بين مصر وماليزيا كرتان .. واحدة للعب وأخرى للجد
أول ما تقابل الزائر إلى مصر لوحة مكتوب عليها «ادخلوها آمنين». وأنا اليوم أريد أن أدخل مصر آمنا كما دخلها بنو يعقوب «ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ». وسورة يوسف التي أستقي منها هذه الكلمات، وما أجملها من كلمات، هي في مجملها خطاب أيديولوجي مذهل تحليله قد يحتاج إلى كتاب للوصول إلى الأسرار التي يخزنها. وقد أحصيت المرات التي يرد فيها فعل الاقتباس «قال أو قالوا» فوجدت أنه قد تم ذكره 73 مرة في 111 آية وهو مستتر لمرات عصي علي إحصاؤها. فالسورة ذاتها، بجانب قصتها الرائعة، عبارة عن مقاربة وحوار أيديولوجي بين أصوات ومواقف ودروس إنسانية شتّى.
وفي رسالة اليوم سأحاول أن أجري مقاربة أو حوارا أيديولوجيا بين مصر وماليزيا شبيها بالحوار والمقاربة التي أجريناها بين دبي وسنغافورة. ما دعاني إلى القيام بذلك هو هبّة مصر الكروية وما وقع بينها وبين الجزائر. وكمتابع ومختص في الشؤون العربية والإسلامية لا أخفيكم سرا إن قلت إنني صعقت لما شاهدته وسمعته عن هذه المباراة الكارثة. كم كان بودي أن تهبّ مصر وتلحق ماليزيا بمباراة الاقتصاد والسياسة لا أن تجري وراء الجزائر في مبارة كرة منفوخة.
وماليزيا لها في نفسي مكانة خاصة، وأسبابها قد تذهل القارئ. أولا، إنها تنقذني من الإحراج الذي أقع فيه عند دفاعي عن الإسلام في المحاضرات التي ألقيها والمؤتمرات التي أحضرها حول العالم وذلك بالاستشهاد بها كبلد متطور وعملاق اقتصادي ومسلم في الوقت نفسه. يسعفني ذكرها لأنني دائما أتعرض إلى سؤال عما إذا كان هناك في العالم بلد إسلامي عصري ومتطور. ثانيا، إن ماليزيا من البلدان التي دخل الإسلام إليها ولم تصلها الفتوحات. الماليزيون أسلموا، شأنهم شأن الشعوب المسلمة في جنوب شرق آسيا، بعد أن أخذ التجار المسلمون بألبابهم من خلال صدقهم وأمانتهم ووفائهم وإنسانيتهم في التعامل وقرآنهم الذي لا يميز بين البشر إلا بالتقوى والتقرب إلى ما يرضي الله.
سكان ماليزيا نحو 25 مليون نسمة مقارنة بمصر التي يبلغ عدد سكانها نحو 83 مليون نسمة. قاد نهضة ماليزيا مهاتير محمد الذي تسلم الحكم في عام 1981 وغادره بصورة دستورية ومؤسساتية سَلِسة في عام 2003. والإدارة الحالية في مصر تسلمت الحكم في عام 1981. حوّل مهاتير ماليزيا إلى قوة اقتصادية إقليمية في فترة حكمه وأصبحت مركزا للصناعات ذات التقنية العالية ووضع أركان سياسة اقتصادية تعرف اليوم في عالم الاقتصاد والمعرفة بـ «النموذج الماليزي». وفي عهده ارتفع مستوى المعيشة أكثر من 20 ضعفا والآن أصبح الفقر في هذا البلد ذي الأغلبية المسلمة تقريبا من ذكريات الماضي. والمشاريع العملاقة التي نفّذها مهاتير أكثر من أن تحصى مما رفع معدل دخل الفرد إلى أكثر من 15 ألف دولار.
وسألت عالم الاقتصاد السويدي سورن أريكسون عن مكانة ماليزيا في العالم، قال: «ماليزيا نمر اقتصادي حقيقي». وسألت أريكسون، الذي يزور ماليزيا عدة مرات في السنة لمحاورة القائمين على إدارة دفة اقتصادها، قال: «اقتصاد ماليزيا في أيدي مجموعة من أذكى علماء الاقتصاد في العالم يتّبعون سياسة اقتصادية متينة أساسها الشفافية والأمانة والإخلاص مكنت البلد من عبور الأزمة الاقتصادية التي حلت بجنوب شرق آسيا بأمان دون الاعتماد على المؤسسات المالية الغربية مما أذهل العالم وأصبح درسا يحتذى».
فلا تستغرب عزيزي القارئ إن قلت لك إن الناتج القومي الإجمالي (بسعر الصرف) في ماليزيا يبلغ نحو 222 مليار دولار بينما المصري يبلغ نحو 163 مليار دولار، مع الفارق الهائل في السكان. نسبة السكان تحت خط الفقر في ماليزيا تقريبا معدومة، أما في مصر فتصل إلى أكثر من 20 في المائة. ماليزيا تخصص 6.2 في المائة من ميزانيتها للتعليم ونسبة الأميين تبلغ نحو 10 في المائة فيها. مصر تخصص 4.2 في المائة للتعليم وتبلغ نسبة الأمية بين النساء أكثر من 40 في المائة. وتبلغ نسبة الوفيات لكل ألف ولادة حية في مصر تقريبا ضعفها في ماليزيا.
ماذا منح هذا التطور البديع ماليزيا من مزايا عدا الاقتصادية منها؟ منحها دورا بارزا في السياسة الدولية ومكّنها من أن تدلي بدلوها في شؤون العولمة بطريقة وأسلوب تحسدها عليه كل الدول الإسلامية. ومن منا لا يتذكر الانتقادات الحادة التي كان مهاتير محمد يطلقها ضد العولمة وسياسة الغرب الاقتصادية وإداناته العلنية لسياسات إسرائيل في المحافل الدولية مما كان يوقعها في حرج كبير.
ولأنني طلبت الدخول إلى مصر آمنا، آمل أن يتسع صدر شعبها لهذه المقارنة وآمل أيضا أن يستفيدوا من «النموذج الماليزي» والذي لا أعتقد أن الماليزيين سيبخلون على إخوانهم المصريين به. كرة القدم لعبة رشيقة وممتعة ولكن الاهتمام المؤسساتي بها بهذا الشكل لا يعطي مؤشرات مشجعة للمستقبل وإلا كيف يعقل أن مصر العظيمة حتى هذه اللحظة تفتقد تداولا مؤسساتيا للسلطة؟!
وإلى اللقاء








8 تعليقات
أحسنت يا أستاذ ليون .
لقد وضعت يدك على الجرح بحق . كم أتمنى أن تستفيد حكوماتنا و شعوبنا من النموذج الماليزي فالعالم العربي و الإسلامي يحتاج إلى صحوة كبرى تخرجه مما هو فيه من ظلمات متراكمة إلى نور مشرق مبلج .
أحب أن أشير أنني من المتابعين لمقالاتك و أتمنى أن تواصل نهجك الجميل بارك الله فينا وفيكم .
بيض الله وجهك
بدأت نهضة مصر مع اليابان ثم تخطتها اليابان... بعدها تزامنت مع كوريا الجنوبية فتقدمت كوريا الجنوبية وبقيت مصر مكانها... الآن تقارن مصر مع ماليزيا التي كانت تبيع المطاط وزيت النخيل فمضت قدما وبقيت مصر مكانها ايضا.... لك الله يامصر ... وقاتل الله الفساد.
مرحباً بك آمناً بإذن الله في مصر وفي ماليزيا وفي السعودية وفي كل بلد مسلم تحل ضيفاً فيه .. شكراً لك دوماً على كلماتك الصادقة التي باتت في عالم اليوم أعز ندرة من الألماس.
مقالة رائعة وشكرا على المقارنة الصادقة التى في محتواها نصيحه مخلصة للدول العالم العربي والاسلامي و التى تأن من أثر الفساد فقد استشرى الفساد في اغلب الدول ولكن بنسب متفاوته , للاسف حتى اسرائيل سبقتنا بمقدار الشفافيه و نسبة الفساد الاداري فيها , نعم يجب ان نتعلم من ماليزيا ومن غيرها حتى من عدونا اسرائيل فمن مصلحة اعداء الامة وخاصة اسرائيل أن يبقى الفساد متفشيا في دولنا فهلا استيقظنا من سباتنا هلا تمسكنا بديننا الاسلامي بصدق حتى ننقذ انفسنا
الصحف التي تحترم نفسها وقراءها تستكتب مثل الأستاذ ليون
رغم التقدم الماليزي الذي يشيد به الكثيرون وبمهاتير ودستوريته عند مغادرة السلطة, لكن مصر عدد سكانها 83 مليون بينما ماليزيا 25 مليون فقط, أي أنهم يحتاجون لرعاية أكبر , هذا الفرق هو سبب تقدم ماليزيا اذا ما قورنت بمصر, كما أن مصر التي تتمتع بكفاءات اقتصادية أيضا ربما تفوق ماليزيا لكن باعتبارها بلد عربي محاطة بهموم قومية وخلافات شتى وجيران صهاينة, لكن هذا لا يقلل من المقال ولا يشكل خلافا.
انا لادفع عن مصر لتى اعشقة اولا نسية او تنسية ان مصر ولعالم لعربي يرزح تحتى صراع مرير بين صهيونية ولغرب معها وبين سرقة مقدراتنا وحروب تشعل من قبل الغرب الغرب هو سبب تخلف مصر وحتى الدول العربية ممن صرع يهدا حتى يشعل صراع ولصهيونية ولغرب هو السبب ام تنضير سهل سنغافور بعيدة عن لصرع حتى لو كانت مسلمة ان مشكلتنا كاعرب هي حتلل فلسطين وذا اراد احد ان ينمي البلدنا العربية علية ان يحل صراع العربي حتى نتفضا لتنمية وتطور اما عربدة اسرئيل وتييد الغرب لة هذا لتخلف وسلام .