مع تطور علم الرقابة الشرعية في الفترة الأخيرة ظهرت على الساحة عديد من الدراسات والمؤتمرات والندوات التي ناقشت هذا الأمر، وأدخل هذا الموضوع ضمن الحقائب التدريبية التي تحرص عليها الجهات الداعمة للمصرفية الإسلامية كونه موضوعا مهما ينبني عليه بقاء مصداقية المصرفية الإسلامية وسلامة تطبيقاتها، ونظرا لدخول هذا الأمر ضمن نطاق الرقابة كانت عدة أمور محل تساؤل لعل من أهمها علاقة الرقابة الشرعية بالرقابة المالية والمحاسبية، وهل تغني إحداهما عن الأخرى في سبيل هذا الموضع قدمت في مؤتمر في مدينة سطيف في الجزائر الشهر الحالي دراسة ناقشت موضوع التدقيق الشرعي والمحاسبي في المؤسسات الملاية الإسلامية، وبين الدكتور سامر مظهر قنطقجي مدير مركز أبحاث فقه المعاملات الإسلامية رئيس الجامعة الاسكندينافية من خلال الدراسة مدى ارتباط التدقيق الشرعي بالمحاسبي وتوصل إلى أن المحاسب المسلم متقن لفقهه ومهنته قادر على التدقيق الشرعي ومؤهل لمساعدة المدقق الشرعي أيضاً، وأشارت الدراسة إلى أن العالمين تشوي ومولر Choi & Mueller تنبآ في نهاية القرن الماضي بأن ثمة شيئا سيكون أمرا مميزا اسمه «المحاسبة الإسلامية». فالمنظور الإسلامي قد بدأ يؤكد نفسه على مشهد المحاسبة العالمي، وإذا كانت بداياته متواضعة فإن المستقبل سيكلل تلك الجهود. واعتقدا أن منطقة الشرق الأوسط ستستمر في جعل أخبار المحاسبة في القرن الـ 21 أخبارا عاجلة, أما تاريخ الفقه الإسلامي فقد ضم نماذج متطورة حتى أيامنا هذه في المحاسبة والرقابة والتدقيق.
بداية ذكرت الدراسة تعريف المحاسبة وأنها تسجيل وتحليل الأحداث الاقتصادية وتوصيلها إلى الأطراف المستفيدة منها بناء على فروض ومبادئ معينة وأنها تقسم وظائف المحاسبة إلى وظائف ثلاث هي: التسجيل، والقياس، والعرض. فالنظام المحاسبي يتلقف الحدث المالي بالتسجيل والقياس. ثم بترحيله إلى دفاتر الأستاذ يتم التقرير عنه في الحسابات الختامية والمركز المالي أشار الباحث إلى أن التدقيق الشرعي هو شكل من أشكال الرقابة الإدارية، فالإدارة تعمل بنظرية الوكالة، لذلك هي وكيلة عن المساهمين الذين يرغبون في العمل وفقاً لأحكام الشريعة الإسلامية. ورأت الدراسة أن نموذج الرقابة الشرعية يتألف من ثلاثة أنواع من الرقابات، الرقابة الوقائية (قبل التنفيذ) والرقابة العلاجية (أثناء التنفيذ) الرقابة اللاحقة (بعد التنفيذ)، وأوضح الباحث أن أمام المؤسسات المالية الإسلامية وخاصة المصارف مسؤولية كبيرة في تقديم نموذج إسلامي للعمل المالي كبديل للمعاملات الربوية، وهذا يُلقي عِبْئا كبيرا على كاهل هيئة الفتوى في تأصيل القواعد الشرعية النظرية والتطبيقات العملية المنسجمة مع الأسس والقواعد النظرية من هذه الأعمال، لذلك يترتب عشليها مراعاة الجوانب الشرعية في عقد التأسيس واللوائح والنظام الأساسي وإشرافها على إعداد وصياغة نماذج العقود، والخدمات المصرفية، والاتفاقيات مع الآخرين، ومناقشة المشاريع ودراسات الجدوى من وجهة النظر الشرعية، إضافة إلى وضع القواعد اللازمة لضبط التعامل مع المصارف غير الإسلامية وإعداد الدليل العملي الشرعي. وأجابت الدراسة حول السؤال أيهما أسبق، التدقيق الشرعي أم المحاسبي؟ بأن وعليه فإن التخطيط الإداري يسبق التخطيط المحاسبي تاركاً له المجال لإجراء التنسيق اللازم. لذلك فإن التخطيط الشرعي يسبق التخطيط المحاسبي تاركاً له المجال لإجراء التنسيق اللازم.
بعدها فصلت الدراسة في الحديث عن مراحل الرقابة الإدارية ومراحل الرقابة المحاسبية.
#2#
وحول مدى ارتباط التدقيق الشرعي والمحاسبي أشار الدكتور سامر إلى أن معيار المراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية رقم (4) اشترط فحص المراجع الخارجي الالتزام بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية بالفقرة، وقال هناك من يرى أن إلزام المحاسب القانوني بمراجعة الالتزام الشرعي في معايير المراجعة AAOIFI غير صحيح مهنياً. وإنه خطأ يؤدي إلى ازدواجية العمل مع الهيئة الشرعية كمراجع التزام شرعي خارجي، كما أنه يستحيل في الوضع الحالي تقديم مراجعة الالتزام الشرعي من المحاسب القانوني لأنه ليس من شأنه إبداء الرأي الشرعي فإن قام بذلك فلابد من رفع نتائج المراجعة الشرعية للهيئة الشرعية لأنها الجهة الوحيدة التي لها هذه الصلاحية.
إلا أن الدراسة أيدت أن ما ذهبت إليه هيئة معايير المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية هو الأصح، لأن التدقيق المحاسبي هو الأقدر على تمييز الحق من الباطل، فالمحاسبة هي ميزان الأعمال. ويؤيد ذلك ما سنبينه لاحقا.
ثم تحدثت الدراسة عن المحاسب وصفاته وأنه يجب أن يتحلى بعدة أمور أساسية من أهمها الإلمام بالفقه بشكل كاف، ويستفاد من ذلك تحقيق والأمانة والدقة والأخلاق، إضافة إلى علم المحاسب بالشروط المهنية مثل الكفاءة والمقدرة والتفقه بالمهن التي يعمل محاسبا لها كذلك الاعتماد على اللوائح والقوانين، وأيضا فإنه يجب أن يكون المحاسب حياديا فالمحاسب وزّان لا يزن إلا بالحق دون التطاول على حقوق أي من الأطراف التي لها علاقة بالحساب الذي يشرف عليه. وهو مسؤول عن حساباته دنيويا وأخروياً.
وتوصلت الدراسة إلى أن التدقيق الشرعي والمالي والمحاسبي تعتمد كلها على البيانات المحاسبية التي يعدها المحاسب.
ثم ذكرت الدراسة بالتفصيل نماذج للرقابة من الفقه الإسلامي لدى عديد من العلماء المسلمين السابقين، كما ذكرت حالية دراسية على الإجارة المنتهية بالتمليك برسومات وجداول مفصلة وفي الختام أشارت الدراسة إلى الآية الكريمة التي حذرت من طغيان الشركاء، فقد يبغي بعضهم على بعض، إشارة إلى أن المحاسبة والتدقيق الشرعي هما أداة ذلك البغي من عدمه، قال تعالى: «قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ»، وقالت الدراسة إن مسؤولية المراجع سواء الشرعي أو الداخلي أو الخارجي والمحاسب في اكتشاف الأخطاء والقصور يعد مكملاً بعضه بعضا انطلاقاً من العمل المحاسبي وباعتماد المراجع أياً كان نوعه، وهذا يؤكد ما ذهب إليه العديد من العلماء المسلمين والتي أشارت لهم الدراسة مثل النويري والحريري والقلقشندي، وكذلك هيئة معايير المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية، فالمحاسب المسلم متقن لفقهه ومهنته قادر على التدقيق الشرعي ومؤهل لمساعدة المدقق الشرعي أيضاً.


