الآن وقد بدأ الاقتصاد العالمي يتعافى من أسوأ ركود يشهده منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ما الدروس والعبر المستقاة من فترة العام ونصف العام الماضية بالنسبة للاقتصاد السعودي؟
لعل أول الدروس هو اتضاح شدة الترابط بين الاقتصاد السعودي وبقية اقتصادات العالم وبصورة لا تقبل الجدال، حيث لم تنحصر تداعيات الأزمة فقط على الارتجاج العنيف في أسواق النفط والدولار والتجارة العالمية بل امتدت إلى البنوك وسوق الأسهم والتضخم والإنفاق الاستهلاكي وحتى أنماط الادخار في المملكة. كذلك اتضح الدور العالمي المهم للسعودية من خلال عضويتها في مجموعة العشرين التي تعد منتدى لأكبر 20 اقتصاداً في العالم مسؤولة عن صياغة حلول مشاكل الاقتصاد العالمي.
#2#
الدور المحوري للائتمان
ربما كان الأثر الأكثر أهمية بل المفاجئ هو أن نقطة الضعف في الاقتصاد السعودي خلال هذا الركود جاءت مرتبطة بأوضاع الائتمان أكثر من ارتباطها بالنفط. وبالفعل فقد انهارت أسعار النفط خلال النصف الثاني من عام 2008 مسجلة انخفاضاً بلغ 80 في المائة من القمة إلى القاع، لكنها انتعشت سريعاً فقد تضاعف سعر النفط خلال خمسة أشهر مقارنة بالمستويات الدنيا التي سجلها في كانون الأول (ديسمبر) أما اليوم في مطلع عام 2010 فقد أصبح يتذبذب في نطاق ضيق جداً بين 75 دولاراً و 85 دولاراً للبرميل.
ولم يكن لانخفاض أسعار النفط تأثير كبير على الأوضاع المالية الحكومية بل أن أثرها في الاقتصاد الكلي جاء طفيفاً جراء الإنفاق الحكومي الضخم والمتواصل. وكانت الحكومة قد تمكنت من بناء احتياطيات ضخمة من الموجودات الأجنبية لدى مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) خلال السنوات القليلة الماضية التي شهدت ارتفاعات حادة في أسعار النفط، وباشرت تنفيذ برنامج إنفاق طموح يمتد لسنوات وذلك قبل حلول الأزمة المالية. وقد أتاح السحب من تلك الاحتياطيات استمرار الحكومة في خطط الإنفاق قصيرة المدى بغض النظر عن انخفاض أسعار النفط.
وعلى النقيض من ذلك فقد تأثرت أوضاع الائتمان في السعودية بمستوى أكبر مما كنا نتصوره عندما برزت الأزمة المالية، حيث بدا آنذاك أن البنوك السعودية من بين الأفضل عالمياً في مقاومة العاصفة لأنها لم تنكشف بدرجة كبيرة أمام «الأصول المسمومة» التي انتشرت في الغرب ودخلت مرحلة الانكماش وهي تتمتع بسيولة قوية كما أن غياب التسنيد المحلي – إعادة تدوير القروض – أوحى بأن البنوك السعودية كانت على اتصال مباشر مع مقترضيها وبدا أنها قادرة على إدارة المخاطر الائتمانية بصورة جيدة. كذلك استطاعت المصرفية الإسلامية والتي تمثل جزءاً كبيراً من السوق بحكم طبيعتها تفادي المديونية العالية والقروض المهيكلة أو الاستثمار في المؤسسات المالية التقليدية. شأنها شأن البنوك الأخرى في مختلف أنحاء العالم لجأت البنوك السعودية إلى التشدد في معايير الإقراض وعملت على تقليص حجم القروض في الربع الأخير من عام 2008 تحوطا من تعرضها لخفض أسعار موجوداتها وللاطمئنان على سلامة أوضاع المقترضين وخاصة البنوك الأخرى. في هذه الأثناء اتخذت (ساما) إجراءات جريئة وفورية لتبديد تلك المخاوف بينما ما زالت البنوك العالمية الأخرى تتعافى، الأمر الذي حدا بنا لاستنتاج أن الظروف أصبحت مواتية كي ترفع البنوك السعودية معدلات إقراضها إلى القطاع الخاص خلال الفصل الثاني من عام 2009.
لكن تعثر شركتين كبيرتين في أيار (مايو) 2009 أدى إلى أرباك النظام مما أثار تساؤلات بشأن المستوى المطلوب من خفض في قيمة الموجودات وبشأن كفاءة إدارة مخاطر الائتمان لدى البنوك السعودية وكذلك احتمال وجود حالات تعثر تعانيها شركات سعودية أخرى كبيرة. ونتج عن ذلك انكماش في حجم القروض المقدمة من البنوك السعودية إلى القطاع الخاص استمر لعدة أشهر، بينما كان الإقراض في أماكن أخرى من العالم يشهد تحسناً تدريجياً بل وسجّل ارتفاعاً كبيراً في بعض الأسواق الناشئة كالصين مثلاً.
لقد نجم عن مشاكل صعوبة الحصول على القروض وتزايد القلق بشأن سلامة أوضاع البنوك وشركات القطاع الخاص الأخرى تدني مستوى الثقة رغم أن المعطيات الأساسية- ارتفاع أسعار النفط وضخامة الإنفاق الحكومي وتراجع معدلات التضخم وانتعاش الاقتصاد العالمي- تشير إلى سلامة وتعافي الوضع الاقتصادي. وجاء أداء سوق الأسهم السعودية متخلفاً عن الأسواق الناشئة والعالمية منذ أيار (مايو) 2009.
دروس من أسواق النفط
كشفت أحداث عامي 2008 و2009 صعوبة التنبؤ باتجاه أسواق النفط، حيث استهل النفط (خام غرب تكساس) عام 2008 عند مستوى 98 دولاراً للبرميل ثم قفز إلى 147 دولاراً في تموز (يوليو) ثم هبط في نهاية العام إلى 44 دولاراً للبرميل. ولم يكن في مقدور أي محلل اقتصادي أن يعطي تنبؤات معقولة ناهيك عن تقديم تقديرات دقيقة بشأن هذا التذبذب الحاد. وبما أننا ونظراءنا نسعى لتوفير توقعات حول اتجاهات أسعار النفط إلى قرائنا فإن من عِبَر الأزمة المالية هو توخي الحذر من التوقعات خصوصا التي ترمي لتسجيل سبق صحافي.
من الواضح أنه طرأ تغيير أساسي في نقطة تعادل سعر النفط في السوق، فبعدما ظلت الأسعار تحوم حول مستوى 20 دولاراً للبرميل معظم فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي- يرتفع السعر في حالات نقص العرض وينخفض في حالات زيادة العرض- يبدو أنه أصبح لسعر النفط نقطة تعادل جديدة بين مستوى 50 دولاراً و 80 دولاراً للبرميل. وكان هذا التغيير الأساسي قد أخذ يتشكل منذ عام 2003 بفضل النمو الحاد في الطلب من الأسواق الناشئة خاصة الصين. وقد تم اختبار هذا المستوى الجديد أثناء ركود عام 2009 الذي شهد أول انكماش عالمي في الطلب على النفط منذ عقود.
أياً كان المستوى الذي ستكون عليه نقطة التعادل الجديدة لسعر النفط فمن المؤكد أنه لن يعود إلى مستوى 20 دولاراً للبرميل. وتحقق أسعار النفط في نطاقها الجديد المرتفع مستوى مريح من التمويل للحكومة السعودية وغيرها من حكومات الكثير من الدول المنتجة للنفط وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي. وعلى الرغم من أن الإنفاق الحكومي السعودي قد ارتفع بدرجة ملحوظة عام 2009 بينما جاء حجم إنتاج النفط الفعلي أقل كثيراً من الطاقة التصميمية، إلا أن إيرادات النفط كانت ضخمة بحيث لم تسجل الميزانية إلا عجزاً ضئيلاً. وببساطة يعود بعض الارتفاع الجديد في أسعار النفط إلى تكيف النفط كي يحافظ على قيمته من التراجع المتواصل في قيمة الدولار، فقد ارتفعت أسعار النفط بنحو 140 في المائة منذ نهاية عام 2003 بينما انخفضت قيمة الدولار بنسبة 25 في المائة خلال تلك الفترة. لكن معظم الارتفاع في السعر يرجع إلى ازدهار الطلب على النفط من الأسواق الناشئة. وقد أدى تأثير الأزمة المالية وارتفاع أسعار النفط خلال السنوات الماضية والتشدد في سياسات حماية البيئة إلى تراجع الطلب على النفط وسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وبما أن حجم الطلب على النفط لدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قد لا يعود مرة أخرى إلى مستويات عام 2008، فإن معطيات حجم الطلب من الأسواق الناشئة ودول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من جهة وحجم المعروض من مصادر النفط الجديدة من جهة أخرى هي التي ستحدد أمد استمرار سعر التوازن الحالي للنفط في السوق.
التضخم والدولار
عندما ضربت الأزمة المالية الاقتصادات العالمية كان التضخم قد سجل رقماً من خانتين لأول مرة منذ سبعينيات القرن الماضي بلغ 11,1 في المائة عام 2008. في ذلك الوقت كان العاملان الرئيسان للتضخم هما أسعار المواد الغذائية العالمية والإيجارات المحلية. وقد أدى الانخفاض الحاد في أسعار السلع والنقل منذ ذلك الحين إلى إزالة أثر الارتفاع في أسعار المواد الغذائية المستوردة كما أدى تماسك قيمة الدولار إلى خفض أسعار الواردات خلال الأشهر الأولى للأزمة. وتواصل التضخم من فئة الإيجارات الذي يعد عنصراً محلياً صرفاً ناجم عن النقص في المساكن لكن بمعدل أقل. وقد انخفض معدل التضخم إلى 4 في المائة في مطلع عام 2010 في إشارة إيجابية لاستقرار معدل النمو في اقتصاد ما بعد الأزمة مقارنة بالفترة التي سبقتها والتي أخذت تشهد ارتفاعا محموما في وتيرة النشاط الاقتصادي. ونتوقع أن يظل التضخم منخفضاً خلال السنوات القليلة المقبلة نتيجة تعافي الاقتصاد. نتج عن الأزمة تذبذبات حادة في قيمة الدولار، حيث ارتفعت قيمته لفترة في بادئ الأمر جراء لجوء الجميع إليه كملاذ آمن- الشعور بالقلق دفع بهم إلى حيازة أصول مقيمة بالدولار- مما أدى إلى عكس مرحلة طويلة من تراجع قيمة الدولار فضلاً عن إزاحة بعض الضغوط عن السوق. فعلى سبيل المثال أدى الارتفاع السريع للدولار وتراجع التضخم وتنامي حذر البنوك إزاء مخاطر الائتمان إلى وضع حد للمضاربة على الفروقات بين سعر صرف الدولار والريال- الأمر الذي شغل بال الناس والسوق كثيرا قبل الأزمة. ثم عاد الدولار إلى تراجعه عندما بدأ المستثمرون يستعيدون الثقة في مطلع عام 2009 وتحولوا من الحيازات المقيمة بالدولار إلى الأصول ذات المخاطر كالاستثمار في أسواق الأسهم. وقد استقر سعر الدولار الآن قريباً من مستواه الذي كان عليه قبل بداية الأزمة. ولا نلاحظ في الوقت الحالي عودة الضغوط على سعر الربط بين الريال والدولار، ولكن هذا الأمر سيحدث بالتأكيد في حالة واصل الدولار تراجعه. وحالياً ينقسم المراقبون إلى فريقين أحدهما يرى ارتفاع قيمة الدولار خلال عام 2010 بينما يعتقد الفريق الآخر بالانخفاض، وسيعتمد تعزز قيمة الدولار أو تراجعه على مسار الانتعاش في الولايات المتحدة مقارنة بمساره في مناطق العملات الرئيسة الأخرى.
سوق أسهم دائم التعقيد
لعل الدرس الرئيسي لسوق الأسهم السعودية هو أن مؤشر أسعار الأسهم السعودية أصبحت تحركه مجموعة من العوامل أكثر تعقيداً. قبل فترة ليست بالطويلة كان ينظر إلى سوق الأسهم السعودية باعتبارها «مرآة لحركة النفط» حيث كانت سوق الأسهم تذهب أينما ذهبت أسعار النفط. أما اليوم فلم تعد هذه السوق معزولة عما يحدث في أسواق الأسهم العالمية، حيث شهدنا الارتباط القوي لسوق الأسهم السعودية بالأسواق العالمية الأخرى خلال ذروة الأزمة المالية وحتى في الوقت الحالي لا تزال هذه العلاقة قوية. حالياً نرى بعض التأثير المتواضع لدخول المستثمرين الأجانب في السوق السعودية في بعض قطاعات السوق وبصفة خاصة قطاعي البتروكيماويات والبنوك.
كذلك يعكس تعزز علاقة السوق السعودية مع الأسواق العالمية تنامي الطبيعة العالمية لكثير من الشركات السعودية وتعمق واتساع الروابط المالية بين المملكة وبقية العالم. أيضاً أصبحت تطورات محلية وإقليمية بعينها، كتعثر بعض الشركات الكبيرة الذي أشرنا إليه في سابقا في هذا التقرير، تؤثر بقوة في حركة سوق الأسهم. وعلاوة على ذلك أصبحت مواسم إعلان أرباح الشركات بعد نهاية كل ربع من العام أحد العوامل الرئيسة المؤثرة في حركة أسعار الأسهم هنا في المملكة كما في بقية العالم، وذلك بعد تزايد عدد الشركات المدرجة في سوق الأسهم وتحسن مستوى الشفافية وتطور التقارير والأبحاث الخاصة بتقييم الشركات المدرجة.
التبادل التجاري
تأثرت التبادلات التجارية عالمياً ومحلياً بشدة بالركود الاقتصادي، حيث انخفضت الصادرات والواردات غير النفطية على حد سواء لأول مرة منذ عقد من الزمان. وعلى الرغم من أن معظم التراجع كان نتيجة لانخفاض الأسعار إلا أن حجم أو كمية المنتجات شهد هو الآخر تراجعاً، مثال البتروكيماويات وهي من الصناعات التي حققت فيها المملكة الريادة وأصبحت تقدم للعالم منتجات ذات قدرة تنافسية عالية. ولم تنج من هذا التراجع حتى القطاعات غير المرتبطة بالتصدير، حيث نلاحظ أن المستهلكين عمدوا إلى خفض إنفاقهم كرد فعل لانخفاض أسعار الأسهم وصعوبة الحصول على القروض والغموض الذي يكتنف أوضاع الاقتصاد العالمي.
من الصعب رصد نمط الإنفاق الاستهلاكي في المملكة، ولكن هناك سلسلة بيانات واحدة نعتبرها مؤشراً جيداً هي قيمة معاملات نقاط البيع وهي بيانات تنشر شهرياً وتبين المشتريات المحلية التي تتم باستخدام بطاقات الدفع رغم أنها لا توفر صورة مكتملة لأنها لا تشتمل على المعاملات التي تتم نقداً لكنها تشير إلى الاتجاه العام. وقد تراجع النمو في قيمة المعاملات عند نقاط البيع خلال النصف الأول لعام 2009 وسجل أدنى مستوى له منذ فترة طويلة في حزيران (يونيو)، لكنه انتعش بصورة ملحوظة في الربع الأخير من العام. كذلك انخفض حجم الواردات من السلع الاستهلاكية بنسبة 6 في المائة خلال الـ 11 شهرا الأولى من العام الماضي، وبلغ التراجع في واردات السيارات نحو 20 في المائة.
دروس للاقتصاد الكلي
أبدى الاقتصاد السعودي مرونة عالية في التكيف مع الركود الذي ضرب العالم وقد لعبت السياسة التي تبنتها الحكومة دوراً كبيراً في تعزيز هذه المرونةً. وكانت الحكومة السعودية موفقة جداً في بناء احتياطيات ضخمة للاستفادة منها في أوقات الشدة، وبالفعل كانت في منتهى الجرأة في استجابتها للأزمة المالية حيث عمدت إلى خفض أسعار الفائدة بسرعة وبدرجة كبيرة وكانت تقدم الدعم للقطاع المصرفي حسب الحاجة كما رفعت مستويات الإنفاق بصورة كبيرة. وعلى الرغم من أن هذه السياسة التي انتهجتها الحكومة أدت إلى طمأنة الناس بشأن سلامة الأوضاع الاقتصادية، إلا أنها لم تمنع تباطؤ الأداء الاقتصادي الذي نتج عن ضعف ثقة المستهلكين والشركات وهي ثقة تأثرت كثيراً بتدفق الأخبار عن الأوضاع العالمية والمحلية.
كشفت الأزمة المالية أن اندماج المملكة في الاقتصاد العالمي أصبح الآن يتحقق عبر عوامل كثيرة ولم يعد محصوراً في عامل واحد هو سوق النفط. وكان لهبوط أسعار السلع والتذبذب الحاد في قيمة العملة والتراجع الكبير في حجم التجارة العالمية تأثيرات مهمة في الاقتصاد لكن لم تكن كلها سلبية. وقد تم تجاوز مشكلتين رئيستين من مشاكل السياسة الاقتصادية خلال معظم أيام عام 2008 هما ارتفاع معدلات التضخم والمضاربة على سعر الصرف، وفي كلتا الحالتين كانت التغيرات في الاقتصاد العالمي والأسواق العالمية هي السبب وراء المشكلة وفي الوقت نفسه كانت هي الوسيلة لحلها ما يدل على محدودية فاعلية السياسة المحلية. لا شك في أن العلاقة الوطيدة بين المملكة والاقتصاد العالمي لن تتلاشى، وقد كشفت الأزمة المالية مدى تأثر المملكة بالأحداث التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي لكنها أسهمت في الوقت نفسه في رفع مكانتها من خلال دخولها مجموعة العشرين ما أعطاها مقعداً في المنتدى الرئيسي الذي يصيغ السياسة الاقتصادية العالمية وأيضاً من خلال عضويتها البارزة في نادي الدول الناشئة ذات الاقتصادات سريعة النمو.

