في ظل ظروف أخرى، لكان هذا العام هو عام التلذذ بالصعود الطويل والسريع للويد بلانكفين، إذ إن بنك جولدمان ساكس، الذي ترأسه لمدة ثلاث سنوات، لم يبحر خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008 بصورة أفضل من الآخرين في «وال ستريت» فحسب، وإنما من المتوقع كذلك أن يحقق أرباحاً قياسية، ويدفع ما يقارب 23 مليار دولار (16 مليار يورو، 14 مليار جنيه إسترليني) كمكافآت إلى موظفيه البالغ عددهم 31,700 موظف.
بالنسبة لبلانكفين، الصبي من حي برونكس في نيويورك الذي حصل على منحة دراسية، وكانت أول وظيفة له في القطاع المالي في «جولدمان ساكس» هي بيع قطع العملة الذهبية في ذراع تداول السلع هناك، فإنه ازدهر إلى حد لم يكن بالإمكان تصديقه حتى قبل عشر سنوات، حين أصبح البنك شركة عامة. وانتشر تأثيرها في العالم، من نيويورك ولندن، إلى شنغهاي وساو باولو.
الفضل في جزء لا بأس به من نجاح الشركة يعود إلى بلانكفين، الخبير المالي القاسي، والذكي، والمسلّي (يعلق الجميع على تواضعه، وطريقته البارعة في الرد) الذي أعاد توجيه «جولدمان ساكس». وتحت قيادته، تم دفع التداول واتخاذ المخاطر إلى الواجهة، الأمر الذي قلل من نفوذ مستشاريه للمصرفية الاستثمارية.
في عام 2009، على أية حال، واجه «وال ستريت» موجة من الغضب العام إزاء الطريقة التي بقيت بها البنوك التي استطاعت البقاء على قيد الحياة بمساعدة أموال دافعي الضرائب، دون أي تغيير، وغير آسفة. وساهمت ربحية «جولدمان ساكس» ، والشكوك بأن روابطه العميقة مع الحكومات في شتى أرجاء العالم أعطته ميزة غير عادلة، في جعله رمزاً لجشع وتجاوزات «وال ستريت», ووصفه كاتب صحيفة رولينغ ستون، مات تيبي، بأنه «مصاص دماء كبير ملفوف حول وجه البشرية».
لكن بلانكفين عمل جاهداً لدحض الانتقادات بفعالية، وتحول من الإصرار على أن البنك كان سينجو على الأرجح من الأزمة دون مساعدة من جانب الخزانة الأمريكية، إلى الاعتذار عن سلوك مؤسسته، وأخيراً مؤكداً (بعبارة مرحة نموذجياً في نهاية مقابلة له مع صحيفة «صنداي تايمز» بأنه يقوم بعمل خارق).
مع ذلك، عمل على توجيه «جولدمان ساكس» بمهارة كذلك خلال الأزمة، وراهن بشكل صحيح على أن البنوك الاستثمارية العالمية سوف تنجو من الاضطراب (بمساعدة الحكومة)، ولن يقوم المنظمون بحلها. وبدلاً من ذلك، فإن بنكه التزم بنقاط قوته، واستغل، دون خجل، معدلات الفائدة المتدنية، وأزال المنافسة الناتجة عن الأزمة ليحقق أرباحاً كبيرة من التداول.
لجميع هذه الأسباب، الإيجابية والسلبية، اختارت «فاينانشال تايمز» لويد بلانكفين شخصيتها لهذا العام. فقد جعلته وظيفته وشخصيته الوجه العام في «وال ستريت» خلال أكثر الفترات تعرضاً للاختبار منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
#2#
هذا ليس تبنياً محضاً، سواء لبلانكفين، أو «جولدمان ساكس»، البنك الذي انتقدته «فاينانشال تايمز» في العام الماضي. وبدلاً من ذلك، إنه اعتراف بأن بلانكفين وبنكه احتلا مكان القيادة في عالم التمويل، بينما سقط الآخرون على الجوانب.
أما بلانكفين الذي رفض إجراء مقابلة بخصوص هذا المقال، فإنه النقيض المباشر للمصرفي الممل. وهو يفتخر بنفسه بسرعة بديهته، ويقول الزملاء إن الطريقة الأسهل لإثارته هي أن تقول له أن شخصاً آخر في «جولدمان ساكس» أكثر إضحاكاً منه.
يقول جون ماك، رئيس بنك مورجان ستانلي، أقرب منافس لبنك جولدمان ساكس: «لويد رجل ذكي، ومنخرط فعلياً، وذو طاقة عالية، ومسلٍّ وسريع ــ سريع للغاية».
الصفة الأكثر قيمة التي يمتلكها بلانكفين هي قدرته على التكيف التي مكنته من الصعود بسرعة داخل البنك. وساعدت «جولدمان ساكس» كذلك قبل الأزمة، حين اكتشف أن الأوراق المالية للقروض العقارية المقدمة إلى ضعاف الملاءة كانت تسوء، وقطع مراكزه، بينما قال آخرون لأنفسهم إن الأسواق كانت مخطئة.
يقول ستيفن شوارزمان، الرئيس التنفيذي لـ»بلاكستون»، مجموعة الأسهم الخاصة: «لويد شخص سريع التعلم للغاية، وقادر على التكيف بشكل استثنائي. وهو يرى العالم كما هو إلى حد كبير، وليس كما يحب هو أن يكون. ويأتي ذلك من خلفيته الشخصية حسبما أعتقد شخصياً».
ولد بلانكفين عام 1954 لموظف البريد في برونكس، سيمور بلانكفين. وهاجرت عائلة بلانكفين إلى الولايات المتحدة من أوروبا الشرقية خلال ثمانينات القرن التاسع عشر، وازدهرت في البداية في صناعة الألبسة في نيويورك، ولكنها عانت بعد ذلك خلال الكساد العظيم.
انتقل والداه إلى شرق نيويورك، وهي الآن منطقة كئيبة ومتداعية من بروكلين، وعاش في إسكان ليندن، مشروع الإسكان العام. ودرس بلانكفين في مدارس منها مدرسة ثوماس جيفرسون الثانوية، حيث استطاع الدخول - والحصول على المساعدة المالية ــ إلى جامعة هارفارد.
إحدى الخبرات المؤثرة التي حصل عليها بلانكفين هي اكتشافه أنه حين تقاعد والده من خدمة البريد الأمريكي إلى ولاية فلوريدا، احتلت مكانه آلات التصنيف. وبعد ذلك طاردت بلانكفين صورة والده وهو يعمل بكد في وظيفة أصبحت فعلياً زائدة عن الحاجة.
كانت خلفيته استثنائية في «جولدمان ساكس». وأسس البنك ماركوس جولدمان في عام 1869 كمتداول أوراق تجارية، ويكتب تشارلز إيليس في صحيفة «بارتنرشيب» عن تاريخ جولدمان، أن سيدني واينبرغ، الشريك المبكر الأكثر تأثيراً، ركب قطار الأنفاق في نيويورك ، واعتاد أن يقول بفخر: «إنني صبي من بروكلين من المدرسة العامة 13».
بعد أن تخرج في كلية الحقوق من جامعة هارفارد، حصل بلانكفين على أول وظيفة له في دونوفان، ليزيور، نيوتون آند إيرفين، وهي شركة للمحاماة أسسها شخص محب للتقاليد الإنجليزية، ورسخ تقاليد تقديم الشاي والبسكويت بعد ظهر كل يوم. وبعد فترة أربع سنوات في الشركة (بما في ذلك عامين في لوس أنجلوس يقدم الاستشارات إلى شركات هوليود حول الضرائب)، أصبح معنياً بالتمويل.
رفضه «جولدمان ساكس» و»مورجان ستانلي» حين قدم طلباً ليعمل كمصرفي استثماري، ولكنه وجد طريقة للدخول من الباب الخلفي حين عينته بدلاً من ذلك شركة جيه أرون لتداول السلع. وبحلول الوقت الذي انضم فيه إلى الشركة في عام 1982، استحوذ «جولدمان ساكس» على «جيه آرون».
تسلق بلانكفين جانب التداول صعوداً في «جولدمان ساكس في الوقت الذي ساهم فيه ذلك بحصة متزايدة من العوائد، وأصبح الرئيس التنفيذي في عام 2006 حين تم تعيين هانك بولسون وزيراً للخزانة الأمريكية. وبحلول ذلك الوقت، كان بلانكفين يجادل «جولدمان ساكس» إزاء إزالة الحدود بين مجالات الاستثمار، والاستشارة، والتداول لديه.
ذهب البنك في الاتجاه الذي أراده، وربح بشكل هائل من الأمر: بحلول عام 2007 وصل صافي عوائد «جولدمان ساكس» إلى 46 مليار دولار، جاء منها مبلغ 31 مليار دولار من التداول والاستثمار في رأسماله الخاص، وكانت مكافأة بلانكفين 54 مليون دولار. وحين أصبح «شريك» جولدمان – أحد كبار مديريه البالغ عددهم 400 مدير – كان ذلك الطريق المعتمد على نحو أكثر للوصول إلى الثروة الكبيرة في «وال ستريت».
لم يعرف عن بلانكفين تبذيره الواضح. ومعظم ثروته مربوطة بأسهم «جولدمان ساكس» ــ تبلغ قيمة ممتلكاته حالياً نحو 615 مليون دولار ــ على الرغم من أنه يعيش في شقة تبلغ قيمتها 26 مليون دولار في 15 سنترال بارك ويست، وهي عمارة شققية تفضلها شخصيات «وال ستريت». ويمتلك كذلك بيتاً في ساجابوناك في هامتونز والذي اشتراه عام 1995.
لديه القليل من الاهتمامات الخارجية، ولكنه يقرأ كثيراً ــ كان تخصصه الرئيس في التاريخ في «هارفارد»، وبقي متحمساً للتاريخ ــ ومحكماً متحمساً لجائزة «فاينانشال تايمز وجولدمان ساكس» أفضل كتاب متخصص في قطاع الأعمال للعام. ويمارس السباحة والركض ليحافظ على لياقته البدنية على الرغم من أن وزن جسمه متقلب.
يخصص بعض الوقت للأعمال الخيرية، بما في ذلك رئاسته لفريق عمل في جامعة هارفارد لتقديم المساعدات المالية. وتقول درو غيلبن فوست، رئيسة جامعة هارفارد: «كان صوتاً مؤثراً حول ما تعنيه المساعدات المالية. وكان تعليمه مهماً في حياته».
على أية حال، فإن معظم طاقة وتفكير بلانكفين منصبان على وظيفته. ويقول ماك: «يشعر كما يشعر أي شخص آخر، بمسؤولية كبيرة على عاتقه بصفته قائد بنك جولدمان ساكس».
حتى قبل الأزمة، فإن تأكيد «جولدمان ساكس» على التداول بدأ يسبب القلق. وعمل غاري كوهن، الرئيس الوحيد لبنك جولدمان ساكس الآن، لدى «جيه آرون»، لذا فإن التوازن بين المصرفية والتداول – الذي جسده ستيفن فريدمان، وروبرت روبين، حين ترأسا «جولدمان ساكس» معاً في أوائل تسعينيات القرن الماضي ــ ألغي تماماً.
أما الأزمة ــ على وجه الخصوص قرار بولسون لتسوية المليارات من مقايضات التخلف عن السداد الائتماني التي يمتلكها «جولدمان ساكس» وآخرون مع المجموعة الأمريكية الدولية «أيه آي جي»، شركة التأمين، دون فرض أية خسائر ــ فقد حوّلت هذه الشكوك إلى غضب عام. وفاقمت حقيقة أن العديد من شركاء «جولدمان ساكس»، بمن فيهم بولسون وروبين، دخلوا الحكومة بعد ترك البنك، الشكوك بأن لديهم روابط شبه ودية مع السياسيين.
بدا أن بلانكفين يحتفظ بدعم كبار كادره الوظيفي. وساعدت الأرباح القياسية التي حققها البنك هذا العام في ذلك، على الرغم من أن النتائج كانت مائلة إلى جانب ما: في أول تسعة أشهر حقق البنك مكاسب تبلغ 23.8 مليار دولار كصافي عوائد من التداول والاستثمارات الرئيسة، و3.2 مليار دولار من المصرفية الاستثمارية.
يقول روي سميث، وهو شريك سابق لدى «جولدمان ساكس»، ويعمل الآن أستاذاً في جامعة نيويورك، إن بلانكفين حصل على ثقة العديد من الشركاء السابقين بالتصرف بهدوء إزاء الأزمة المالية. ويتذكر ملاحظات بلانكفين في اجتماع مع إحدى المجموعات في نيويورك قبل عام مضى.
يقول الأستاذ سميث: «قال إنها كانت فترة مريعة، ولكن الشركة ما زالت تملك الكثير من الأشخاص الأذكياء والمخلصين، وجميع رأس المال الذي تحتاجه. وربما يتوجب عليها أن تتكيف بطرق مختلفة، ولكنها فعلت ذلك في السابق. ولاقى ذلك استحساناً من جانب الأشباح القديمة في المؤسسة».
السؤال المطروح هنا هو: إلى أين سوف يأخذ «جولدمان ساكس» من هنا؟ وفي عام 2009، عبر عن الأسف بسبب الماضي ــ قال في خطاب ألقاه في شهر تشرين الثاني (نوفمبر)،: «شاركنا في أمور من الواضح أنها كانت خاطئة، ولدينا سبب للأسف. ونحن نقدم اعتذارنا». واستجاب إلى الغضب العام بشأن الرواتب بتغيير هيكل المكافآت لكبار التنفيذيين لبنك جولدمان ساكس بحيث يتم منحها بواسطة الأسهم التي لا يمكن بيعها إلا بعد مرور خمس سنوات على امتلاكها.
لغاية الآن، على أية حال، فإنه يبدي إشارات قليلة إزاء تغيير الاستراتيجية الأساسية لبنك جولدمان ساكس (أو رغبته في أن يدفع لموظفيه أقل). وعلى الأرجح أن تفرض التغييرات التنظيمية في الكونجرس – ومن منظمي البنوك الدوليين في بازل ــ معايير أعلى لرأس المال على تلك البنوك التي يحكم عليها بأنها «أكبر من أن تفشل»، وتجعل الأمر أكثر صعوبة. ويقول الأستاذ سميث: «ربما يجب على بنك جولدمان ساكس أن يقوم ببعض التكيفات التقليدية، وتقسيم بعض الأمور بدلاً من إبقاء كل شيء تحت ميزانية عمومية مقيدة».
يعرف بلانكفين بشأن التكيف بحسب الظروف المتغيرة أفضل من أي شخص آخر. فقد استولت الآلة على وظيفة والده السابقة، وتم إغلاق مدرسته الثانوية القديمة في شرق نيويورك بسبب الأداء السيئ في عام 2007، وانحلت شركة المحاماة في مانهاتن التي كان يعمل بها سابقاً، بسبب عدم قدرتها على التنافس مع المنافسين في عام 1998. ولا شيء يدوم دون أن يحدث تغيير، حتى «جولدمان ساكس».


