لا بد أن منتدى دافوس لهذا العام كان بالنسبة إلى جورج باباندريو أشبه بمؤتمر صحافي طويل. فقد منح المراسلين عشرات المقابلات، بينما كان يصارع للدفاع عن خطط حكومته لمعالجة أزمة ديونها. وكان يهدف من كل تلك المقابلات إلى تهدئة التكهنات حول إنقاذ دولي.
في إشارة إلى حجم المشاكل التي تواجه هذا الزعيم اليوناني ذا العقلية المعتدلة، ورغم أفضل جهوده الإعلامية، فإن بعض المستثمرين المتجمعين في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، مضوا في التعبير عن دهشتهم كيف استطاع رئيس الوزراء، ووزير ماليته، جورج باباكونستانتينو، توفير الوقت اللازم لحضور المنتدى خلال أزمة بهذا المستوى. والحقيقة أنه بينما عاد رئيس الوزراء إلى أثينا، فإن الاحتمالات ظلت عالية بأن أفضل جهوده في دافوس لن تكون مؤثرة.
يقول دييغو إسكارو، كبير الاقتصاديين في HIS Global Insight، وهو يشير إلى عرض بيع السندات الذي تمت تغطيته بكثافة شديدة، والبالغة قيمته ثمانية مليارات يورو (11 مليار دولار أمريكي)، الذي تم يوم الإثنين الماضي: ''كان الطلب على الديون اليونانية في حالة سليمة. لكن هذا المركز يمكن أن يتفكك سريعاً، ومن المحتمل أن تواجه الحكومة صعوبات في بيع أدوات الدين في الأسواق خلال عام 2010''.
ولا يزال باباندريو يواجه عدداً من الأسابيع الصعبة المقبلة. فمن المتوقع أن تصدر المفوضية الأوروبية يوم الأربعاء رؤيتها حول كيفية ومدى السرعة التي يجب على اليونان أن تقلص بها ديونها، كما أن وزراء مالية الاتحاد الأوروبي سيتخذون قرارا حول ذلك في اجتماع في الفترة 15 – 16 شباط (فبراير) الحالي.
وتخطط نقابات العمال اليونانية بالفعل ليومين من الاضطرابات واحتجاجات في الشوارع في العاشر و11 من الشهر الجاري، احتجاجاً على تجميد الرواتب وتخفيض العلاوات الذي يؤدي إلى تخفيض الأجور في القطاع العام بنسبة تراوح بين 3 و4 في المائة.
وعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي الحديثة تقول إن الحكومة لا تزال تحظى بتأييد قوي، يخشى المحللون من أن تؤدي الإضرابات إلى اضطرابات اجتماعية أوسع بينما تعيش البلاد عاماً آخر من الانكماش.
إن الاحتجاج المطول من جانب المزارعين اليونانيين الذين أغلقوا نقاط اتصال اليونان الشمالية مع البلدان المجاورة ووضعوا حواجز على الطرق الرئيسية للضغط من أجل الحصول على مزيد من الدعم، يسلط الضوء على قدرات مجموعات المصالح الخاصة في المجتمع على تقويض السياسات المالية.
من جانبهم، حاول صانعو السياسة في الاتحاد الأوروبي تقديم صورة لأحداث الأسبوع تحت أفضل الأضواء الممكنة، مجادلين بأن إصدار السندات، يوم الإثنين، أظهر أن اليونان لا تواجه مشكلة في طرق أبواب أسواق رأس المال. وادعوا كذلك أن المخاطر التي تواجهها منطقة اليورو ككل محدودة، لأن الاقتصاد اليوناني لا يشكل سوى 2.5 في المائة من مجمل الناتج المحلي لمنطقة اليورو برمتها.
على الرغم من ذلك، كان هناك تناقض ملحوظ بين البيانات التطمينية الخاصة بالاستهلاك العام ومزاج القطاع الخاص الذي تطغى عليه مخاوف عميقة بخصوص الأزمة اليونانية. وكانت الرسالة المعلنة هي أن اليونان تحملت المسؤولية الرئيسية لتخليص نفسها من الأزمة، وبالتالي أي حديث حول عملية إنقاذ مالي في غير محله. أما في السر، فقال مسؤولو الاتحاد الأوروبي إن خطة الاستقرار التي قدمتها الحكومة اليونانية لم توح بالثقة بأنه سيتم تقليص شديد لعجز الميزانية إلى أقل من 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في نهاية عام 2012. ولذلك ربما يكون من الضروري تقديم مساعدة طارئة، على الرغم من عدم إعداد أية خطة رسمية بعد بهذا الخصوص، كما قال المسؤولون.
ويتفق الخبراء على أن مهمة باباندريو هي اتخاذ نهج أكثر شجاعة. وهذا الأسبوع قدم مستشارو الحكومات السابقة مقترحات مفصلة لدعم النمو وتخفيض الإنفاق، الأمر الذي يمكن أن تكون له آثار فورية.
وقال يانيس ستورناراس، أستاذ الاقتصاد في جامعة أثينا: ''تريد الأسواق أن تشهد إجراءً فورياً، بما في ذلك إجراءات من شأنها تشجيع النمو''. وأضاف أن فتح نحو 70 مهنة مغلقة أمام المنافسة، من قيادة سيارات الأجرة إلى الخدمات القانونية، يمكن أن يزيد معدل النمو على الفور بنسبة تصل إلى 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً.
واقترح أحد كبار المصرفيين اليونانيين زيادة فورية على ضرائب الوقود للمساعدة في دعم زيادة العوائد، وهو أمر رفضه باباندريو حتى الآن لأسباب اجتماعية. وقال هذا المصرفي: ''هناك حاجة ملحة إلى عكس الاتجاه المتدهور للعوائد الذي شهده الربع الأخير من عام 2009''.
إن استغناءات منتقاة عن الوظائف في المؤسسات اليونانية العامة الخاسرة، مثل مؤسسة السكك الحديدية، يمكن أن تبعث برسالة تفيد بالالتزام الجدي اليوناني بالإصلاحات، كما قالت ميراندا كسافا، وهي مسؤولة كبيرة سابقة في صندوق النقد الدولي، وخبيرة استراتيجية رفيعة المنصب لدى شركة لإدارة الموجودات في جنيف. وأضافت: ''على من اقترب تقاعدهم ترك وظائفهم بأقصى سرعة ممكنة وفقاً لشروط الاستغناء عن العمالة الفائضة في القطاع الخاص''.
ويجادل معظم الخبراء في الوقت الراهن، بأن على باباندريو التمسك بوعده المتكرر ''بالقيام بكل ما يتطلبه الأمر'' في سبيل إعادة الاقتصاد ثانية إلى مساره الصحيح.
