في العُمْرِ..
في هذا الطريق الدائريِّ على امتداد الوقتِ..
تلتبسُ البدايةُ والنهايةُ
لستُ أعرفُ ما الحكايةُ..
ما أنا إلاَّ وعاءٌ فارغٌ تتجوَّل الأشباحُ فيهِ
ولستُ أعرفُ من خلال المسرحيَّةِ والشخوصِ
متى سينسدلُ الستارُ عليَّ
كي أُنْفَى إلى المجهولِ
خارجَ مسرحٍ شَيَّدْتُهُ بيَدَيَّ
ثمَّ أعودُ أسكنُ في ظلالي
أعمَى وتُـخْطِئُني عصايَ
فكيف تُرْشِدُنـي الليالـي !
أَتَتِ الحياةُ إِلَيَّ
خارجةً من الآبارِ..
من حَمَّامِها الأَزَلِـيِّ في بيت البدايةِ..
كنتُ أحدسُ :
إنَّها حوريَّةٌ بيضاءُ
ذاتُ جدائلٍ فرعاءَ
فاصنعْ من ضلوعِكَ مُشْطَها...
ووقفتُ خارجَ بابِ هذا الـحَدْسِ
أنتظرُ انفراجَ البابِ عن شخص الحقيقةِ..
لم أُفِقْ إلا على صلعاءَ
جَزَّتْ بالأظافرِ شَعرَها الوحشيَّ وانْتَصَبَتْ حِيالي
فوَقَعْتُ في شَرَكِ المحالِ !
وأنا غريبٌ
لم تُلَمْلِمْني المرايا في التفاتتِها إلى الغرباءِ..
ضَلَّلَني المدى
وأضعتُ بيتيَ أبتغي وطني
فما كانَتْ خُطاَيَ سوى حروفِ التيهِ في لغةِ الرمالِ
وجوارحي مفتوحةٌ
كعيونِ موتَى
خَطَّ فيها الموتُ أسئلةً قُداَمَى مثل أعمارِ الجبالِ
أعمَى وأنطقُ عن هوايَ
لأطلقَ النسرَ الذي حَمَلَ المجازَ إلى الأعالي
قد تحتفي روحي بِمُشْتَقَّاتِها في الحزنِ..
تدخل في تضاريس الملامحِ بغتةً
وتَعُدُّ سُكَّانَ انفعالي !
أعمَى وأنطقُ عن هوايَ
مغادراً صفتي إلى اسمي
لأكتشفَ الطريقَ من الجميلِ إلى الجمالِ
ما زلتُ أركبُ موجةَ الأنثىَ إلى شطّ القصيدةِ
كي أدافعَ بالقصيدةِ عن خيالي
أعمَى وأعثرُ في سؤالي :
أَتُرَى أسافرُ كالحقيقةِ مفرداً
أم أتبعُ التَّيَّارَ في هذي التلالِ ؟!
أَتُرَى يهدهدُني المجازُ
إذا الحقيقةُ رَوَّعَتْ في داخلي قلبَ الغزالِ ؟!
ضاقَتْ بروحيَ رقعةُ الطينِ التي يدعونـَها جَسَداً..
ونفسيَ لم تكنْ لـِيَ
غيرَ سَلَّةِ مهملاتِ الضيقِ والنَّزَقِ العضالِ
***
من هُوَّةِ العَدَمِ السحيقةِ
أرتقي عبر الكتابةِ سُلَّمَ التكوينِ
منتصباً ومضطرباً كتأويلٍ طويلِ
أخشَى على ليلٍ تَنَفَّسَ أَحْرُفي بالأمس
تَنْفَثِئُ الكواكبُ فيهِ..
إنَّ الحزنَ بيتُ سلالتي منذ السلالةِ
والعويلُ سليلُ أجدادي القديمُ
وما أنا إلاَّ حفيدُ الحزنِ يحملُني عويلي
أسكنتُ أسرابَ السُّنونو سقفَ حنجرتي
وآلافُ السنابلِ أَنْجَبَتْ أطفالَها
ما بين أضلاعي
فهَدْهَدْتُ الولادةَ بالهديلِ
أنا ما انفطمتُ من القُرَى..
لم أنفطمْ
من ذلك الوادي المخضَّبِ بالنخيلِ
رَكَضَ الزمانُ معي هنا
وهنا معي جَلَسَ المكانُ
وقد عرفتُ الوقتَ فلاَّحاً
يسوق إلى أعالـي الأُفْقِ قطعانَ الفسيلِ
لم أنفطمْ من ذلك الوجع الذي
يَتَعَهَّدُ الأعشابَ في بطن الترابِ
لكي يصونَ سلالةَ العشبِ النبيلِ
لم أنفطمْ من نشوتي بالريحِ
حين الريح تطبخُ في الحقولِ التَّمْرَ
داخلَ فُرْنِها الصيفيِّ بالوَهَجِ الصقيلِ
قالَتْ فصولُ الأرضِ لِـيْ :
إنَّ المواسمَ لا تجاملُ في الحوارِ..
فلم يَزَلْ بين الربيعِ وبين أيَّامي حوارُ المستحيلِ
أنا ما اكتهلتُ
وإنَّما
في داخلي اكتهلَ الزمانُ
ولَفَّتِ الأيَّامُ ثوبَ رجولةٍ حولي..
ولن أحتاجَ إلا لمسةَ امرأةٍ
لأَخْلَعَ ثوبـيَ الزَّمَنِيَّ عن جسدي
وتزهو الروحُ في ياقوتِ بهجتِها الجميلِ

