الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 28 مايو 2026 | 11 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

«ليمان» ومجازفات الاستثمارات الخطرة

لوسيان بيبتشاك
هولجر سبامان
الخميس 25 مارس 2010 4:25
«ليمان» ومجازفات الاستثمارات الخطرة

في التقرير الذي رُفِع إلى المحكمة الأمريكية التي تشرف على إفلاس شركة ليمان براذرز، وصف المراجع الذي عينته المحكمة كيف اتخذ المسؤولون التنفيذيون عن الشركة قرارات متعمدة ومدروسة لملاحقة استراتيجية استثمارية عنيفة، وخوض مجازفات أخطر، والإفراط في الاستعانة بالروافع المالية. ولكن هل كانت هذه القرارات ناتجة عن الغطرسة وأخطاء في الحكم أم كانت نتاجاً لحوافز معيبة؟

بعد انهيار «بير شتيرنز» و«ليمان براذرز»، والأزمة العالمية التي أعقبت ذلك الانهيار، افترضت التقارير الإعلامية على نطاق واسع أن ثروات المديرين التنفيذيين لهاتين الشركتين قد انمحت تماماً، إلى جانب ثروات الشركات التي قادها هؤلاء المديرون إلى الكارثة. والواقع أن هذا «السرد المعياري» قاد المعلقين إلى الاستهانة بالدور الذي تلعبه ترتيبات التعويض والمكافآت المعيبة وأهمية إصلاح هياكل أجور المسؤولين التنفيذيين.

وفي الدراسة التي نشرناها تحت عنوان «الأجور عن الفشل: تعويضات المسؤولين التنفيذيين في «بير شتيرنز» و«ليمان براذرز» أثناء الفترة 2000 وحتى 2008»، قمنا بفحص هذا السرد المعياري فتبين لنا أنه غير صحيح. ولقد قمنا بتجميع التدفقات النقدية التي سحبها أعلى خمسة مسؤولين تنفيذيين في كل من الشركتين بالاستعانة ببيانات مستقاة من ملفات لجنة الأوراق المالية والبورصة، فوجدنا أن صافي دخول هؤلاء المسؤولين التنفيذيين أثناء الفترة 2000 وحتى 2008 كانت إيجابية وضخمة، على الرغم من انهيار عام 2008.

والأمر الأكثر خطورة هنا هو أن كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركتين كانوا يقومون ببيع الأسهم وخيارات الأسهم بشكل منتظم، وبالتالي كان بوسعهم صرف الكثير من الأسهم المملوكة لهم قبل أن تنهار أسعار أسهم الشركتين. والواقع أن أعلى خمسة مسؤولين تنفيذيين باعوا من الأسهم أثناء السنوات السابقة لانهيار الشركتين عدداً أكبر مما ظل في حوزتهم من الأسهم حين حلت الكارثة في عام 2008. وفي المجمل، صرف كبار المسؤولين التنفيذيين في بير شتيرنز وليمان براذرز أثناء الفترة 2000 وحتى 2008 نحو 1.1 مليار دولار، و850 مليون دولار، على التوالي (طبقاً لقيمة الدولار في عام 2009).

ثم ازدادت هذه التسويات التي حصل عليها كبار المسؤولين التنفيذيين بفضل التعويضات والمكافآت الضخمة. وأثناء الفترة 2000 وحتى 2007، بلغ إجمالي التعويضات والمكافآت (طبقاً لقيمة الدولار في عام 2009) 300 مليون دولار في «بير شتيرنز» و150 مليون دولار في «ليمان براذرز». وبطبيعة الحال، تبخرت المكاسب التي وفرت الأساس لصرف هذه المكافآت في عام 2008. ولكن اتفاقيات الأجور في الشركتين لم تشتمل على أية شروط تسمح للشركتين باسترجاع المكافآت التي حصل عليها المسؤولون التنفيذيون بالفعل.

وبجمع أرقام مبيعات الأسهم مع المكافآت، تبين لنا أن أعلى خمسة مسؤولين تنفيذيين في «بير شتيرنز» و«ليمان براذرز» حصلوا أثناء الفترة 2000 وحتى 2008 على ما يقرب من 1.4 مليار دولار ومليار دولار، على التوالي، أو نحو 250 مليون دولار لكل مسؤول تنفيذي. والواقع أن هذه الدخول النقدية أعلى كثيراً من قيمة الحيازات التي كانت بين أيدي المسؤولين التنفيذيين عند بداية هذه الفترة. وعلى هذا، ففي حين هلكت ثروات حاملي الأسهم لفترات طويلة الأجل في هاتين الشركتين إلى حد كبير، فإن المكافآت التي حصل عليها المسؤولون التنفيذيون استناداً إلى الأداء جعلتهم دوماً في منطقة إيجابية آمنة.

إن هذا التباين بين ما آلت إليه أحوال حملة الأسهم في الشركتين وأحوال كبار المسؤولين التنفيذيين يثير قلقاً بالغاً من أن يكون هذا المسلك العنيف في خوض المجازفات في «بير شتيرنز» و«ليمان براذرز» ــ وغيرهما من الشركات المالية التي تتبنى ترتيبات أجور مماثلة ــ راجعاً إلى حوافز معيبة. وأعظم ما نخشاه ليس أن كبار المسؤولين التنفيذيين توقعوا أن يؤدي خوضهم لهذه المجازفات الخطيرة إلى إفلاس شركاتهم، بل إن مكمن الخوف هنا هو أن الترتيبات الخاصة بأجور المسؤولين التنفيذيين ـ وخاصة قدرتهم على الحصول على كميات ضخمة من التعويضات والمكافآت استناداً إلى نتائج قصيرة الأمد ـ كانت سبباً في دفعهم إلى قبول مستويات مفرطة من المجازفة.

من الأهمية بمكان بالنسبة للشركات المالية ـ والشركات عموماً ـ أن تسعى إلى إصلاح هياكل الأجور والتعويضات من أجل ضمان تنسيق أكثر إحكاماً بين أجور المسؤولين التنفيذيين والنتاج البعيدة الأمد. وينبغي لنا ألا نسمح للمسؤولين التنفيذيين بأن يتمكنوا من صرف كميات ضخمة من المكافآت حتى بعد أن تنتفي تماماً في وقت لاحق مقومات الأداء التي تسمح لهم بالحصول على هذه المكافآت. وعلى نحو مماثل، لا بد أن تكون حوافز الأسهم خاضعة لقيود واضحة تهدف إلى منع المسؤولين التنفيذيين من فرض ضغوط مفرطة على أسعار أسهم شركاتهم في الأمد القصير.

ولو كانت شركات مثل «بير شتيرنز» و«ليمان براذرز» نتبنى هياكل تعويض كهذه، فإن كبار المسؤولين بها ما كانوا ليتمكنوا من سحب مثل هذه الكميات الضخمة من المكافآت المستندة إلى الأداء في نظير إدارة الشركات أثناء الأعوام التي أفضت إلى الانهيار. وكان هذا ليقلل إلى حد كبير من الحوافز التي دفعت المسؤولين التنفيذيين إلى الإفراط في خوض المجازفات.

لا ينبغي لأحد أن ينظر إلى الأصوات المنادية بتطبيق إصلاحات شاملة وقوية في هياكل الأجور باعتبارها مجرد استجابة لغضب جماهيري. فلا شك أن مثل هذه الإصلاحات قد تكون عظيمة الفائدة في تحسين الحوافز ومنع هذا النوع من الإفراط في خوض المجازفات الذي شجعته الشركات في الأعوام السابقة للأزمة المالية ـ وبالتالي تعزيز قيمة الشركات وثروات حاملي الأسهم. ومن المؤكد أن الإصلاحات التي تعالج هذه الحوافز الهدّامة تشكل درساً بالغ الأهمية نستمده من التركة التي خلفتها شركات مثل «بير شتيرنز» و«ليمان براذرز»، والأزمة التي أسهم القائمون على هذه الشركات في اندلاعها.

خاص بـ «الاقتصادية»

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2010.

www.project-syndicate.org

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية