الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

أكد الدكتور عدنان شهاب الدين الأمين العام السابق ومدير الأبحاث في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) أن لا خلاف بين الدول - بما في ذلك الغرب - على الدور القيادي الذي تلعبه السعودية في الحفاظ على أسواق النفط العالمية واستقرارها، مبيناً أنه لولا القيادة السعودية الحكيمة لكانت أسعار الطاقة العالمية أسوأ بكثير مما كانت عليه سابقاً ومما هي عليه حالياً.

وقال شهاب الدين في حوار مطول مع «الاقتصادية» على هامش فعاليات منتدى جدة الاقتصادي العاشر: إن الدول المنتجة وشركات النفط الأجنبية عندما تفكر في الاستثمار في مجال الطاقة لا بد أن تتأكد من مستوى الطلب العالمي على النفط مستقبلاً، وأنه في حال وضع سياسات ''عشوائية'' وفجائية للتقليل من الطلب على النفط خلال السنوات المقبلة فإن هذه الدول والشركات لن تقحم نفسها في استثمارات غير مجدية اقتصادياً.

لفت الدكتور عدنان إلى أن المسؤولية الأساسية في تخفيض الانبعاثات الحرارية تقع على عاتق الدول الصناعية التي أطلقت معظم ثاني أكسيد الكربون على مدى الـ 150 عاماً الماضية، وإذا كان على الدول النامية أن تسهم فإن التكلفة أو العبء المالي يجب أن يكون على الدول الصناعية وهذا مبدأ اتفق عليه ولا يمكن الرجوع إلى الوراء.

وأوضح الأمين العام بالإنابة السابق ومدير الأبحاث في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) بخصوص أسعار النفط أن هناك تفهماً لوجهات النظر من الطرفين (المنتجين والمستهلكين)، فالمستهلكون بدأوا إدراك حقيقة أنه لا بد أن تكون أسعار النفط عند حدود مرتفعة نسبياً حتى تؤمن الاستثمارات لتلبية الاستهلاك المستقبلي، وتأمين الدخل العادل للدول المصدرة لتلبية احتياجات التنمية، مشيراً إلى أنه لا يمكن تجاوز الطفرات التي تحدث في أسعار النفط ولكن يمكن تقليلها عبر زيادة الحوار الفاعل في إطار مبرمج ما بين المصدرين والمستهلكين.

وطالب شهاب الدول الغربية بعدم التمييز في فرض الضرائب على وحدات الطاقة المختلفة، وفرض ضريبة على النفط فقط وتجاهل المصادر الأخرى وربما دعمها مثل الفحم، أمر مخالف لقوانين السوق الحرة وقوانين التجارة العالمية، داعياً إلى وقف هذه الممارسات وتعميم مبدأ المساواة والعدالة على جميع المستويات لأنها أفضل للدول المنتجة وللغرب على حد سواء.

وتوقع الدكتور عدنان شهاب الدين بأن تلعب مصادر الطاقة المتجددة دوراً حيوياً في مستقبل الدول الخليجية، مبيناً بأنه يمكن للطاقة الشمسية وطاقة الرياح أن تسهما في توفير 15 إلى 20 في المائة من استهلاك الطاقة مستقبلاً، محذراً في الوقت نفسه من الوقوع في الخطأ نفسه الذي وقع فيه الغرب من خلال الدعم اللامحدود لهذا القطاع، وأن يكون الدعم مدروساً وتدريجياً ولفترة محدودة حتى يستطيع أن يقف على أرض صلبة في المستقبل .. فإلى تفاصيل الحوار..

يبدو أن الخلاف كان واضحاَ أثناء جلسة النقاش بين الدول المنتجة والمصدرة للنفط بشأن الاحتباس الحراري وانبعاثات الكربون وفرض الضرائب على الوقود في الدول الغربية، هل ترون أنه يمكن تقارب هذه الآراء والوصول إلى نقطة التقاء بين الجميع ؟

الاختلاف على السياسات وليس على الأرضية العلمية، جميعنا حريصون على أن البيئة العالمية والمحلية تكون نظيفة ومستدامة للأجيال القادمة، وكلنا متفقون على أن التغير المناخي الناجم عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون يجب أن نحترز منه، قد يكون هناك خلاف في مدى دقة والتأكد ويقين معرفتنا بأن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون هي بنسبة 100 في المائة المسببة لارتفاع درجة الحرارة، لكن هذا الخلاف لا يمنعنا من الاتفاق على بعض السياسات التي من الممكن أن يلتف الجميع حولها، التقليل من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون اتفق عليها في ريو دي جانيرو في البرازيل في اتفاقية الإطار المناخي وتم التفاوض بشأنها، ووضعت أسس ينبغي أن تحترم ويسير عليها الجميع، هذه الأسس تقول إن المسؤولية الأساسية في تخفيض الانبعاثات الحرارية تقع على عاتق الدول الصناعية التي أطلقت معظم ثاني أكسيد الكربون على مدى الـ 150 عاماً الماضية الموجود في الجو،وبالتالي عليها المسؤولية الأولية، وإذا كان على الدول النامية أن تسهم فإن التكلفة أو العبء المالي يجب أن يكون على الدول الصناعية هذا مبدأ اتفق عليه، نحن لا نريد الرجوع إلى الوراء.

الخلاف يتمثل في أن الدول الصناعية تضغط على الدول النامية للتراجع عما تم الاتفاق عليه في البرازيل وأن تلتزم بتخفيض انبعاثاتها وأن تسهم بشكل رئيسي في تكلفة تخفيض هذه الانبعاثات. النقطة الأخرى في الخلاف يتم التحدث أنه من الضروري أن يكون هناك ضريبة الكربون عالمياً، وهنا يجب عدم التمييز بين الدول الصناعية والنامية في مسألة فرض الضرائب بين النفط والغاز والفحم الأكثر إطلاقا للانبعاثات الحرارية في وحدات الطاقة، وهو حالياً يدعم فيما الضرائب توضع على النفط بحجة التغير المناخي ظاهرياً لكنها في حقيقة الأمر للتقليل من استـــخدامه والتقليل من استيراده ولزيادة استخدام المصادر الأخرى المحلية، لكن لا يوجد خلاف على المبدأ.

هل ترون أن أسعار النفط ستستقر عند مستوى يضمن القيام في قطاع الطاقة بما يكفي من الاستثمارات لتلبية النمو العالمي المستقبلي ؟

نتصور أنه من الصعوبة التنبؤ بأسعار النفط بشكل عام، لكن شهدت أسواق النفط بعد التقلبات الحادة في 2008م نوعاً من الاستقرار النسبي في حدود 60 ـ 80 دولاراً للبرميل، وذلك لعدة عوامل منها قرارات ''الأوبك'' بتخفيض الإنتاج لمقابلة تخفيض الاستهلاك في الدول الصناعية بالدرجة الأولى، لكن في نهاية المطاف تم تفهم وجهات النظر للطرفين (المنتجين والمستهلكين)، فالمستهلكون بدأوا إدراك حقيقة أنه لابد بأن تكون أسعار النفط عند حدود مرتفعة نسبياً حتى تؤمن الاستثمارات لتلبية الاستهلاك المستقبلي، كذلك تأمين الدخل العادل للدول المصدرة لتلبية احتياجات التنمية، وهذا ما جعل الدول المصدرة وعلى رأسها ''أوبك'' بقيادة السعودية على لسان خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز يذكر علانية أن سعر البرميل في الوقت الراهن من 70 ـ 75 دولاراً هو السعر العادل للمصدرين والمستهلكين، في المقابل المستهلكون كما ذكرت أبدوا تفهماً وأعلنوا أن سعر 70 دولاراً يمكن أن يكون سعر للمستهلك يستطيع تقبله، وفي الوقت نفسه هذا السعر يجعل البدائل مثل الطاقة الشمسية والرياح يمكن تطويرها، يمكننا القول إن هناك أرضية مشتركة وجدت بين الطرفين وليس اتفاقاً، وهذه الأرضية إلى جانب سياسة ''الأوبك'' التي توازن بين العرض والطلب ساعدت الأسواق النفطية على أن تستقر في حدود 60 ـ 80 دولاراً للبرميل، ونأمل أن تستمر هذه الأرضية المشتركة.

#2#

هل يمكن تعزيز مستوى التنسيق بين معدلات نمو العرض والطلب لتفادي حدوث طفرات جديدة في أسعار النفط ؟

أعتقد أنه من الممكن تقليلها ولا يمكن تجاوزها كلية، وأفضل طريقة لذلك هي زيادة الحوار الفاعل في إطار مبرمج ما بين المصدرين والمستهلكين، وهذا يتم حالياً عن طريق منتدى الطاقة العالمي الذي مقره (الرياض) وفي رأيي أن هذا المنتدى يجب تقويته وجعله أكثر قدرة وألا يبقى منتدى للحوار فقط، بل منتدى يؤدي إلى نتائج عملية تتبناها الدول المصدرة والمستهلكة بهدف تأمين الاستثمارات واستقرار الأسعار لمصلحة الطرفين.

تطرقت في ورقة العمل التي قدمتها إلى أن هنالك مشكلة تواجه الدول المنتجة للنفط في تحديد متى وكيف تستثمر في مجال الطاقة, في رأيك ما الخيارات المطروحة أمامها ؟

الدول المنتجة للنفط وشركات النفط العملاقة مثل أرامكو السعودية عليها مسؤولية ليس فقط محلية ولكن عليها مسؤولية عالمية كدولة، لكن عندما تفكر في الاستثمار يجب أن تتأكد من مستوى الطلب العالمي على النفط في المستقبل، فإذا كانت هناك سياسات توضع ''عشوائيا'' وبشكل مفاجئ تقلل من الطلب على النفط بعد خمس سنوات، فأنا كبلد منتج أو شركة منتجة للنفط آخذ حذري وأتحرز من الالتزام في استثمارات مرتفعة ما لم أتأكد من وجود الطلب خلال السنوات المقبلة، النقطة الأخرى إنني كمستثمر لا بد أن أرى عائداً قبل الإقدام على أي استثمار وهذا ينطبق ليس فقط على الدول المصدرة بل على شركات النفط الأجنبية التي تعمل في هذا المجال، وهذا العائد يأتي من خلال معرفة ماذا ستكون عليه الأسعار، فإذا لم أكن متأكداً أن الأسعار ستكون في نطاق معين لن أستثمر سواء كنت دولة منتجة مثل السعودية، أو شركة عالمية، وربما يتم تأخير القيام بهذه الاستثمارات في هذه الحالة حتى التأكد أن الأسعار ستحقق لي عائداً مجزياً اقتصادياً.

بالنسبة للدول النفطية العائد ليس تحقيق أرباح 10 أو 15 في المائة من الشركات الأجنبية، العائد هو الدخل الذي تحصله الدولة نتيجة لتحويل هذا المخزون والثروة من تحت الأرض إلى ثروة فوق سطح الأرض، لأن هذه الثروة ليست للجيل الحالي وإنما ثروة وطنية لجميع الأجيال، وبالتالي لا يمكن السماح لشركة بأن تستخرج هذه الثروات وتستثمرها وتعطيني مبلغا زهيدا، هذه الثروة لها قيمة يجب علينا المحافظة عليها، وبالتالي، فإن الدول المصدرة تحقق ذلك عن طريق الريع والضرائب، ويجب أن يحقق هذا الريع وهذه الضرائب المصلحة ليس للأجيال الحالية فقط، وإنما للأجيال القادمة.

كثير من الدول المصدرة للنفط تدعم الاستثمارات في مجال الطاقة وتحافظ على استقرار الأسعار، ما الفائدة التي يجنيها مواطنو هذه الدول من ذلك ؟

دعم الاستقرار في أسعار الطاقة بالنسبة للدول الرئيسية المصدرة للنفط، وعلى رأسها السعودية هو جزء من ممارسة المسؤولية، فأنت كدولة رئيسية تحرص على استقرار الأسواق، وبالتالي من الضروري أن تمارس القيادة، وهذه القيادة لها ثمن يتمثل في الاستثمار حتى يكون لديك فائض في الإنتاج تستخدمه إذا استدعت الأمور ذلك، وممارسة القيادة لمصلحتك، فإذا لم تمارسها أنت سيأتي آخر، ويتولى القيادة وتكون أنت تابع له فيما لا يحقق مصلحتك، إذاً المواطن يستفيد من الممارسة المسؤولة للدولة في قيادة قطاع الطاقة في العالم، إضافة إلى ذلك أن الدولة من هذا الريع دعم للتنمية الاقتصادية والاجتماعية مثل التعليم، والصحة، والكهرباء، والمياه، وغيرها، هذه الأمور لا تأتي جزافاً بل من خلال الممارسة المسؤولة لدعم استقرار أسواق الطاقة العالمية، ودفع ضريبة ذلك.

أعود بك لمسألة الضرائب العالية التي تفرضها الدول الغربية على واردات النفط، وتأكيدهم على أن من حق الدول الاستفادة من مداخيلها لمصلحتها, كيف تتعامل (أوبك) مع هذا الأمر ؟

دول (الأوبك) دائماً توضح أن أحداً لن يستطيع منع أي دولة من فرض ضرائب على وارداتها من النفط إلا إذا خالفت اتفاقية التجارة العالمية ومسألة الطاقة لا تخضع في الوقت الراهن لاتفاقيات التجارة العالمية، لكن الخطأ فيما تمارسه الدول الغربية وبالذات في فرض ضرائب باهظة على واردات النفط هو أنها تضع هذه الضرائب على مصدر واحد من مصادر الطاقة، وهو النفط بشكل تمييزي ضده، فيما تتجاهل وتدعم مصادر الطاقة الأخرى مثل الفحم، هذا خطأ تقترفه هذه الدول، وأمر مخالف لقوانين السوق الحرة وقوانين التجارة العالمية، ومن هنا يأتي الاحتكاك ما بين الدول النفطية والدول الأوروبية بأنه يتوجب وقف هذه الممارسات، وإذا كان لا بد من وضع ضرائب يجب أن توضع على الجميع دون تمييز ما يسمى بضريبة (الكربون) وليس على النفط فقط.

لكن ما أوراق الضغط التي تملكها الدول المنتجة على الدول الغربية في هذا الشأن؟

هناك بعض الأدوات فتجارياً يمكن أن نعاملهم بالمثل في وارداتنا من السلع والبضائع التي نستوردها من الغرب هذه واحدة من الأدوات المتوافرة وتفرض حالياً، لكننا نفضل عوضاً عن ذلك تعميم مبدأ المساواة والعدالة على جميع المستويات، لأنها أفضل لنا وللغربيين في الوقت نفسه.

لماذا إذاً لم تدرج الطاقة ضمن اتفاقيات منظمة التجارة العالمية حتى الآن؟

في الواقع، هناك خوف في هذا الجانب من قبل الدول المنتجة من أن تفرض بطريقة ليس ضد مصالحنا، وبالتالي من الأفضل في الوقت الحاضر أن نتريث في هذا الموضوع، لأننا أصلاً بدأنا موضوع الطاقة من نقطة نحن غير منصفين فيها، فإذا أدخلنا ''عدم الإنصاف'' الموجود حالياً في إطار منظمة التجارة العالمية فكأننا نشرع ونكرس هذا الأمر، ولذلك نحن نحاول أن نتحرر من التمييز قبل أن ندخل قطاع النفط في إطار منظمة التجارة العالمية.

ما توقعاتكم لمجال الاستثمارات في قطاع الطاقة المتجددة في دول الخليج؟

في اعتقادي بأن هذا الأمر كان يجب أن نبدأ فيه من فترة طويلة، وألا ننتظر الدول الغربية بأن تصدر إلينا تقنيات الطاقة الشمسية والرياح، هذا مجال رحب يمكن الاستفادة منه في الخليج، يمكن للطاقة الشمسية وطاقة الرياح أن تسهم بتوفير 15 إلى 20 في المائة من استهلاكنا للطاقة مستقبلاً، لكن يجب أن نكون حذرين ولا نخطئ مثل ما أخطأ الغرب وندعم هذا القطاع بشكل كبير، وفي النهاية يصبح العبء علينا، يجب أن يكون الدعم مدروسا وتدريجيا ولفترة محدودة حتى يستطيع أن يقف على أرض صلبة في المستقبل، في تصوري أن الطاقة الشمسية تستطيع أن توفر من 5 ـ 15 في المائة من استهلاك الطاقة، خصوصاً في المنازل في أوقات الظهيرة والذروة، وعن طريق ربط الطاقة الشمسية مع تحلية المياه، برأيي أن الطاقة الشمسية وتحلية المياه أفضل بديل بالنسبة لنا في الخليج ونحن سعداء بالمشاريع التي تنفذ حالياً في السعودية في هذا المجال.

ختاماً كيف ترون الدور القيادي السعودي في المحافظة على استقرار أسواق النفط العالمية ؟

هذا الأمر لا يوجد عليه خلاف إطلاقاً بما في ذلك الدول الغربية، بدون الدور القيادي للسعودية ليس الآن، وإنما منذ عقود أسعار الطاقة العالمية كان من الممكن أن تكون أسوأ بكثير، مما مرت فيه في بعض المراحل، المستغرب أن هناك استقرارا لأسعار النفط في السنتين الأخيرتين بالرغم من طلبات الأسواق العالمية، والسبب في ذلك أن هناك تراكم لسياسات حكيمة قامت بها السعودية، ودول الخليج، سواء في منظمة الأوبك أو حالياً ضمن مجموعة العشرين، أو في منتدى الطاقة العالمي، السعودية تحتفظ بما يعادل 1 ـ 2 مليون برميل نفط سعة إنتاجية فائضة حتى تستطيع استخدامها وقت الأزمات الدولية، وبالفعل استخدمتها في وقت الأزمات ودول الخليج تساعدها في ذلك، إذاً هناك السعودية، دول الخليج في إطار أكبر، ومنظمة أوبك في دائرة أكبر جميع هؤلاء يتبعون سياسة مسؤولة مرتبطة باستقرار قطاع النفط لأن من مصلحة الجميع ذلك.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية