتصاد والحرب) في العالم الحقيقي. ومن هذا المنطلق يقدم روبرت رايت ويؤكد على رواية ماديّة للدين، فالدين يستجيب لواقع الحال بشكل تأقلمي كما هو الأمر مع باقي المخلوقات، فالدين يتكيف مع العالم الحقيقي.
وبشكل أكثر رسمية ودقة، فإن الاستجابات الدينية للواقع يمكن شرحها من قبل نظرية اللعبة وعلم النفس التطوري. فهناك مناح معينة من العقل البشري تم تشكيلها بواسطة الاختيار الطبيعي الدارويني كي يتسنى لنا أن ندرك وأن نعاظم من مكتسباتنا في أوضاع إجتماعية معينة، ولعل أهم هذه الأوضاع ــ وهي تشكل حجر الزاوية في نظرية روبرت رايت ــ هي ما يسميها منظرو اللعبة بالتفاعلات غير صفرية الناتج. وهي تختلف عن اللعبة الصفرية التي يعتبر كل لاعب عوائدة كخسارة للآخر والعكس صحيح، فهناك ألعاب أخرى يمكن لكل اللاعبين أن يدخلوها ويخرجون رابحين. ونسوق هنا مثالا على ذلك في السوق الحر، فعندما تكون هناك تجارة بين طرفين فإن كليهما يستفيد من التبادل، لأنه لو كان الناتج غير ذلك فإن أيا منهما لن يدخل في اللعبة من الأساس.
وكلما تحسنت التكنولوجيا على مر التاريخ، اشتبكت الثقافات، وقابل البشر كثير من الفرص والتفاعلات غير الصفرية. وهنا يقول مؤلف الكتاب روبرت رايت إن الدين يستجيب بشكل عقلاني لهذه الفرص، فالعقيدة الدينية أصبحت أكثر تسامحا مع غيرها من الأديان عندما أصبح التسامح عاملا مساعدا لتسهيل التفاعل السياسي والاقتصادي الذي يفضي إلى نتائج يربح فيها الطرفان، فمن الأفضل لك أن تحترم الأديان الأخرى عندما تنوي الدخول في تجارة أو تؤسس لتحالف عسكري مع معتنقي دين آخر. وهذه الاستجابات كما يقترح روبرت وايت هي عفوية وتنطلق من اللا شعور ــ كما يذهب إلى ذلك علم النفس التطوري.
ما من شك أن الاستمرار في الاشتباك في تفاعلات غير صفرية من شأنه عبر الوقت أن يفضي إلى تكوين ما يمسى بالدائرة الإخلاقية. فبينما يرى الفرد البدائي أفراد قبيلته فقط كبشر يستحقون الاعتبارات الإخلاقية، فإن الروابط التي تنشأ بين الناس من خلال التفاعلات التعاونية تعمل على تشجيع الناس على توسيع الدائرة الأخلاقية لتشمل، إضافة للقبيلة كل من الجماعة الإثنية والأمة وأخيرا تشمل كل البشر.
وهناك عديد من المواضيع ظهرت في تحليل روبرت رايت للدين مستوحاة من الأشياء التي تميز تطور الحياة، فتاريخ الدين هو ــ كما يقول روبرت رايت ــ يسير في اتجاه واضح. فكما هي المخلوقات الأخرى التي تطورت بشكل معقد على مدى أربعة مليارات عام فإن آراء الإنسان عن الله تطورت بشكل عام بشكل أكثر تجردا وأكثر جاذبية على مدار آلاف السنين الأخيرة. فالتغيرات التطورية في الدين كما هو الحال في بقية الأنواع (أي المخلوقات) هي تدرجية، فأنت لا ترى أديانا جديدة كاملة تأتي من لا شيء، وربما يكون ذلك لأن الدين يأتي ليعكس الأوضاع الاجتماعية السائدة في الأساس في الفترة التي ظهر فيها الدين.
خصص روبرت رايت قسما كبيرا من كتابه لتناول الأديان الإبراهيمية وهي اليهودية والمسيحية والإسلام. غير أن قصته تبدأ في فترة ما قبل التاريخ وبالتحديد مع الشامانية، إذ يذكرنا مؤلف الكتاب بأن عالم الشامان كان قد بعث للحياة من قبل عدد من «الآلهة» التي سكنت في قوى الطبيعة والتي كانت تقرر مصير الأفراد والقبائل. ولم يكن لـ «الدين» ما يقوم به فيما يتعلق بالأخلاق وكان كل شيء له علاقة بالاضطهاد والحرب والسياسات بين القبائل. لكن مع بروز الزراعة تطور المجتمع بشكل أكثر تعقيدا، واضعا تركيزه على التناغم الاجتماعي. وهنا جاء الدين ليستجيب ــ كما يقول روبرت رايت ــ لهذه الظروف المتغيرة ويصبح أخلاقيا ويدخل في مسألة إدارة حياة الناس. وبعد ذلك تطورت الدولة البدائية وتلاقت الثقافات المختلفة على مر الزمن، وبالرغم من أن العواقب أو النتائج الدينية لمثل هذا التلاقيات الثقافية كان من الممكن أن تنتهي بكارثة، فإن الناس المختلفين والذي يؤمنون بعدد من «الآلهة» المتنافسة توصلوا إلى ضرورة سيادة الديناميات غير الصفرية. فالدول توصلت إلى نتيجة أنها تستفيد أكثر في حالة الدخول في التجارة والتحالفات العسكرية، وهنا يأتي الدين مرة أخرى ليستجيب للتغير في الظروف ولكن بشكل مسؤول. لكن أيام تعدد «الآلهة» أصبحت معدودة. ويقدم روبرت رايت رواية للانتقال إلى توحيد «الآلهة» عند اليهود وهو ما يمثل الجزء الأكثر إمتاعا في كتابه، لأن العملية كانت في غاية التعقيد. ويؤكد المؤلف أن تطور ما يسمى يهوا (الكلمة العبرانية للرب) جاء استجابة لظروف اقتصادية وعسكرية وسياسية واضحة وهي ظروف تشمل العلاقة بين اليهود والكنعانيين ووجود عدد كبير من المغامرات المحسوبة وغيرها مما لم تكن محسوبة، والنفي والمصير المختلف لكل من شمال وجنوب إسرائيل. كما أن التطور إلى الوحدانية كأي شيء آخر في التاريخ يأتي ضمن سياق تدرجي، وهي عملية أخذت وقتا طويلا لدرجة أنك تجد بعض آثار تعدد «الآلهة» في التوراة نفسها وبخاصة في سفر الخروج. أما فيما يتعلق بالمسيحية فإننا نجد المقاربة الداروينية نفسها التي تعتمد على التدرج لهذا الدين الجديد. فقد جاء السيد المسيح بإعلانات قليلة حول دينه، كما أنه بشر بأن مملكة الله قادمة وكان يقوم بأداء المعجزات بشكل سري. ويبيّن الكتاب أن العقيدة المسيحية التي تركز على الحب الأخوي بين البشر كافة لم تأت مع المسيح نفسه وإنما ظهرت في وقت لاحق في عصر أحد تابعيه وهو «باول» على الأرجح. وكان باول كثير الترحال من مكان إلى آخر، وهنا جاء الدين استجابة لمثل هذه الظروف، فكان عليه أن يؤكد على الحب الأخوي لخلق التناغم بين عدد من الكنائس المتنافسة، وكانت رسالة باول الرئيسية هي حول استراتيجية الإدارة، وهي التي مكّنت من نشر المسيحية في كثير من بقاع إمبرطورية روما.
أما فيما يتعلق بالإسلام، فقد بين روبرت رايت أن الإسلام هو دين آخر يظهر قدرا كبيرا من التطور والتكيف بشكل يستجيب فيه للظروف المحلية. فعندما كان الرسول محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ يسكن في مكة لم تكن لديه سلطة سياسية أو قوة سياسية، فهو كغيره من الرسل كان قد أثار عداء الأغنياء وعانى من سخرية الناس. وفي مثل هذه الظروف فإن الاستراتيجية الأمثل التي تقترحها نظرية اللعبة تعتمد على التسامح والتصالح، ويشير مؤلف الكتاب إلى الآيات القرآنية المكية، فهي آيات جاءت بمجملها بشكل تصالحي، وقد تواصل الرسول محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ مع المسيحيين ومع اليهود بشكل تصالحي. لكن عندما تبدل الأمر وأصبح الرسول سيد المدينة وله القوة العسكرية فإن استراتيجية التصالح لم تعد تخدم مشروع الإسلام، إذ بدا بعض الآيات القرآنية يتحدث بشكل أقل تصالحية من المكية.
بشكل عام يمكن القول إن روبرت رايت نجح في تقديم رواية مثيرة للأديان الإبراهيمية، موظفا نظريته القائمة على العلاقات غير الصفرية لكنه في نهاية الأمر غير مقنع في بعض الأجزاء المهمة من كتابه. ويعود السبب جزئيا إلى أن نظريته غير مكتملة، طبعا لا يمكن إنكار أن الظروف المحلية تسهم في تشكيل الدين والمبدأ الأخلاقي لكن من السخافة عدم الانتباه إلى حقيقة أن هناك أكثر من قصة لشرح تطور الدين. فلك أن تنظر على سبيل المثال إلى حركة إلغاء العبودية، فمن الصعب أن تجادل بشكل جدي بأن الحركة كانت مدفوعة بالرغبة في تحقيق أرباح متبادلة، وبالتالي ما العائد المادي لتوسيع نطاق الدائرة الأخلاقية لتحتوي العبيد السود؟ فعديد ممن حاربوا العبودية قاموا بذلك لأن الدين المسيحي يطلب منهم ذلك دون النظر إلى العائد المادي لتوسيع الدائرة الأخلاقية.
والنقص في كتاب روبرت رايت لا ينحصر فقط على المحتوى وإنما المناهج الفكرية التي يوظفها مؤلف الكتاب لبناء نظريته. وعلى الرغم من أن ادعاءه الرئيس في الكتاب (الذي يقول إنه على الأرجح أن الناس يقومون بفعل شيء ما عندما يكون ذلك في مصلحتهم) هو كلام صحيح وطبيعي، إلا أنه يلبس ذلك لغة علمية استمدها من نظرية اللعبة والتطور السيكولوجي. ومع ذلك من الصعوبة بمكان أن تأخذ على محمل الجد أغلبية لغته. فأين هو على سبيل المثال الدليل العلمي بالقول إن الناس يمتلكون مقدرة ذهنية تتماشى مع الخيال الأخلاقي؟ فأين هو الدليل على أن هذه المقدرة موجودة من خلال الاختيار الطبيعي أو أنها تتوقف عن النمو بعد مدة من الزمن؟
قدم روبرت رايت رواية أو تفسيرا ماديا للتقدم الأخلاقي لكنه لم ينجح في أن يكون مقنعا في ربط ذلك مع واقع التطور التاريخي نفسه. فهناك كثير من القصص التي وردت في الكتاب التي وإن كانت مترابطة ومعقدة، غير أنها لا تفضي إلى قبول بالنتيجة أو لنقل المقولة الرئيسية في كتابه.
by H. Allen Orr The New York Review of Books
JANUARY 14, 2010
ترجمة وتعليق: د. حسن البراري