لكن البلدان الأعضاء الأخرى في منطقة اليورو، هي الأخرى عليها ضغوط لتخفيض العجز في المالية العامة. ماذا يمكن لهذه الضغوط أن تفعل بالبلدان ذات الوضع الضعيف، وبمنطقة اليورو، وبالاقتصاد العالمي؟
اليونان، بعد أن زورت الأرقام لسنوات، وخانت ثقة شركائها، هي الآن في ورطة. مع ذلك، حتى لو تحملت معظم اللوم في ورطتها، فإن المهمة التي تضطلع بها، مهمة هائلة. بصورة خاصة، على خلاف معظم البلدان التي تعاني من عجز هائل في المالية العامة (مثل بريطانيا على سبيل المثال) فإن اليونان لا تستطيع إجراء مقاصة بين أثر التشدد في المالية العامة، وبين تيسير السياسة النقدية، أو الضغط على سعر صرف عملتها.
اليونان هي العضو الوحيد في اتحاد عملة اليورو الذي يتسم بأكبر قدر من التشدد في السياسة النقدية بين الاقتصادات الكبيرة، كما أشار بول دو جراوفه من جامعة لوفان في مقاله في صحيفة فاينانشيال تايمز هذا الأسبوع. وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «أوسيد»، فإن الطلب المحلي النهائي الحقيقي في منطقة اليورو سيصاب بالركود في عام 2010. ومن المتوقع أن ينمو الطلب في ألمانيا بنسبة 0.2 في المائة.
كذلك تعزز وضع اليورو أكثر من ذي قبل بالمعدلات الحقيقية منذ إطلاقه في عام 1999، أي أكثر من أي عملة من العملات المهمة. وما يزيد الطين بلة أن اليونان والبلدان الهامشية الأخرى فقدت قدرتها التنافسية ضمن منطقة اليورو. على مقياس معين ارتفعت تكاليف وحدة العمل في اليونان بنسبة 23 في المائة مقابل ما في ألمانيا بين أوائل عام 2000 والربع الثاني من عام 2009. وهذا ينسجم مع تجربة البلدان الهامشية الأخرى.
أخيراً، حتى لو كان التشدد في المالية العامة سيعمل على تضييق الفرق بين العوائد على السندات اليونانية وسندات الخزانة الألمانية، وهو مقياس لخطر الإعسار لدى الحكومة اليونانية، فإن الفائدة التي ستعود على المالية العامة والاقتصاد لن تكون كبيرة. صحيح أنه في أوائل هذا الأسبوع كان الفرق في العوائد على السندات اليونانية عالياً بحيث وصل إلى 2.74 في المائة. لكن الفروق في العوائد تعاني من الارتفاع منذ سنتين فقط. كذلك من المرجح أن يكون أثر أسعار الفائدة المتدنية في القطاع العام على الأسعار التي يدفعها القطاع الخاص، هو أثر صغير تماماً.
بالنظر إلى هذه القيود الشديدة، فإن فرض تشديد هيكلي كبير في المالية العامة، من شأنه توليد ركود اقتصادي عميق. ومن المؤكد أن هذا سيزيد من العجز الناتج عن الدورة.
لنفرض، بصورة حذرة، أنه لكل نسبة مئوية واحدة من التشدد الهيكلي سيكون هناك أثر بنسبة 0.2 في المائة في تعويض التدهور في المالية العامة، بالتالي فإن التشدد الهيكلي اللازم لتخفيض العجز الفعلي، ليصل إلى 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي سيكون قريباً من 12 نقطة مئوية.
وستجد الحكومة اليونانية أنه مقابل كل خطوة تخطوها إلى الأمام، فإن عليها أن تتراجع قليلاً إلى الوراء. حتى الآن لم تعان اليونان من ركود اقتصادي قوي. وهذا أمر يبدو من المؤكد أنه لن يظل كذلك. وستجد الحكومة قريباً نفسها في مواجهة قطاعين بائسين (القطاع العام والقطاع الخاص)، دون وجود روافع تعينها في السياسة المالية.
المشاكل التي تعاني منها اليونان هي مشاكل متطرفة، لأنها هي وحدها العضو الضعيف في منطقة اليورو التي تعاني من عجز في المالية العامة ومن ديون كبيرة. البَلَدان الآخران اللذان يعانيان من عجز كبير في ماليتهما العامة هما أيرلندا (12.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009، وإسبانيا 9.6 في المائة). لكن في حين أن صافي القروض العامة كان 86 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية عام 2009 في اليونان، وفقاً لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كان الدين العام في أيرلندا 22 في المائة وفي إسبانيا 33 في المائة فحسب. من جانب آخر فإن إيطاليا، التي تعاني من نسبة صافي الدين مقدارها 97 في المائة، تعاني من عجز يبلغ «فقط» 5.5 في المائة. البرتغال تقع في الوسط، حيث يبلغ صافي الدين العام البرتغالي 56 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتعاني من عجز مقداره 6.4 في المائة من الناتج. معنى ذلك أن التحدي أمام اليونان هو أكبر وأكثر إلحاحاً مما هو الحال لدى البلدان الأخرى.
في مقال نشر في فاينانشيال تايمز في الأسبوع الماضي، استنتج ديزموند لاكمان من معهد المشاريع الأمريكية، أن اليونان ستضطر إلى مغادرة منطقة اليورو. أما سايمون تيلفورد من مركز الإصلاح الأوروبي في لندن، فإنه يجادل في مقال في صحيفة فاينانشيال تايمز بأن الحل البديل لا بد أن يكون إنقاذ اليونان. هناك احتمالان آخران: إما أن تشق اليونان طريقها وتكدح للخروج من أزمتها، أو أنها بكل بساطة تصاب بالإعسار.
ما الحل الأرجح؟ لا أعلم الجواب على ذلك. لكن الإعسار لا يمكن أن يكون هو الحل، لأن اليونان في هذه الحالة ستضطر إلى إقفال عجزها وسط مأزق اقتصادي وطني. كما أن مغادرة منطقة اليورو ستكون كارثة سياسية. كل احتمال من هذين الاحتمالين (ناهيك عن وقوعهما معاً) من شأنه كذلك أن يخلق عدوى مميتة بالنسبة للبلدان الضعيفة الأخرى في منطقة اليورو. فجأة سيصبح الأمر المستبعد تماماً أمراً قابلاً للحدوث. من الممكن في هذه الحالة أن تواجه منطقة اليورو موجة من الأزمات في السندات الحكومية والقطاع المالي، تجعل أزمة عام 2009 تبدو وكأنها حفلة ممتعة.
في الوقت نفسه فإن إنقاذ اليونان من قبل منطقة اليورو ككل، من شأنه أن يخلق مخاطر أخلاقية فظيعة بالنسبة للسياسيين. عملية الإنقاذ ستكون ممكنة فقط، إذا مارست منطقة اليورو بعدها درجة من السيطرة المباشرة على جميع القرارات الخاصة بالمالية العامة للبلدان الأعضاء. باختصار، فإن هذا سيكون أسرع طريق نحو الاتحاد السياسي، الذي اعتقد كثيرون في البداية أنه شرط ضروري للنجاح.
بالنظر إلى الصعوبة الفظيعة لجميع البدائل، فإنني على ثقة من أن الجهود ستكون نحو أن تشق اليونان طريقها، وتكدح للخروج من أزمتها طالما كان ذلك ممكناً. من المرجح أن يكون هذا منطبقاً في بلدان أخرى كذلك. ستضطر جميع البلدان إلى القبول بفترات طويلة من الركود الاقتصادي. لكن في غياب الطلب القوي في البلدان الأخرى في منطقة اليورو، أو في حالة تراجع أسعار الصرف، فإن كل احتمال من هذين الاحتمالين سيعتمد على القرارات التي يتخذها البنك المركزي الأوروبي، وسيكون من المرجح بدرجة كبيرة أن المسار التنافسي غير التضخمي نحو الازدهار مصيره الإخفاق. بعض البلدان ربما تجد نفسها عالقة في ركود طويل الأمد.
من جانب آخر فإن منطقة اليورو ككل، بعد أن تكون قد خسرت محركات الطلب الداخلي القديمة، لا بد لها الآن أن ترجو حدوث نمو أسرع في صافي الصادرات. وكذلك ستفعل البلدان التي ضربتها الصدمة المالية، مثل بريطانيا والولايات المتحدة.
وستفعل كذلك اليابان التي ضربها الركود الاقتصادي. أخيراً وليس آخراً، سيكون هذا مصير الصين كذلك. إما أن يدخل بقية العالم في طور من فورة الإنفاق، أو أن هذه البلدان (التي تشكل 70 في المائة من الاقتصاد العالمي) ستصاب بخيبة الأمل.
بعض المحللين، الذين يعلمون أنني من المعارضين لعضوية بريطانيا في منطقة اليورو، ربما يفترضون أنني أجد بعض المتعة في هذه الصعوبات التي تلوح في الأفق. على العكس من ذلك، فإنني أخشى من وقوع العواقب الخطيرة. لكن هذه الصعوبات هي بالتأكيد من نوع الصعوبات التي كانت تشعرني بالقلق.
إن وجود عملة مستقلة معظم الوقت ليس إلا نوعاً من الإزعاج. لكن في أحيان كثيرة وبصورة غير متوقعة إلى حد كبير، فإن البلدان بحاجة ماسة إلى صمام أمان، كما يذكرنا دو جراوفه: كانت ثلاثينيات القرن العشرين زمناً يتسم بالحاجة إلى صمام أمان من هذا القبيل. لكن عصرنا الحالي يفرض علينا ما يبدو أنه تحديات مماثلة. الأمور المزعجة تحدث بالتأكيد.
وبعد أن كانت إرادة الأعضاء هي خلق اليورو، لا بد لأعضاء منطقة اليورو الآن أن يتغلبوا على الصعوبات التي تنشأ، حين تحدث الأمور المزعجة، كما هو الحال الآن.

