يأتي أندرو أوستن بثورة أمريكية إلى بريطانيا. فعلى رقعة من الأرض الزراعية شرق مدينة ليفربول، قامت شركة آيغاز Igas التي يملكها بحفر واحدة من الآبار الأولى الخاصة بالنفط غير التقليدي المستخرج من الصخور الزيتية (صخور السجيل) التي دأبت الصناعة على رفضها باعتبارها غير اقتصادية.
يأمل المصرفي الاستثماري السابق في أن يقوم خلال العامين المقبلين باستغلال هذا المصدر الذي غير آفاق الطاقة في الولايات المتحدة: ونعني بذلك الصخور الصلصالية الرسوبية.
واستأجرت شركة Igas 300 ألف فدان من الصخور الصلصالية، وهي صخور رسوبية، في منطقة شمال ويلز وشمال غرب إنجلترا، منضمة بذلك إلى اندفاع الشركات الكبرى والصغرى في بلدان مثل بولندا وألمانيا التي تسعى إلى تقليد طفرة حدثت في الولايات المتحدة واستحوذت على مخيلة هذه الصناعة.
يقول السيد أوستن في هذا الصدد: ''حتى عام مضى، لو أنني قلت إنني سأحصل على تراخيص لاستغلال مسطحات كبيرة من الصخور الصلصالية، كان الجميع سيعتقدون أنني مجنون. ولكنني أدعى الآن لحضور خمسة مؤتمرات في الأسبوع''.
إن تزايد الاهتمام الأوروبي بالصخور الصلصالية يؤكد أن هناك وعياً أوسع بحدوث تغير في الآفاق الخاصة بإمدادات الغاز. إن حدوث زيادة كبيرة في الإنتاج الأمريكي يعني أن العالم انتقل خلال ثلاثة أعوام من حالة نفاد الغاز الطبيعي إلى حالة الغرق فيه.
إن المشكلات المترتبة على ذلك عميقة. فقد واجه السياسيون مشكلة ثلاثية الأبعاد: كيف يجعلون إمدادات الطاقة آمنة، ومقدوراً عليها ونظيفة. ويبدو الآن أن فورة الغاز تقدم الحل لهذه المشكلات الثلاث. وحسب تعبير توني هيوارد، الرئيس التنفيذي لشركة النفط البريطانية، ''بريتش بتروليوم''، فإن هذا المصدر ''غير اللعبة''، بشكل مؤكد بالنسبة لأمريكا ويحتمل أن يغيرها بالنسبة للعالم.
وإذا لعب السياسيون الغربيون هذه اللعبة بصورة صحيحة، فإن باستطاعتهم تغيير علاقتهم غير المريحة مع الموردين في البلدان التي يحتمل أن تسودها الاضطرابات مثل روسيا ونيجيريا، وفي الوقت نفسه سيحققون الأهداف الخاصة بخفض الانبعاثات الكربونية من دون الاعتماد على الطاقة النووية وعلى طاقة الرياح التي تولد الطاقة بتكلفة عالية جداً فقط. وستكون النتائج أعظم إذا استطاعت أوروبا أن تقلد الزيادة الكبيرة في الإنتاج الأمريكي. وإذا لم تتمكن من ذلك ستكون الآثار المترتبة على ذلك عميقة أيضاً.
ولكن هناك مشكلتان يمكن أن تحولا دون أن يكون الغاز هو الحل ''لمشكلة الطاقة في المدى الطويل''، كما قال هذا الأسبوع جيم مولغا، الرئيس التنفيذي لشركة كونوكوفيلبس الأمريكية للنفط والغاز.
#2#
المشكلة الأولى هي المقاومة السياسية، والثانية هي مشكلة خطر التلوث الذي يحذر أحد المحللين من أنه يمكن أن يشكل خطراً على السمعة بحجم الخطر الذي تعرضت له سمعة شركة تويوتا.
إن الشك المتعلق بثورة الغاز أمر مفهوم لأن التغيير حدث بسرعة كبيرة. فحتى خمسة أعوام خلت، كان صانعو السياسات الأمريكيون والتنفيذيون العاملون في قطاع الطاقة يشعرون بقلق شديد حول تأمين ما يكفي من الغاز لتعويض التراجع الذي شهده حجم الإنتاج الكبير في البلد. وفي هذا العام، تغلبت الولايات المتحدة على روسيا لتصبح أكبر منتج للغاز في العالم لأول مرة في عشرة أعوام تقريباً. ذلك أن الاختراقات الفنية التي تمكن الشركات من الوصول إلى الغاز الموجود في الاحتياطيات الصخرية الشاسعة والتي كانت حتى عهد قريب تعتبر مغلقة، مكنت الولايات المتحدة من التوقف عن استيراد الغاز من البلدان البعيدة. وتعتقد الصناعة الآن أنها يمكن أن تنتج الغاز من هذه الاحتياطيات لمائة عام مقبلة.
وزيادة على ذلك، فبفضل التطورات الفنية التي تسهل تصدير الغاز الطبيعي المسال، فإن آثار التغييرات في السوق الأمريكية يمكن أن تمتد إلى آلاف الأميال. ومع تراجع رغبة أمريكا في استيراد الغاز، يجري إعادة توجيه الناقلات المحملة بالغاز الطبيعي المسال من بلدان مثل قطر إلى آسيا وأوروبا.
بالنسبة لأوروبا، فإن احتمال زيادة وارداتها من الغاز الطبيعي المسال واحتمال زيادة إنتاجها من الغاز غير التقليدي يخلصها من الاعتماد على شركة غاز بروم الروسية التي تحتكر تصدير الغاز. فقد خلص تقرير حديث أعدته شركة وود ماكينزي الاستشارية إلى أنه من المرجح أن تنخفض حصة روسيا من سوق الغاز الأوروبية من 29 إلى 24 في المائة خلال العقد الحالي بسبب منافسة الغاز القطري، والنيجيري والجزائري للغاز الروسي.
إن زيادة إمدادات الغاز، والآراء الحذرة بخصوص آفاق نمو الطلب في أعقاب الركود أزالت صفة الاستعجال عن مشاريع مثل مشروع خط أنابيب نابوكو، وهو المشروع الذي يدعمه الاتحاد الأوروبي لجلب كمية تصل إلى 31 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً من منطقة بحر قزوين إلى أوروبا الوسطى. ونظراً لأن روسيا لديها أكبر احتياطي من الغاز في العالم، ستظل أوروبا تجد صعوبة في تحرير نفسها من العلاقة مع أكبر موردي الغاز لها. لكن استغلال احتياطياته غير التقليدية من الغاز يمكن أن يحدث فرقاً كبيراً بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، وبخاصة البلدان الشرقية الأعضاء فيه.
من أهم ميزات الإمدادات الجديدة من الغاز أنها يمكن أن تعزز أمن الطاقة بتكلفة أقل من مصادر الطاقة المحلية كالطاقة النووية أو طاقة الرياح البحرية.
يبلغ السعر المرجعي للغاز في الولايات المتحدة أقل من خمسة دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وفي بريطانيا نحو 30 بنساً. ويوازي هذان السعران نحو 30 دولاراً لبرميل النفط: أي أقل من نصف السعر الحالي للنفط الخام والذي يبلغ نحو 80 دولاراً للبرميل. إن الأسعار متدنية جداً لدرجة تجعل من استخدام الغاز أرخص من استخدام الفحم لتوليد الطاقة. ومع تعافي الاقتصاد العالمي، من المتوقع أن ترتفع الأسعار مرة أخرى. لكن زيادة الإنتاج الأمريكي من المرجح أن تضع سقفاً لزيادة هذه الأسعار.
ويعتبر الغاز أيضاً الوقود المفضل بالنسبة إلى شركات الكهرباء التي تخطط لبناء محطات الكهرباء لأن إنشاء المحطات التي تعمل على الغاز أرخص وأسرع. ذلك أن مولدات الغاز ذات الدورة المزدوجة التي تعتبر أحدث وأكثر كفاءة تعتبر تقنية مجربة يمكن بناؤها بتكلفة تقل عن مليون دولار لكل ميجاوات من الطاقة، مقارنة بنحو أربعة ملايين دولار لكل ميجاواط بالنسبة لمحطة نووية جديدة، وخمسة ملايين دولار لكل ميجاواط بالنسبة لمولد الهواء المقام في البحر. يقول فابيان روكس من شركة آي إتش إس سيرا CERA IHS الاستشارية: ''الغاز خيار منافس جداً. ذلك أن المحطات التي تعمل على الغاز مرنة جداً، ويمكن أن تدعم مصادر الطاقة المتجددة، وهي مباشرة جداً كما أنها تنطوي على خطر قليل جداً بالنسبة للمستثمرين''.
وعندما يؤخذ الالتزام السياسي بخفض انبعاثات غازات الدفيئة في الحسبان، فإن جاذبية الغاز تكون أقوى. ذلك أن الغاز ينتج نصف غاز ثاني أكسيد الكربون الذي ينتجه الفحم عندما يحترق لتوليد الكهرباء. وفي واقع الأمر، فإن إحدى أرخص الطرق لخفض الانبعاثات تتمثل في إغلاق المحطات التي تعمل على الفحم واستبدالها بمحطات تعمل على الغاز.وتقدر شركة لامبرت إنيرجي الاستشارية أن إغلاق محطات الكهرباء التي تعمل على الفحم في الاتحاد الأوروبي واستبدالها بمولدات الغاز ذات الدورة المزدوجة يمكن أن يخفض الانبعاثات بنسبة 20 في المائة تقريباً عن مستويات عام 1990، الأمر الذي يحقق هدف خفض الانبعاثات الذي حددته الحكومات الأوروبية لعام 2020.وفي الولايات المتحدة، فإن هذا التغيير نفسه يمكن أن يخفض الانبعاثات بنسبة 22 في المائة عن مستويات عام 2005، وهذه النسبة تفوق التخفيض الذي اقترحه الرئيس باراك أوباما في قمة المناخ التي عقدت في كوبنهاجن في كانون الأول (ديسمبر) الماضي بنسبة 17 في المائة.وإذا تحول الاتحاد الأوروبي كلية من المحطات التي تعمل على الفحم إلى المحطات التي تعمل على الغاز، فستزيد حاجته إلى الغاز بنسبة 40 في المائة تقريباً، لكن زيادة واردات الغاز الطبيعي المسال وإنتاج الغاز المحلي من الصخور الزيتية يمكن أن يلبي هذا الطلب الزائد على الغاز.
إن الرؤية الخاصة بتأسيس شبكة للطاقة تعمل على الغاز وتكون رخيصة، ونظيفة وآمنة هي رؤية مغرية. لكن لن يكون من السهل تحويلها إلى حقيقة واقعة.المشكلة الرئيسة على هذا الصعيد حسب فيليب لامبرت من شركة لامبرت إنيرجي هي السياسة. ويقول لامبرت في هذا الصدد: ''هناك شيء واحد فقط يمكن أن يقف في طريق كون الغاز الطبيعي الجواب المقدور عليه والسريع والمهم على التحدي البيئي الذي تطرحه عولمة استخدام الطاقة – وهذا الشيء هو عدم الاستعداد السياسي لقبول الغاز باعتباره الوقود المفضل''.وبسبب مخاوفها من الإفراط في الاعتماد على روسيا، فقد التزمت حكومات الاتحاد الأوروبي بمصادر الطاقة المتجددة كطاقة الرياح، ووعدت بتأمين ما نسبته 20 في المائة من الطاقة التي تحتاجها أوروبا من هذه المصادر بحلول عام 2020، وهناك أسباب أخرى لذلك. ونتيجة لذلك، يجري دفع هذه الصناعة بعيداً عن أقل الخيارات كلفة لخفض الانبعاثات إلى التقنيات عالية الكلفة كالرياح البحرية.وفي الولايات المتحدة، فإن المعارضة لزيادة استخدام الغاز الطبيعي لا تأتي فقط من مقاومة جماعات الضغط ذات النفوذ السياسي الكبير - التي تؤيد استخدام الفحم- لتراجع مركزها، ولكنها تأتي أيضاً من صانعي السياسات ومن الكونجرس (مجلس الشيوخ) الذين يركزون بصورة كبيرة على دعم مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية.إن صانعي السياسات على جانبي الأطلسي أظهروا تباطؤاً في قبول الرأي القائل بأن آفاق إمدادات الغاز قد تحولت.في المؤتمر الذي نظمته شركة آي إتش إس سيرا لهذه الصناعة في مدينة هيوستون في ولاية تكساس الأمريكية يوم الثلاثاء الماضي، تحدث وزير الطاقة الأمريكي، ستيفن شو، بشكل إيجابي عن الرسوبات الصخرية لكنه أكد على دور الغاز باعتباره مجرد ''عامل تمكين رئيس للطاقة المتجددة''.
ويؤكد جوثنر أوتنجر Guthner Oettinger ، المفوض الأوروبي الجديد للطاقة، بدوره على قيمة الطاقة المتجددة. ففي معرض ترحيبه الأخير بالتوقعات التي أفادت بأن الاتحاد الأوروبي في سبيله إلى تحقيق هدفه الخاص بالطاقة المتجددة لعام 2020، قال: ''ستتمثل مهمتنا في مساعدة الدول الأعضاء ليس فقط على بلوغ هدف تخفيض الانبعاثات بنسبة 20 في المائة، بل على تجاوزه''.ويلحق ذلك الضغط السياسي ضرراً بالثقة بالطلب المستقبلي على الغاز وينطوي على خطر الحد من القيام بالاستثمار اللازم لتأمين الإمدادات. ويمكن أن يقف عقبة في طريق إنشاء محطات كهرباء تعمل على الغاز لأن المستثمرين سيشعرون بالقلق حول إذا ما كانت هذه المحطات ستعمل فقط عندما لا تعود أشكال الطاقة الأخرى، كطاقة الرياح، موجودة. ويقول السيد روكس في هذا الشأن: ''يريد المستثمرون أن يعرفوا كيف ستبقى محطات الغاز مربحة بعد عام 2020''.
وتتمثل المشكلة الأخرى في الأثر البيئي المحتمل لإنتاج الغاز الصخري. ذلك أنه يتم ضخ الماء والرمل والمواد الكيماوية إلى باطن الأرض تحت الضغط وذلك لتفتيت الصخر وإحداث ثغرات لكي يتدفق الغاز منها.
لقد تسببت عملية التفتيت هذه في الولايات المتحدة بالشعور بالقلق في أوساط جماعات المحافظة على البيئة، وشعر بعض السياسيين بالقلق من إمكانية تلوث المياه الجوفية.ويحذر مايكل زنكر من بنك باركليز كابيتال قائلاً: ''إذا توقف تفتيت الصخور فسيتأثر مستقبل الإمدادات بالنسبة لأمريكا الشمالية''.وهو لا يتوقع أن تعمل المخاوف البيئية على تبطئة نمو الصناعة الأمريكية رغم أنه يعترف بأنها يمكن أن تشكل خطراً على السمعة.ولكن في البلدان الأوروبية ذات الكثافة السكانية الأعلى والتي تتسم غالباً بالحساسية البيئية، فقد تشكل هذه المخاوف مشكلة أكبر.ويقول وولفجانج روتنستورفر، Wolfgang Ruttenstorfer، الرئيس التنفيذي لشركة او إم في OMV النمساوية، وهي إحدى الشركات التي تستكشف إمكانية وجود الغاز الصخري في أوروبا: ''إنني لا أريد أن أوجد آمالاً وأوهاماً تفتقر إلى نتائج نهائية، ولذلك فإنني حذر جداً حول إذا ما كان الغاز الصخري سيكون خياراً بالمرة''.أما اليكزاندر ميدفيديف، رئيس الأعمال الدولية لشركة غاز بروم، الذي يقوم بمراقبة أثر الغاز الصخري بقلق، فيعول على المخاوف البيئة لإعاقة الطموحات الخاصة بجلب تقنية الغاز الصخري إلى أوروبا. وإذا سارت الأمور في هذا الاتجاه، فسوف يزداد الخطر من أن قبضة روسيا على الطاقة الأوروبية يمكن أن تشتد لا أن تتراجع.
ولكن في حين أن الغاز الصخري ربما لا ينطلق في أوروبا، فإن الثورة الأكثر أهمية يمكن أن تحدث في الصين التي تعتمد على الفحم لتلبية 81 في المائة من احتياجاتها المتزايدة بسرعة من الكهرباء وعلى الغاز بنسبة 1 في المائة فقط.
إن بكين حريصة على تغيير هذه المعادلة لتقليل الانبعاثات الكربونية والكبريتية التي تسبب الاختناق لمدنها الكبيرة، وهي ترغب أيضاً في تأمين مزيد من إمدادات الوقود الخاصة بها محلياً. وفي العام الماضي وقعت الحكومة اتفاقية تقوم بموجبها الولايات المتحدة بمساعدة الصين على تقدير حجم احتياطياتها من الغاز الصخري.
وفي المدى الطويل، فإن اتفاق الصين والولايات المتحدة على أن الغاز الطبيعي هو وقود المستقبل يمكن أن يثبت أنه أهم من عدم توصلهما إلى تحديد أهداف ملزمة فيما يتعلق بخفض الانبعاثات في كوبنهاجن العام الماضي.


