الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

السبت, 11 يوليو 2026 | 25 مُحَرَّم 1448
Logo

يعتبر الخامس عشر من أيلول (سبتمبر) 2008 تاريخاً محفوراً في الذاكرة الجماعية لعالم المال. فقد كان اليوم الذي انهار فيه بنك ليمان برذرز إلى هاوية الإفلاس لحظة مهمة في أكثر أزمة مالية دماراً منذ أجيال، وسببت الفزع في أسواق رأس المال، وتجمداً فعلياً في التجارة العالمية.

عملت عشرات الكتب والمقالات في المجلات على تأريخ سقوط ''ليمان'' السريع والكارثي من محرك المصرفية الاستثمارية العالمية، إلى أكبر أخفاق للشركات في صناعة الولايات المتحدة.

لكن الأمر استغرق عاماً من البحث الدقيق، وتقريراً داعماً أعده محام في شيكاغو لكشف إخفاقات الإدارة، والثقافة الداخلية المدمرة، واتخاذ المخاطر المتهور، حيث ساهمت هذه العوامل جميعها في إرسال ''ليمان'' إلى مصيره الكئيب.

يمكن أن تكون لمجلد أنتون فالوكاس – المسؤول عن مراجعة السجلات الذي عينته محكمة أمريكية للتحقيق لمعرفة من كان المسؤول عن إخفاق البنك- البالغ عدد صفحاته 2,200 صفحة الذي نُشر يوم الثلاثاء الماضي، تداعيات بعيدة الأثر على تنفيذيي ''ليمان'' السابقين، بمن فيهم الرئيس السابق، ديك فولد، والشركة المسؤولة عن تدقيق حساباته، ''إيرنست آند يونغ''.

لكنه يلقي كذلك ضوءاً كريهاً للغابة على الآليات الداخلية لـ''وال ستريت'' – أو على الأقل ذلك الجانب من ''وال ستريت'' الذي كان منكباً بتصميم على اعتصار الأرباح، وإخفاء الخسائر خلال الطفرة التي أدت إلى الأزمة.

يشير التقرير إلى ''ليمان'' بكونه واحداً من آخر مؤسسات ''وال ستريت'' التي شاركت في صفقات ''اتفاقيات إعادة الشراء'' التي كانت تهدف إلى نقل الأصول بعيداً عن ميزانيته العمومية. ولكن حقيقة أنه كان قادراً على إيجاد أطراف مقابلة على استعداد للمشاركة في صفقات في الولايات المتحدة وأوروبا من شأنها أن تساعد ''ليمان''- وإن كان ذلك عن غير قصد منهم - على إعطاء بيانات مضللة عن مركزه المالي، سوف تسبب الأسى للعديد من المراقبين، حتى لو كانت الإصلاحات التي تجري حالياً تهدف إلى تنظيف الممارسات الأكثر فظاعة خلال فترة ما قبل الأزمة.

#2#

قال تنفيذي رفيع المنصب في ''وال ستريت'' بالأمس: ''أوشكت على القيء عندما قرأت التقرير. ويجعلني ذلك أصاب بالغثيان من هذه الصناعة''.

بنك ليمان برذرز، كما رسمه فالوكاس لا يمثل الشركة الناشئة الناجحة التي ترأسها فولد المندفع، ولكن الخلاّق، الذي أصبح جزءاً من تقاليد الصناعة. بل إن الشركة التي تبرز من بين صفحات تقرير المسؤول عن مراجعة السجلات، والذي يتكون من تسعة أجزاء، هي مؤسسة على استعداد لاتخاذ طرق مختصرة، ومخاطر هائلة، لتحسين العوائد، وتفتقر إلى حد كبير إلى الرقابة، والإجراءات المحاسبية.

يبدأ فالوكاس قصته من نقطة عالية في تاريخ ''ليمان'' الذي يمتد إلى 158 عاماً. فقد أبلغت الشركة في 29 كانون الثاني (يناير) 2008 عن عوائد سنوية قياسية بلغت أربعة مليارات دولار عن السنة السابقة. وفي غضون ثمانية أشهر، أصبحت هذه الأرباح – وباقي الشركة – هباءً منثوراً.

يكتب فالوكاس قائلاً : ''هناك عدة أسباب فشل بسببها بنك ليمان، كما أن المسؤولية مشتركة''. وأضاف أن مشكلته ''تفاقمت بسبب تنفيذيي بنك ليمان الذين تراوح سلوكهم بين ارتكاب أخطاء خطيرة في الأحكام، ولكن غير مسؤولة، إلى التلاعب في الميزانية العمومية الذي يستوجب رفع دعوى قانونية''. يستنتج المسؤول عن مراجعة السجلات ، اعتماداً على مقاييس مختلفة، أن ''ليمان'' وبعض الشركات التابعة له لم يتمتعوا بالملاءة المالية في أوقات مختلفة من أشهر عام 2008 الأمر الذي أدى إلى تقديمه طلب الإفلاس. أما ذروة التقرير – الذي اعتمد على مراجعة 34 مليون صفحة من الوثائق، من نحو 350 مليار صفحة حصل عليها فالوكاس – فهو تصوير لشهية ''ليمان'' الجشعة لاتخاذ المخاطر، وجهوده المزعومة لتغطية نطاق معاناته المالية. في نهاية عام 2006، قرر كبار المسؤولين في ''ليمان برذرز'' زيادة السقف على حدود اتخاذ المخاطر في الشركة، أو مقدار ما يمكن أن يخسره ''ليمان'' من أنشطة التداول والاستثمار التي يمارسها، حسبما يروي فالوكاس. جاء القرار بالضبط عندما انتقلت الشركة إلى التوسع في التزاماتها للاستثمار في العقارات، على الرغم من أن سوق القروض العقارية الأمريكية كانت أصلاً في سبيلها إلى الانهيار. وفي واقع الأمر، زاد ''ليمان'' حدود شهية اتخاذ المخاطر على نطاق الشركة بأكثر من ثلاثة أضعاف في العام التالي. رفضت مادلين أنتونيك، التي كانت كبيرة مسؤولي المخاطر في ''ليمان''، إجراء زيادة على الحد من 2.3 مليار دولار إلى 3.3 مليار دولار، ولكن قرارها رفض من قبل من هم أعلى منها، وفقاً للتحقيق. وبحلول نهاية عام 2007، كان الحد الأعلى لاتخاذ المخاطر أربعة مليارات دولار.

ينتقد التقرير كذلك بصورة عنيفة الكيفية التي أصبحت بها ممارسات إدارة المخاطر في ''ليمان'' ضعيفة تماماً في النهاية – وكيف ساهمت بانفجار ''ليمان'' داخلياً.

على سبيل المثال، كان يجب على ''ليمان''، مثل نظرائه، أن يجري اختبار الجهد على مراكز التداول والاستثمار الخاصة به. ولكن بنك ليمان استثنى استثماراته الرئيسة في العقارات، واستثمارات الأسهم الخاصة، وقروض الاستدانة التي تدعم صفقات الشراء الشامل، وبذلك استبعد أصوله الأكثر خطورة من الحسابات.

لم يتم تضمين القرض قصير الأجل (إجراء تقوم به البنوك لتمويل عملياتها لحين التوصل إلى اتفاق بشأن قرض طويل الأجل) بقيمة 2.3 مليار دولار لشراء شركة أركستون – سميث ريل ستيت إنفيستمنت ترست في شهر أيار (مايو) 2007 ، ضمن حساباته لاستخدام المخاطر، رغم أن تلك العملية بمفردها كانت ستضع التزامات ''ليمان'' فوق الحد الأعلى للمخاطر، الذي كان متوسعاً في الأصل، حسبما يشير الفاحص.

كانت ممارسات بنك ليمان براذرز تعني أنه لم تكن لدى الشركة صورة حقيقية تماماً عن مدى انكشافها أمام التقلبات في أسواق رأس المال، والأهم من ذلك، في أسواق الأصول غير السائلة التي استثمر فيها. وكانت المسألة بالذات بالغة الأهمية لبنك ليمان لأن لدى الشركة، التي يبلغ رأسمالها 25 مليار دولار فقط، دعائم في ميزانيتها العمومية أقل بكثير من منافسيها مثل بنك جولدمان ساكس.

في أعقاب الانهيار شبه التام لبنك بير شتيرنز في آذار (مارس) 2008، وجد بنك ليمان برذرز نفسه غير قادر على بيع أصوله غير السائلة على نحو أكثر. وحيث كانت وكالات التصنيف، والمستثمرين يطالبون جميعاً بإجراء تخفيض على حجم ميزانية ''ليمان'' العمومية، زادت الشركة من استخدام ''الخدعة المحاسبية'' التي كانت تلجأ إليها منذ عام 2001، وفقاً للتقرير.

#3#

تُعرف الخدعة داخلياً ''باتفاقية إعادة الشراء 105'' – ولكن لم يتم الكشف عنها خارجياً على الإطلاق – وتساعد هذه الآلية على تمكين ''ليمان'' من استبعاد أصول تصل إلى 50 مليار من ميزانيته العمومية لأيام تكفي لاجتيازه نهاية الربع.

ساعد هذا بدوره الشركة على تخفيض نسبة مديونيتها (مستوى المديونية في ميزانيتها العمومية)، وتفادي تخفيض درجة تصنيفها، وأن تبدو بحالة أفضل مما هي في الواقع.

يقول التقرير: ''فحص المسؤول عن مراجعة السجلات استخدام بنك ليمان لعمليات اتفاقية إعادة الشراء 105، واستنتج أن التلاعب في الميزانية العمومية كان مقصوداً بهدف إعطاء مظهر خادع، وكان لهذا الأمر تأثير جوهري على صافي نسبة مديونية بنك ليمان، ولأن بنك ليمان لم يُفصح عن المعاملة المحاسبية لهذه العمليات، فإن ذلك جعل بيانات بنك ليمان المالية مخادعة ومضللة''.

كانت الأداة نادرة للغاية بحيث أن ''ليمان'' لم يستطع إيجاد شركة محاماة أمريكية تعطيه رأياً قانونياً حول ذلك، واستخدم بدلاً من ذلك شركة لينكلاترز ومقرها في المملكة المتحدة، وفقاً لما جاء في التقرير.

قالت شركة لينكلاترز في هذا الصدد: ''إنها ليست على علم بأي حقائق أو ظروف من شأنها تبرير أية انتقادات لآرائها''.

يبدو أن العديد من الأطراف المقابلة لبنك ليمان برذرز في التداولات لم يشكك فيها على الإطلاق، أو في حقيقة أن تلك الأطراف كانت تتلقى شروطاً أفضل من الشروط التي تنطوي عليها عمليات اتفاقيات إعادة الشراء التقليدية.

أما فيما يتعلق بالفضائح الأخرى في الشركة، فإن الرسائل الإلكترونية الداخلية تقدم لمحة تكشف عن الطريقة التي كان ينظر بها الموظفون من كافة المستويات إلى الممارسة. ففي إحدى الرسائل الإلكترونية في شهر شباط (فبراير) 2008، يقول متداول رفيع المنصب لزميل آخر: ''إننا نعاني من وضع يائس، وأنا بحاجة إلى ملياري دولار إضافي، تخفيض على الميزانية العمومية، من خلالك إما بواسطة اتفاقية إعادة الشراء 105، أو بواسطة مبيعات مباشرة''. وبعد بضعة شهور، يحث المتداول ذاته زميلاً آخر قائلاً: ''دعنا نصل إلى أعلى نقطة في اتفاقية إعادة الشراء 105 لحل مشكلتك''.

هناك عدد قليل من المديرين الذين لم يكونوا على يقين تام. بارت مكديد، وهو تنفيذي في بنك ليمان برذرز كان قلقاً بشأن اتفاقية إعادة الشراء 105، وصف الاتفاقية بكلمة ''المخدر''. وأمر تنفيذي آخر المتداولين بأن ''يفطموا'' أنفسهم عن اتفاقية إعادة الشراء 105. وحتى أن أحدهم أشار إلى مخاطر التغطية على الممارسة وحذر قائلاً: ''كلما زاد عدد الأشخاص الذين يعرفون الحقيقة، أصبح الأمر أكثر تحايلاً''.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية