قال لي الراحل إيدي جورج في أحد المرات إن مشروع اليورو الذي تم إطلاقه عام 1999 جاء مبكراً عشر سنوات. وقد كان مخطئاً، كان المشروع مبكراً 20 أو 30 عاماً، أو ربما لم يكن من الضروري إطلاقه في المقام الأول. وكان المحافظ السابق لبنك إنجلترا دستورياً متشدداً للغاية ليصرح علناً بشأن قضية عضوية بريطانيا، لكن لم تكن هناك شكوك كبيرة بشأن موقفه. ولفترة طويلة، بدا أن مشروع اليورو يسير على نحو جيد، حيَّر المتشككين. لكن مع ظهور المشكلة اليونانية باتت نقاط ضعفه واضحة للغاية بحيث يراها الجميع.
لا يخفى أن الحكومة الألمانية ومؤسسة قطاع الأعمال في البلاد لم يكونا على يقين كذلك إزاء ما كانا ينظران إليه على أنه مشروع بقيادة فرنسية. والأمر الذي حسم المسألة بالنسبة لهيلموت كول، المستشار الألماني في ذلك الحين، هو اعتقاده في تأسيس أوروبا اتحادية. وكان يأمل في الأصل أن يرافق الاتحاد النقدي اتحاد سياسي، لكن حينما أدرك أن ذلك لن يتحقق، بقي على أمل أن يؤدي الاتحاد النقدي بحد ذاته إلى اتحاد سياسي.
على أية حال، لم يكن بالإمكان إخفاء الضعف الاقتصادي إلى الأبد. وجادل الاقتصاديون منذ عصور بشأن ما وصفوه بمنطقة العملة الأمثل، وغالباً ما تم استعمال الكلمة السحرية «تقارب». والتقارب الذي له أهمية يتعلق بالتكاليف المحلية. وكان الخطأ الذي ارتكب هو افتراض أن الاتحاد النقدي يمكن بحد ذاته أن يكون مؤثراً كافياً للتقارب.
إن أي بلد لديه عملة خاصة به يملك صمامي أمان، وهو أمر يمكن أن تفتقر إليه اليونان وبلدان أخرى في مركز مماثل. أولاً، بإمكانه أن يصدر عملته الخاصة به، وبالتالي يمكنه أن يتبع سياسة مالية منضبطة مع احتياجاته المحلية، دون أن يضطر إلى الاعتماد على أسواق السندات الدولية. ثانياً، والأهم، لديه صمام أمان قدرته على تخفيض قيمة العملة. ويمكن إساءة استخدام إجرائي الحماية هذين، وبدلاً من تحقيق التشغيل الكامل دون حدوث تضخم، يمكن أن ينتهي الأمر بالبلد وهو يعاني من التضخم دون التشغيل الكامل. لكنه يستطيع أن يتعلم من أخطائه، وبإمكانه التصرف دون إحداث أزمة دولية. وضمن اتحاد نقدي فعال، على أية حال، لا يملك البلد العضو سيطرة على سياسة الاقتصاد الكلي الخاصة به، بأكثر من تأثير ولاية أوهايو على الولايات المتحدة.
ونشهد الآن لعبة المخادعة والمخادعة المضادة بين اليونان وشركائها في منطقة اليورو. وتمتلك اليونان مزيدا من أوراق المساومة بأكثر مما يُدرك عموماً. وهناك خوف واسع الانتشار، ومبرر، من أن خروج اليونان – تملك هذا الخيار دائماً بعكس أوهايو – يشير إلى بداية تفكك منطقة اليورو. وإذا لعبت السلطات اليونانية أوراقها جيداً، فلن تضطر إلى الموافقة على الشروط المالية التي تدمر اقتصادها بشكل عميق. ولن تضطر إلى قبول نوع الشروط التي فرضها صندوق النقد الدولي على البلدان الآسيوية في أواخر تسعينيات القرن الماضي، والتي تركت مذاقاً مراً لدرجة أن تلك البلدان راكمت احتياطيات بالعملة الأجنبية لتفادي مثل ذلك الإذلال مرة أخرى.
هناك عدة خيارات متاحة. أولها ما يطلق عليه الأمريكيون الديك الرومي البارد. فبعد التفاوض بشأن مطالب الاتحاد الأوروبي «للتقطيع والحرق المالي» قدر الإمكان، تستطيع أثينا أن تغضب وتتحمل الأمر.
عند أقصى الطرف الآخر تستطيع اليونان أن تترك منطقة اليورو، أو يتم طردها منها. وعلى الرغم من كافة التعقيدات، مثل إعادة التفاوض بشأن الأدوات المالية التي يهيمن عليها اليورو، يمكن تنفيذ ذلك. وينسى الناس أن واحداً من أقدم الاتحادات النقدية في التاريخ، وهو الاتحاد الذي كان قائماً بين المملكة المتحدة وإيرلندا، وصل إلى نهاية مفاجئة حين تخلت إيرلندا عن الاسترليني - أولاً نحو آلية سعر الصرف الأوروبية، ثم نحو اليورو. وعلى الرغم من ذلك، يجب أن يتأنى المرء قبل الحث باتجاه مسارات مدمرة بشكل محض. ومن شأن الخروج اليوناني أن يوجه دائرة الضوء إلى بلدان أخرى – البرتغال، وإيطاليا، وإسبانيا – وفي نهاية المطاف نحو مشروع اليورو بحد ذاته، إذ إن اعتبار المشروع خطأ هو بمثابة جانب من الأمر، لكن إحداث عملية تفكيك فوضوية أمر آخر.
أميل شخصياً إلى فكرة البروفيسور مارتن فيلدشتاين ـ «فاينانشيال تايمز» 17 شباط (فبراير) ـ بمنح اليونان خروجا مؤقتا من اليورو، تتبعه عملية إعادة دخول بأقل من 20 أو 30 في المائة من المستوى الحالي. لكن إذا حدث ذلك، ربما لا يكون هناك يورو للعودة إليه. وبناءً عليه، يكون هذا الملجأ الأخير. هناك بديل لتجربته أولاً، يمكن أن يطلق عليه تخفيض القيمة داخلياً. فحين كانت مارجريت تاتشر تصارع من أجل أن تفطم زملاءها عن الرواتب والضوابط على الأسعار، كانت في مرحلة ما تفكر في تسوية ما: تجميدا مؤقتا للأجور – في وضع طارئ – بعده يمكن استعادة إجراءات التفاوض العادية. وفي حالة اليونان في يومنا هذا، لن يكون الأمر مجرد تجميد، بل تخفيضا في الأجور الاسمية يتم التفاوض حوله. ومن شأن مثل ذلك المسار أن يؤثر بشدة على عادات وتقاليد اليونان المستقلة. لكن هناك دوماً حيز لحدوث مفاجآت.
أخيراً، هناك فكرة خارجة عن السياق تماماً، وهي ليست بديلاً عن الأفكار الأخرى، لكن يمكن أن تسير بموازاتها. كانت البلدان في العصور الوسطى تعمل في الغالب بوجود عملتين أو أكثر: عملة دولية مثل الدوكات أو الفلورين، والعملات المحلية باستخدام أكثر تقييداً. فهل يمكن أن تظهر عملة محلية، سواء أطلق عليها دراخما أو أي اسم آخر، بهذه الطريقة بفرض عقوبات على الحكومة اليونانية، أو بعدم فرضها؟ مما لا شك فيه أن ذلك سيكون أفضل بكثير من تعذيبها من قبل خبراء المال الدوليين.

