ما القرار أيها الرئيس؟ هذا هو نص الإعلان الذي احتل صفحة كاملة في عدد الأحد من صحيفة ''نيويورك تايمز''، من قبل الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية. كان الاتحاد يرد على تقارير تقول إن باراك أوباما ربما ينقض قرارا اتخذه وزير العدل، إريك هولدر، بمحاكمة خالد شيخ محمد وزملائه المتآمرين المزعومين في أحداث 11 أيلول (سبتمبر)، في محكمة مدنية وتحويلهم بدلاً من ذلك إلى محكمة عسكرية. ونرى في الإعلان أربع صور لباراك أوباما مع تغيير تدريجي في وجهه، بحيث يظهر في الصورة الأخيرة وكأنه الرئيس جورج بوش. تحت الصور قال اتحاد الحريات المدنية إن أوباما تعهد أثناء الحملة الانتخابية بتغيير سياسات مكافحة الإرهاب التي سادت في عهد الرئيس بوش، وحثه على ''تذكير العالم بأن أمريكا مع محاكمات حسب القواعد المتبعة، ومع العدالة وسيادة القانون''.
المشكلة بالنسبة لاتحاد الحريات المدنية هي أن المفهوم الأمريكي لقواعد المحاكمات المتبعة والعدالة وسيادة القانون يشتمل على المحاكم العسكرية. وهذه المحاكم لها سمعة سياسية سيئة للغاية، ولا تزال تثير أسئلة قانونية. لكن تاريخها يعود إلى أكثر من 200 عام، ويساندها كل فرع من فروع الحكومة الأمريكية. في 2006 نقضت المحكمة العليا المحاكم التي شكلها الرئيس بوش واستندت في قرارها إلى أسباب فنية، لكنها أكدت سلامتها وصحتها من الناحية النظرية. في السنة نفسها أقر الكونجرس من جديد استخدام المحاكم بعد أن عالج النقاط التي اعترضت عليها المحكمة العليا. ثم عاد فأدخل تعديلات إضافية عام 2009. وفي السنة الماضية تبنت إدارة أوباما موضوع المحاكم العسكرية وهي تعتزم استخدامها بالنسبة للادعاءات ضد الإرهابيين من ذوي المستوى المتدني.
كذلك يجيز القانون الأمريكي الاحتجاز العسكري للأشخاص دون محاكمة ضد أعضاء طالبان والقاعدة والمنظمات التابعة لهما، إلى حين انتهاء نزاعات أمريكا مع هذه الجماعات. وكما كان الحال مع المحاكم، وافق الكونجرس على الاحتجاز العسكري، وأيدت المحاكم هذا القرار. وتبنت الإدارة القرار وتعتزم استخدامه ضد عشرات من الإرهابيين المزعومين.
بالتالي، حين كان هولدر ينظر في الخريف الماضي في كيفية التعامل مع خالد شيخ وزملائه، كانت لديه ثلاثة خيارات: إما المحكمة العسكرية، أو الاحتجاز العسكري، أو الذهاب إلى محكمة مدنية. اختياره للبديل الثالث كان على أسس واقعية (برجماتية) وليس لازماً من الناحية القانونية. وقد استند في قراره على مجموعة كبيرة من الأدلة ضد المتآمرين المزعومين في أحداث 11 أيلول (سبتمبر). ومن شأن ذلك أن يجعل الإدانة أمراً سهلاً، واستند كذلك إلى الجانب الرمزي في استخدام أكثر المعايير صرامة في العدالة الأمريكية. وكان من أثر قراره إظهار الفرق بين إدارة أوباما وإدارة بوش بخصوص واحدة من أبرز القضايا، وتخفيف الانتقادات الموجهة من اتحاد الحريات المدنية والمجموعات المشابهة له ضد قرار أوباما الأصلي بتبني المنهج الأساسي الذي اتبعه بوش ضد الإرهاب.
في ذلك الحين قال هولدر: ''كان هذا قراراً صعباً، ويستطيع الأشخاص العقلاء أن يختلفوا مع النتيجة التي توصلت إليها من أنه ينبغي محاكمة هؤلاء الأشخاص أمام محكمة فيدرالية وليس أمام محكمة عسكرية''. واختلف الأشخاص العقلاء بالفعل مع قراره، وبصورة قوية. فقد تبين أن الإجراءات الأمنية للمحاكمة المقررة في مانهاتن مكلفة للغاية وتسبب اضطراباً كبيراً، وأن السياسيين المحليين الذين أيدوا المحاكمة في البداية طلبوا من الإدارة إعادة النظر في قرارها. وكثير من الجمهوريين جادلوا بأن الإدارة تسيطر عليها عقلية القانون الجنائي وأنها متراخية فيما يتعلق بالإرهاب، وهو موقف اكتسب زخماً بعد المعالجة التي كانت تبدو سلبية لموضوع الشخص الذي كان يحمل المتفجرات في ملابسه الداخلية في كانون الأول (ديسمبر). وازدادت النداءات إلى الكونجرس لوقف تمويل محاكمة نيويورك.
بالتالي، السياسة في نيويورك وسياسة الظهور بمظهر اللين أمام الإرهاب تدفع بأوباما إلى إعادة النظر في قراره حول الإجراء الواجب اتباعه في قضية خالد شيخ. هناك عامل آخر هو رغبة أوباما، بعد ثلاثة أشهر من انقضاء آخر موعد محدد، في إغلاق معتقل خليج جوانتانامو. هذا الهدف أثار كذلك تهماً بالضعف أمام الإرهاب. ويقال إن الإدارة تجري مفاوضات مع الجمهوريين في مجلس الشيوخ لنقل خالد شيخ إلى محكمة عسكرية مقابل الحصول على مساندتهم لإغلاق معتقل جوانتانامو.
لكن من غير الواضح إن كانت المحاكم العسكرية هي الخيار الأمثل بالنسبة لخالد شيخ. فهي لم تُستخدَم منذ 70 سنة في قضايا مهمة، وكثير من المسائل القانونية، وبعضها شائك، بحاجة إلى حل إشكالاتها على مدى عدة سنوات قبل أن يصبح بالإمكان التوصل إلى حكم نهائي على خالد شيخ. وهذا ليس بالوضع المثالي للقضية التي يصفها هولدر بأنها ''محاكمة القرن''.
ربما يكون من الحصافة الاستمرار في احتجاز خالد شيخ في ظل أحكام الاحتجاز العسكري التي تبرر حبسه لأكثر من سبع سنوات. فالاحتجاز العسكري أسهل وأسرع ولا يقل عن الاحتجاز المدني من حيث مشروعيته القانونية. وفي مقابل المحاكم العسكرية، فإن الاحتجاز يعطي خالد شيخ مساحة أقل للقيام بألاعيبه السياسية.
إن استخدام المحكمة العسكرية، أو الاحتجاز العسكري لخالد شيخ سيثير غضب اتحاد الحريات المدنية والجهات الأخرى في اليسار الأمريكي التي تصر على المحاكمات المدنية، وسيثير كذلك غضب كثير من الناس في مختلف أنحاء العالم من الذين كانوا يتوقعون أن يكون أوباما مختلفاً عن سلفه. وستكون هذه أحدث حلقة في سلسلة من خيبات الأمل التي سببها استمرار سياسات عهد بوش، مثل المحاكم العسكرية، والاحتجاز، والاستخدام المحدود للبند القانوني الذي يطالب بعدم احتجاز المتهم أكثر مما يسمح به القانون، واستهداف الأشخاص بالقتل، وإرسال المتهمين إلى جهات اختصاص أخرى للتحقيق معهم نيابة عن الحكومة الأمريكية.
تبنى أوباما هذه السياسات لأن الواقع الفعلي والسياسة المحلية للحرب ومسؤوليات الرئاسة دفعت به إلى استخدام كل خيار قانوني متاح لإبقاء أمريكا في حالة مأمونة. هذه السياسات تشكل اختلافاً عن مسار حملته الانتخابية، لكنها تتمتع بمساندة سياسية واسعة في الولايات المتحدة.
إذا كان هذا الأمرمفاجئاً للبعض داخل الولايات المتحدة وخارجها، فإن السبب في ذلك هو أنهم لا يشاركون الحكومة الأمريكية في وجهة نظرها التي تقول إنها في حالة حرب ولا بد لها من استخدام أدوات الحرب، بما في ذلك المحاكم العسكرية والاحتجاز العسكري من أجل هزيمة أعدائها.
الكاتب كان مساعدا لوزير العدل في إدارة الرئيس بوش، وهو حالياً أستاذ في مدرسة الحقوق في جامعة هارفارد وزميل زائر في معهد هوفر في جامعة ستانفورد.

