ما الذي يحدث تماماً في أحشاء سوق القروض العقارية الأمريكية؟ هذا السؤال غالباً ما طرحه المستثمرون في شتى أرجاء العالم في السنوات الثلاث الماضية بمزيج من الحيرة والفزع.
عليهم الآن أن يعيدوا طرحه مرة أخرى. بالنسبة لفصل الربيع هذا، فإن ثمة تناقضا ما يلوح في الأفق بشأن عالم الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية. وفي نهاية هذا الشهر من المقرر أن يعمل الاحتياطي الفيدرالي على تجميد برنامجه لشراء الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية من وكالتي فاني ماي وفريدي ماك، الذي طبقه في أعقاب الأزمة المالية. وربما يشير المنطق إلى احتمال أن يسبب ذلك هزة في السوق.
رغم كل شيء، كان سبب تطبيق الاحتياطي الفيدرالي للبرنامج في المقام الأول هو أن أسواق التورقة الأمريكية تجمدت خلال الأزمة المالية، وقضت على مصدر مهم من التمويل لعالم القروض العقارية الأمريكية. وحتى الآن، على الأقل، ما زال هناك دليل بسيط قيم على أن سوق التورقة جاهزة للازدهار مرة أخرى.
نتيجة لذلك كانت درجة المساعدة التي قدمها الاحتياطي الفيدرالي كبيرة بشكل مدهش: يحتفظ في الوقت الحاضر بما يقارب 1200 مليار دولار من الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية، تمثل نحو نصف ميزانيته العمومية (المنتفخة بشكل ضخم حالياً)، أو (نحو ربع إجمالي مخزون الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية عالية الجودة).
لكن على الرغم من هذه الأرقام الكبيرة لم تنجم حتى الآن أية إشارة للفزع عن الأنباء التي تتحدث عن أن الاحتياطي الفيدرالي يخطط لإيقاف هذه المشتريات. بل على النقيض من ذلك، حسبما كتبت زميلتي نيكول بولاك في مقالها لهذا الأسبوع، فإن الفرق بين سند القسيمة الحالي لـ «فاني ماي» لمدة 30 عاماً (مؤشر القطاع) انخفض إلى 57 نقطة أساس فقط عن سندات الخزانة هذا الأسبوع.
ووفقاً لكريدي سويس، يعد هذا أدنى فرق مسجل لهذا المؤشر. وكانت الفروق على الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية الأخرى متدنية، وفي انخفاض كذلك – بغض النظر عن خطوة الاحتياطي الفيدرالي أيضاً.
بناءً عليه، ما الذي يحدث تماماً؟ من جانب ما، يبدو أن التفسير يعكس نوعاً من التأثير المنفصل. وعلى وجه الخصوص خلال العامين الماضيين سكب الاحتياطي الفيدرالي (وآخرون) كثيرا من الأموال في النظام، بحيث إن ذلك جعل من المؤلم للغاية لمستثمري الدخل الثابت العاديين أن يحصلوا على عوائد دون اتخاذ مخاطر جامحة للغاية.
في العام الماضي حاول بعض المستثمرين التعامل مع هذه المشكلة بشراء موجة من السندات البنكية التي تضمنها الحكومة، أصدرها كثير من المؤسسات لإصلاح ميزانياتها العمومية. واندفع مستثمرون آخرون إلى التهام الأوراق المالية المصنفة استثمارية، أو (إذا فشل كل شيء آخر) السندات السيادية.
لكن هذا العام تقترب برامج الضمانات الحكومية لديون البنوك من نهاياتها، ويبدو أن الأسعار في سوق الأصول المصنفة استثمارية انخفضت بشكل حاد للغاية. وما عليك سوى أن تنظر، مثلا، إلى اليونان.
لذلك، وعلى خلفية هذه القائمة غير الجذابة من البدائل، أخذت الأدوات المالية المدعومة بالقروض العقارية التي يهيمن عليها الدولار تبدو أكثر جاذبية إلى حد ما، خصوصا إذا كنت تعتقد أن جانباً كبيراً من الأنباء السيئة بشأن سوق الإسكان الأمريكية متوقع فعلياً ــ وعلى نحو أهم، إذا كنت بنكاً أمريكياً قادراً على الحصول على تمويل رخيص للغاية، وبالتالي يمكنك أن تتمتع «بنقل» فوري من مقبوضات الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية.
حتى الآن، الأمر مشجع للغاية – أو هكذا يبدو على الأرجح. ورغم كل شيء، إذا تعين على النظام المالي أن يشفي نفسه بنفسه، يحتاج المستثمرون إلى إعادة اكتشاف شهيتهم إلى المخاطر. وإذا أصبحوا أكثر استعداداً لشراء الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية، فمن شأن ذلك أن يجعل استراتيجية الخروج الخاصة بالاحتياطي الفيدرالي أسهل.
على أية حال، قبل أن يتم إغراء أي شخص للاحتفال، عليه أن يفكر – مرة أخرى - بشأن التأثير «المنفصل». وخلال العامين الماضيين، تم إخفاء التأثير الكامل لانهيار سوق التورقة إلى حد كبير عن معظم المستثمرين – ناهيك عن السياسيين الأمريكيين – بسبب الحجم الكبير من المساعدة الحكومية المقدمة. ومن ناحية ما، تمت تهدئة المستثمرين إلى ما يشبه الشعور الزائف بالأمن، لأن جانباً كبيراً من الدعم كان معقداً للغاية ــ وبالتالي من الصعب فهمه.
الآن، من المحتمل أن يتكيف المستثمرون تدريجياً حين يسحب الاحتياطي الفيدرالي مساعداته. لكن من المحتمل بالمثل أن تكون هناك هزات سيئة في المستقبل، على وجه الخصوص إذا ارتفعت أسعار الفائدة على أموال السوق، أو الخزانة. ورغم كل شيء، هل يواصل المستثمرون فعلياً شراء الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية لو أن أسعار الفائدة على سندات الخزانة، مثلا، ارتفعت عالياً؟ وهل قامت البنوك الأمريكية بالتحوط ضد احتمال حدوث تأرجح مفاجئ في أسعار الفائدة على غرار ما حدث عام 1994؟ وما الذي يمكن أن يحدث إذا بدأ الاحتياطي الفيدرالي فعلياً ببيع مقبوضاته الحالية من الأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية (مقابل رفضه أن يشتري المزيد ببساطة)؟ وما هو مستقبل فاني وفريدي؟
في الوقت الحاضر على الأقل، الإجابة الوحيدة الصادقة هي أن لا أحد يعرف حقيقة. لقد تشوهت الآلة المالية العالمية للغاية بسبب المساعدات الحكومية، ومن الصعب بشكل محبط لأي جهة أن تتأكد تماماً كيف تعمل الآليات. لذلك في الوقت الراهن ثمة سبب ليشعر المسؤولون الأمريكيون ببعض الراحة بشأن ما يحدث في عالم القروض العقارية. ويمثل الهدوء أنباءً جيدة بشكل كبير، لكن على الرغم من أنني آمل كثيرا أن يدوم هذا الهدوء، أجد نفسي غير مستعدة للمراهنة بكثير من الأموال على ذلك. وأخشى أن يكون ذلك على الأرجح هدوءا يسبق عاصفة أكبر.

