الأحد, 9 أغسطس 2026|24 صَفَر 1448
الاقتصادية

كشفت دراسة أكاديمية حديثة عددا من المشاكل والمعوقات التي يمر بها التعليم العالي السعودي ومظاهر الضعف التي يتسم بها وأظهرت نتائج الدراسة ضعف تأثير مؤسسات التعليم العالي في الاقتصاد المحلي واستمرار الاعتماد على الاستشارات الأجنبية، إلى جانب وجود فجوة كبيرة بين ما يخطط له من رؤى استراتيجية للاقتصاد السعودي عبر الخطط الخمسية وما ينفذ على مستوى التعليم العالي.

وأشارت الدراسة إلى أن من أبرز الأسباب التي أدت إلى ضعف مواءمة مخرجات التعليم العالي من الإنتاج العلمي هو قلة الطلب من قبل القطاعات الاقتصادية والإنتاجية على خبرات مؤسسات التعليم العالي وبناء التحالفات والشراكات معها، لافتة إلى أن كثيرا من مؤسسات التعليم لا توفر الحوافز المادية المعنوية الداعمة لنشاط الترجمة والتأليف، ولا تعتبر ذلك مهمة جوهرية، وتركيز معظم مؤسسات التعليم على إنجاز رسالتها التدريسية وعدم إعطاء رسالتها البحثية الوقت والجهد الذي تستحقه، إضافة إلى أنها لا تسهم في جهود مد الجسور والسياسات نحو المجتمع الخارجي وبناء الشراكات والتحالفات مع القطاعات الاقتصادية المختلفة والمساهمة في تطوير الاقتصاد وعلاج مشاكله.

#2#

وألمحت الدراسة إلى أن ذلك عزز عدم قناعة الجهات المسؤولة عن اعتماد ميزانيات التعليم العالي بتخصيص مبالغ كافية للبحوث العامة والبحوث الأساسية بشكل خاص، ولا توفر لها الدعم الكافي، كما تعاني الجامعات من نقص التسهيلات العلمية اللازمة إنجاز البحوث التطبيقية.

وأظهرت نتائج الدراسة غياب عامل استفادة جيران مؤسسات التعليم العالي من خدماتها وتسهيلات مرافقها، وتركيز جل وقت وطاقة الجامعة في التدريب النظامي، بحيث لا يتوافر الوقت للتعليم المستمر ودور التعليم العالي في مجال التعليم المستمر غير واضح، ولايدرك أدوراه المنشودة في معالجة قضايا ومشكلات المجتمع الجوهرية.

وهدفت الدراسة التي أعدها الدكتور عبد الواحد بن سعود الزهراني بعنوان ضعف مواءمة مخرجات التعليم العالي السعودي الواقع- والأسباب - والآثار- والحلول- حصل من خلالها على درجة الدكتوراه بتقدير امتياز من جامعة أم القرى، إلى تحقيق عدد من الغايات أبرزها التعرف على واقع هذا الضعف من القوى البشرية المؤهلة ومن الإنتاج العلمي، ومن خدمات المجتمع وتحديد أهم الأسباب التي أدت إلى ضعف مواءمة مخرجات التعليم السعودي وأبرز الآثار المترتبة على استمرار هذا الضعف وتحديد الحلول العملية لعلاج ذلك.

وقام الباحث باستخدام المنهج الوصفي المسحي وتحديد مجتمع الدراسة المكون من مديري ووكلاء الجامعات ووكلائها وأعضاء مجلس الشورى ورؤساء وأمناء مجالس الغرف التجارية الصناعية في المملكة، وتمت المعالجة الإحصائية لبيانات الدراسة بواسطة الحاسب الآلي باستخدام برنامج الحزمة الإحصائية للعلوم الاجتماعية SPSS وذلك باستخدام التكرارات والمتوسطات الحسابية واختبار تحليل التباين ومعامل الثبات الفا كرونباخ.

وأظهرت نتائج الدراسة عددا من المشاكل والمعوقات التي يمر بها التعليم العالي السعودي ومن أبرزها معاناة معظم خريجي مؤسسات التعليم العالي السعودي من ضعف مستواهم في اللغة الإنجليزية التي أصبحت الآن متطلبا حقيقيا لمعظم وظائف سوق العمل الأهلية، كما أن عدد الخريجين من التخصصات النظرية والأدبية يتجاوز احتياجات سوق العمل لقدرات ومهارات أقل مما يتطلع إليه سوق العمل المحلية ولا يفي التعليم أبدا باحتياجات هذه السوق من خريجي العديد من التخصصات العلمية والتقنية.

وقالت الدراسة: يعاني أغلبية خريجي الجامعات من الضعف في المهارات والقدرات والخبرات التي تمكنهم من خلق فرص العمل بدلا من أن يكونوا باحثين عن عمل، كما أن عدم وجود ارتباط وثيق بين عدد الخريجين من مؤسسات التعليم العالي السعودي واحتياجات تحقيق الرؤى الاستراتيجية بعيدة المدى للاقتصاد السعودي المعتمدة أسهم في تجسيد هذا الضعف، إضافة إلى عدم تزويد مؤسسات التعليم العالي سوق العمل بخريجين من التخصصات الحديثة التي تتطلبها عولمة الاقتصاد وانضمام المملكة إلى عضوية منظمة التجارة العالمية والاتجاه نحو اقتصاديات المعرفة.

ولاحظت الدراسة افتقار الخريجين إلى مهارات وقدرات متنوعة مكتسبة من أكثر من تخصص أو فرع معرفي ومعاناة معظم الخريجين الجدد من مؤسسات التعليم العالي من ضعف الخبرات والقدرات والمهارات اللازمة لتطبيق ما تعلموه بشكل عملي في الميدان، وضعف الميول والاتجاهات تجاه التعليم مدى الحياة التعليم الذاتي المستمر، وغالبا لا يمتلك الخريج القدرات التي تساعده على تغيير مهنته الحالية إلى مهنة أخرى عندما يضطره التغيير إلى تغيير مهنته الحالية، إضافة إلى المعاناة الواضحة في مهارات التفكير الناقد والتحليل والإبداع، كما لا تتوافر لدى الخريج المعارف والقدرات لتطبيق المفاهيم والأساليب الحديثة للتنمية المستدامة.

كما أظهرت النتائج أن التعليم العالي السعودي يعاني من مشكلة ضعف المواءمة بين مخرجاته من الإنتاج العلمي لاحتياجات المجتمع، موضحة أن من مظاهر هذا الضعف تدني إنتاج مؤسسات التعليم العالي في مجال الترجمة وقصور في دور التعليم في مجال بناء التحالف والشراكة مع القطاعات الاقتصادية وتحسين الإنتاج وإيجاد الحلول للمشاكل القائمة، كما يعتبر إنتاج مؤسسات التعليم العالي متدنيا في مجال البحوث العلمية، وتأليف الكتب ومجال البحوث العلمية الأساسية ومحدودية ما تقدمه أغلبية مؤسسات التعليم العالي لمجتمعها المحيط من فرص الاستفادة من خدماتها ومرافقها التي لا ترقى للمستوى المنشود، وكذا الحال في قصور مجال الرعاية والتثقيف الصحي للمجتمع وعدم معالجة القضايا والمشكلات الاجتماعية الجوهرية المتعلقة بالأمية والفقر والتلوث البيئي والزحام وخلافها ومجال التنمية الثقافية للمجتمع والقصور البالغ في توفير فرص التعليم المستمر.

وكشفت الدراسة عن وجود مشكلة ضعف موائمة مخرجات التعليم من القوى البشرية والإنتاج العلمي وأنشطة خدمات المجتمع ولم تظهر فروق ذات دلالات إحصائية إلا في مظاهر محددة منها تقليدية التدريس، ودوره السلبي في جعل الطالب كمتلق للمعلومة وليس عنصرا فعالا في العملية التعليمية، وافتقار المناهج وطرق التدريس في مؤسسات التعاليم العالي السعودي لتدريب الطالب على مهارات التحليل والتفكير وبطء الاستجابة لمعظم لتأثير متغيرات العولمة واحتياجاتها من التخصصات الجديدة التي ينبغي استحداثها وتدني الطاقة الاستيعابية للتخصصات العلمية والتقنية التي يشتد الطلب عليها من قبل سوق العمل.

كما أظهرت الدراسة ضعف مواءمة مخرجات التعليم من القوى البشرية والإنتاج العلمي من ناحية التخطيط للتوسع المتوازن في التخصصات بناء على قراءة سليمة لمستقبل وتطور احتياجات السوق، كما أن معظم برامج مؤسسات التعليم العالي قائمة وفق الأسلوب التقليدي الذي يعمل على إكساب الطالب مهارات متخصصة في حق معرفي واحد في ظل مبالغات مؤسسات التعليم العالي في التوسع في التخصصات الأدبية والنظرية في السابق لسهولة التوسع فيها وغياب آليات التقويم والمتابعة والتنسيق التي تلزم مسئولي البرامج في مؤسسات التعليم العالي بالتعرف على رأي سوق العمل في كفاية مهارات التقليم العالي، وقدرات خريجيها التخصصية ولا تتوفر بيانات دقيقة عن احتياجات سوق العمل من الخريجين في التخصصات العلمية والتقنية الدقيقة، وكبر الفجوة بين ما يخطط له من رؤى استراتيجية للاقتصاد السعودي على مستوى الخطط الخمسية الوطنية وما ينفذ على مستوى الخطط الخمسية وما ينفذ على مستوى التعليم العالي وضعف اعتناء أغلبية مؤسسات التعليم العالي، وعدم العناية بجودة وكفاءة الخريجين وتزويدهم بالمهارات التي تتطلبها سوق العمل وافتقار مؤسسات التعليم العالي إلى المقررات والبرامج التعليمية والتدريبية التي تهتم بغرس وتنمية أخلاقيات العمل لدى طلابها.

ويرى الباحث في دراسته أن افتقار التعليم إلى الرؤية والفلسفة التي تجعل من التزامه واجبا أسهم كثيرا في الضعف الحاصل وتدني الطاقة الاستيعابية لمؤسسات التعليم العالي مقارنة بعدد السكان في سن التعليم حسب المعايير العالمية، وعدم التزام معظم المؤسسات العالي بتطبيق المعايير الأكاديمية العالمية بتحديد المهارات والقدرات المطلوبة في كل تخصص وعدم توفيرها في كل التخصصات التي تحتاج إليها سوق العمل حيث إن أغلبية التخصصات المتاحة للملتحقين بالتعليم العالي هي تخصصات نظرية وأدبية، الأمر الذي انعكس على نوعية الخريجين وساهم في ذلك ضعف الإمكانات والتسهيلات، وصعوبة توفير المتطلبات البشرية اللازمة للتوسع في التخصصات العلمية، وجعل هذا التوسع في التخصصات النظيرة هو الخيار المتاح لاستجابة لضغوط التوسع في القبول.

كما أظهرت نتائج الدراسة أن تنمية أخلاقيات العمل ليس هدفا من أهداف معظم برامج التعليم العالي.

وناقشت الدراسة أيضا أسباب واضحة تجلت في اتساع الهوة بين مجتمعنا والمجتمعات المتقدمة بسبب عدم قيام الجامعات بدورها في توليد المعرفة ونشرها وتطبيقها والاضطرابات النفسية التي يعانيها الخريج من التخصصات النظرية والأدبية بسبب عدم وجود فرص للتوظيف يسهم في خلق جيل من الخريجين لا يتسلح بالكثير من المهارات والقدرات اللازمة لقيادة التنمية الوطنية في المستقبل، مما يجر الخريج إلى الدخول في منافسة غير عادلة مع عمالة عالمية ماهرة عند تطبيق اتفاقيات التجارة العالمية المتعلقة بتحرير العمالة الخدمات وتخلف مؤسسات التعليم العالي عن مسايرة ركب تقدم المؤسسات التعليمية العالمية، وحرمان الخريجين من الفرص ونقاط القوة التي يمكن جنيها من تعظيم استفادتهم من ثمرات ثورة المعلومات والاتصال وتعلم اللغات كاللغة الإنجليزية وسوء الاستثمار والهدر الاقتصادي الذي يسببه إصرار مؤسسات التعليم العالي على قبول الطلاب في تخصصات ليس لها طلب من سوق العمل الأمر الذي سيحدو بهم نحو قائمة العاطلين بعد التخرج.

كذلك استمرار الاعتماد على جهات خارجية لعمل استشارات ودراسات تأتي نتائجها مفتقرة إلى التقدير السليم لظروف المجتمع السعودي، والإبقاء على دور هامشي لمؤسسات التعليم العالي في مجال خدمة المجتمع من النواحي الثقافية والصحية في مجال إكسابه عادات واتجاهات التعليم المستمر.

كما أظهرت الدراسة استمرار ضعف التأثير في تنمية مؤسسات المجتمع المدني ومدها بالكوادر التي تسهم في تعظيم دورها والمساهمة في استمرار الاعتماد على تطبيق مفاهيم التنمية التقليدية وعدم الاستفادة من ثمرات هذا التطبيق، وتناقض فرص الاستفادة من نقل التقنية والإبقاء على دور المستهلك وصيانتها في أحسن الأحوال والإسهام في عدم تعظيم استفادة المملكة من ثمرات انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية وفي تأخير تحقيق خطط التنمية لبعض أهدافها وما يترتب من فرص تنموية ضائعة وانخفاض إنتاجية القطاعات بسبب ضعف إنتاجية الخريجين وتحمل بعض الأسر تبعات تعليم أبنائها في الخارج بسبب ضعف الطاقة الاستيعابية للتعيلم العالي.

ويستطرد الباحث في دراسته توضيح نتائج أسباب هذا الأمر، لافتا إلى أن مؤسسات التعليم العالي تعمل بطاقة استيعابية قصوى ويتوقع أن يتضاعف العدد إلى ثلاثة أضعاف بحسب الدراسة خلال السنوات العشر المقبلة فضلا عن الطلب المتنامي في المستقبل خصوصا وأن مخرجات التعليم العالي تغلب عليها التخصصات التربوية والنظرية حيث تشكل 79 في المائة من مجموع مخرجات التعليم في السنوات الخمس الماضية بينما يتجه الطلب إلى سوق العمل الى نحو التخصصات الفنية والعلمية التطبيقية، وبذلك فان كثيرا من مخرجات التعليم العالي في الوقت الراهن من التخصصات النظرية والأدبية لا تتلاءم مع احتياجات سوق العمل ويعد القطاع الحكومي هو المستهلك الأول لمخرجات التعليم وسيتم التشبع في أغلبية احتياجاته الوظيفية بما في ذلك قطاع التربية والتعليم.

وأوضحت الدراسة أن التنمية الوطنية وسوق العمل لم تكن في السابق موجهات للقبول في الجامعات السعودية ولم توجه القبول لتلبية احتياجات التنمية بل تركته لمعيار اختيار الطالب وحده وفي الوقت الذي تعرض فيه كل من التنمية الوطنية وسوق العمل للتغيير المستمر بقي التعليم العالي السعودي في تقليديته السابقة في الشكل والمضمون ويميل إلى النمطية القائمة على الحشو الذهني بالمعلومات وقد انعكس ذلك على عدم التناغم مع تغييرات التنمية وسوق العمل على مخرجات التعليم العالي السعودي من القوى البشرية حتى في التخصصات النظرية التي يشتد الطلب عليها.

كما أن التوسع في التعليم العالي السعودي في المجالات التطبيقية لم يواكبه تطوير للمناهج الدراسية والتدريبية والدليل أن خريجي تلك البرامج برغم قلة عددهم إلا أنهم يعانون من عدم وجود فرص عمل.

وأبرزت الدراسة إحدى سلبيات التعليم السعودي ما تعانيه الجامعات السعودية من قصور في الإماكانيات المساندة للعملية التعليمية، حيث تعاني من نقص مقومات الكفاية المادية كالتجهيزات والأدوات واستئجار الأبنية غير المناسبة التي قد لا تستوعب الأعداد المتزايدة للطلاب.

وقد توقعت وزارة الاقتصاد والتخطيط في الرؤية المستقبلية للتعليم العالي أن يواجه نظام التعليم العالي زيادة الطلب في سوق العمل على الكفاءات المهنية عالية الجودة، واحتمال وجود بعض الظواهر التي قد تحول دون تحقيق الأهداف المرجوة من التعليم العالي مثل الاختلالات في توزيع الطلبة والطالبات على التخصصات الأكاديمية وغلبة التخصصات النظرية وانخفاض الكفاءة الداخلية والخارجية، الأمر الذي يوجب تبني سياسات وإجراءات تقوم على مطالب السوق والاستخدام الأمثل للمعلومات والبيانات المتاحة عن سوق العمل وتعزيز المهارات المعرفية المطلوبة في سوق العمل وتشجيع الطلبة والطالبات على الالتحاق بالتخصصات النظرية وبالخبرات العلمية وإعداد الخريج متعدد التخصصات وتبني أنماط جديدة من التعليم الجامعي.

وقالت الدراسة: غالبا ما يرتبط التعليم بمفهوم التنمية البشرية والموارد البشرية لأن التنمية عملية تهدف إلى الإنسان وتتخذه وسيلة، وبالتالي فإن الخلل الذي يعتري مصادر تنمية الموارد البشرية سينعكس أثره في التنمية مباشرة، وتشير بعض دراسات منتدى الرياض الاقتصادي الذي تكرر عقده عدة سنوات بالاسم نفسه (نحو تنمية مستدامة) أن هناك مشاكل في البعد التخطيطي لتنمية الموارد البشرية في المملكة للتعليم العالي، كما توجد فجوة في نوعية التخصصات لخريجي الجامعات 76 في المائة مقابل 24 في المائة، كما أن هناك فجوة في الإنفاق حيث ينفق 60 في المائة على الأجور والمرتبات وفجوة أخرى في البحوث والمعلومات في مجال التنمية البشرية، من حيث تضارب البيانات وندرة الدراسات والبحوث في هذا المجال.

وكان الباحث قد نال بدراسته درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى كمتطلب تكميلي في الإدارة التربوية والتخطيط، وأشرف على الرسالة الدكتور سعد بن عبد الله بردي، وناقشه الدكتور هاشم بكر حريري وكيل جامعة أم القرى والدكتور محمد شحات الخطيب مدير عام مدارس الملك فيصل.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية