الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

مع سعي شركات النفط الصينية المملوكة للدولة إلى إبرام صفقات خارجية أكبر فأكبر، تتنامى المخاوف حول مدى النفوذ الصيني في البلدان النامية لكن حقيقة الأمور أعقد من ذلك. في شارع ذي أشجار وارفة في مدينة ألمآتي التي تبعد بضع مئات الأميال عن حدود كازاخستان مع الصين، يخضع المقر الفخم لشركة النفط الوطنية الصينية لحراسة مشددة. وخلف مصاريعه المغلقة، وضع مسؤولو النفط الصينيون استراتيجية للفوز بمحفظة ضخمة من أصول الطاقة الكازاخية من أجل سد حاجة بلدهم من النفط.

بدأت الصين بشكل سري بشراء حقول النفط الكازاخية منذ عشرة أعوام ولديها الآن من مشاريع الطاقة قيد التنفيذ في هذا البلد الذي يقع في منطقة آسيا الوسطى أكثر من أي بلد آخر. وبينما تخشى شركات النفط الغربية الكبرى من مخاطر تنفيذ مشاريع البنى التحتية المكلفة في أماكن مغمورة، أقدمت الصين بشجاعة على إنشاء خط للأنابيب بطول ثلاثة آلاف كيلومتر لجعل حقول النفط في كازاخستان حكراً عليها.

خطوات كهذه هي التي عززت المخاوف من حدوث صدام بين الغرب والصين حول النفط. وقد استخدم كل من جون مكين وباراك أوباما هذا التهديد أثناء حملة الانتخابات الرئاسية في العام الماضي في الدعوة إلى مزيد من الاستقلال في مجال الطاقة. ويخشى المتشائمون من التنفيذيين العاملين في المجال النفطي أنه لن يكون بمقدورهم منافسة الشركات الصينية الغنية التي تدعمها الحكومة وأنه سيتم إخراجهم من آخر الرقع النفطية القليلة الموجودة.

وتبدو هذه الورطة أكثر كآبة في ضوء التحذيرات الصادرة عن جهات من بينها الوكالة الدولية للطاقة التي تعد العين الساهرة على الطاقة بالنسبة للبلدان الغنية، تلك التحذيرات التي تقول إن العالم سيشهد أزمة نفطية ثانية في منتصف العقد المقبل.

وفي مؤتمر عقد الشهر الماضي، تحدى كريستوفي دي مارجري، الرئيس التنفيذي لشركة توتال الفرنسية، غيره من التنفيذيين العاملين في المجال النفطي أن يدحضوا نظريته القائلة بأن العالم لن يكون قادراً أبداً على أن ينتج أكثر من 100 مليون برميل من النفط يومياً- وهي كمية تزيد بنسبة 20 في المائة على الكمية الحالية – لأن الكثير من الاحتياطيات المتبقية توجد في بلدان لا ترغب أو غير قادرة على السماح لشركات النفط الدولية بأن تستخرجها.

وفي بعض المناطق، وخاصة آسيا الوسطى، تحقق الطموحات الصينية النتائج المرغوبة وتتغلب بكين في المناورة على كل من روسيا وأوروبا الغربية. ولكن بالنسبة للرواسب النفطية الموجودة في أماكن نائية، فإن استعداد الصين الجديد لتشكيل شراكات مع شركات النفط الدولية يدل على أن أسوأ مخاوف تنفيذيي النفط الغربيين لم تصبح حقيقة واقعة.

إن استعداد الصين للاستثمار في خطوط الأنابيب لجلب النفط والغاز الموجودين في منطقة آسيا الوسطى إلى عتبة بابها أعطاها ميزة في السباق للفوز بموارد هذه المنطقة النائية. كما أنه يمثل تحدياً لسيطرة روسيا على طرق التصدير التي تنطلق من المنطقة – ما دفع موسكو إلى تفعيل خططها المعلقة لمد خطوط الأنابيب إلى الصين.

وسيكون بمقدور الصين أن تشتري نسبة تصل إلى 20 في المائة من صادرات هذه الجمهورية التي كانت تابعة للاتحاد السوفياتي السابق في نهاية العام الحالي عندما يتم ربط خط للأنابيب يضخ النفط فعلاً من وسط كازاخستان إلى الحدود الصينية مع الحقول القريبة من بحر قزوين. ويبلغ الناتج النفطي الذي تسيطر عليه الصين من كازاخستان نحو 300 ألف برميل في اليوم، وهو يوازي أكثر من ربع مجموع الإنتاج الصيني من النفط في الخارج.

وعلى سبيل المقارنة، تستهلك بولندا نحو 20 مليون طن من النفط سنوياً. وتعزيزاً لقبضتها على نفط المنطقة، قدمت الصين لكازاخستان قرضاً قيمته عشرة مليارات دولار (ما يعادل 6.1 مليار جنيه استرليني ، 6.8 يورو) في هذا العام يتم تسديده عن طريق الإمدادات النفطية مستقبلاً وعلى شكل أسهم في إحدى الشركات الكازاخية التي تعمل في إنتاج النفط. وقام صندوق الثروة السيادية التابع لبكين في الآونة الأخيرة بشراء حصة نسبتها 11 في المائة في شركة كازموناي للتنقيب عن الغاز المدرجة في لندن والتي تملك حصة الأغلبية فيها شركة النفط التابعة لدولة كازاخستان.

ويعد السودان بلداً آخر حققت فيه بكين نجاحات على صعيد الإنتاج. ذلك أن الصين تنتج نحو 255 ألف برميل في اليوم في ذلك البلد الذي يقع شمال شرق إفريقيا.

إلا أن الخلافات السياسية تشكل تهديداً لهذا الاستثمار. إذ أن جزءاً كبيراً من النفط الذي تسيطر عليه الصين هناك يتم ضخه من حقول تقع في الجنوب إلى المصافي الموجودة في الشمال. ومن المتوقع أن يصوت جنوب السودان على الاستقلال عن نظام الخرطوم في الاستفتاء الذي سيجري في عام 2011، أو أن يقاتل من أجل الحصول عليه قبل موعد الاستفتاء- الأمر الذي قد يؤدي إلى توقف الإمدادات وإلى قطع الطريق المؤدية إلى ميناء الشحن.

ولكن حضور الصين في بقية البلدان الإفريقية أصغر كثيراً من حضور الشركات الغربية التي تتجنب العمل في السودان. وتحرز شركاتها تقدماً تدريجياً فقط لأن الاعتبارات السياسية وقوة الشركات المترسخة هناك تقف في طريقها.

وفي الحقيقة، في كثير من أجزاء العالم، وعوضاً عن أن تصبح قوة مهيمنة، بدأت شركة سنوك Cnooc وشركة النفط الوطنية الصينية وشركة ساينوبك، وهي شركات النفط الرئيسة الثلاث التي تملكها الدولة في بكين تتعلم أن الجيوب العميقة والعمالة الرخيصة والاستعداد للنظر إلى الجانب الآخر ليست كافية للتغلب على عقبة الدخول في السباق النفطي بعد قرن من بدئه.

ورغم استعدادها لإبرام الاتفاقيات مع الأنظمة الحاكمة الموجودة في بورما، وإيران، والسودان، وغينيا، فإن الصين لا تسد إلا 14 في المائة من احتياجاتها عبر الإنتاج الخارجي، وفقاً لشركة وود مكنزي الاستشارية في صناعة النفط.

وتقول كلير وونج - لو من شركة بي إف سي للطاقة، وهي شركة استشارية أخرى: ''لوتم شحن كل الكمية التي تنتجها شركات النفط الوطنية الصينية في الخارج إلى الصين، فإنه لن يسد إلا جزءاً يسيراً فقط من احتياجاتها.'' ورغم أنها تتوقع أن تزداد أنشطة تلك الشركات في الخارج،''سوف تتنامى العقبات السياسية في الكثير من المناطق لأن البلدان تعتبر أنها تشكل تهديداً للوظائف والموارد المحلية''.

إن نطاق الطموحات الصينية واستعداد شركاتها لمنافسة شركات الطاقة المترسخة من أمثال ''رويال دوتش شيل'' و''إكسون موبيل'' يتضحان في العرض الذي تقدمت به شركة سنوك لشراء ستة مليارات برميل من احتياطيات النفط النيجيرية.

إن هذه الكمية التي تدور المنافسات حولها تمثل واحداً من كل ستة براميل من الاحتياطيات النيجيرية وجزء كبير منها مرتبط بعقود على وشك أن تنتهي وتعود إلى شركات النفط الغربية الرئيسة. وقد ظهر بعد ذلك بأسبوع فقط أن الشركة كانت مستعدة لمنافسة شركة إكسون موبيل التي تعتبر أكبر شركة للطاقة في الغرب من أجل السيطرة على حقل اليوبيل في غانا، والذي يعتبر أكبر حقل نفطي بحري في إفريقيا.

ولكن هذا الأمر ما زال في مجال الطموح. فقد حاولت كل من نيجيريا وغانا التقليل من احتمال حصول شركة سنوك على ما تريد.

من جانبها، قامت شركة ساينوبك في آذار (مارس) الماضي بأضخم عملية استحواذ على شركة نفطية في العالم عندما أنفقت مبلغ 6.7 مليار دولار لشراء شركة أداكس، وهي شركة يوجد مقرها الرئيس في سويسرا ولديها عمليات في نيجيريا، والجابون وفي المنطقة الكردية شمالي العراق. ولكن شركة ساينوبك دفعت ثمناً غالياً. فقد قامت بغداد التي يوجد نزاع بينها وبين كردستان حول كيفية تقاسم الثروة النفطية بإخراج شركة ساينوبك من الائتلاف الذي حصل في الشهر الماضي على حق تطوير حقل الزبير.

وفي نيجيريا، تشكل الاعتبارات السياسية تهديداً للاتفاقيات الصينية. ذلك أن حكومة لاجوس تقوم بإعادة النظر في الاتفاقيات التي أبرمتها الشركات الصينية مع النظام السابق. وقد أعطت تلك الاتفاقيات للشركات الآسيوية حق الأولوية في تنفيذ المشاريع النفطية مقابل تعهدها بتطوير البنى التحتية مثل مصفاة كادونا، ومد خط حديدي من لاجوس إلى كانو وإنشاء محطة لتوليد الكهرباء بواسطة القوة المائية في مدينة مامبيلا.

ويقول رلوانو لقمان، وزير النفط النيجيري، إن الحكومة الجديدة تحقق فيما إذا كانت المشاريع الموقعة بموجب اتفاقية النفط مقابل البنى التحتية تخدم أفضل مصالح البلد، وخصوصاً بعد أن فشلت عدة شركات في الوفاء بتعهداتها. وأضاف أن ''الأمر مطروح للنقاش. إننا ننظر إلى بعض المشاريع لتحديد ما إذا كنا بحاجة إلى استبدالها بمشاريع بنى تحتية أخرى تناسبنا أكثر''.

وفي أنجولا، حققت الصين وجوداً أكبر مما حققته في جزء كبير من البلدان الإفريقية الأخرى. فقد قدمت البنوك الصينية لهذا البلد الذي مزقته الحروب قروضاً تصل إلى 15 مليار دولار بأسعار فائدة متدنية وفترة سداد طويلة، كما أنه تم البدء بتنفيذ 120 مشروعاً في الأعوام الخمسة الماضية بفضل المساعدات المالية والفنية التي قدمتها الصين، وذلك وفقاً للتقديرات الصادرة عن مؤسسة شاثام هاوس الفكرية. وتدل الإحصائيات الصينية أن 50 ألفا من رعاياها عملوا في مشاريع مشتركة للبنى التحتية في أنجولا العام الماضي.

وتستورد الصين منذ عام 2007 من النفط الأنجولي – 18 في المائة من احتياجاتها- أكثر مما تستورده من أي بلد آخر. وقد حصلت شركاتها على حصص في مشاريع التنقيب والإنتاج التي تقودها الشركات الغربية هناك. ولكن حتى أنجولا أصبحت أكثر تطلباً، في محاولة منها للابتعاد عن القروض التي يتم سدادها بالنفط وتصر على أن يوظف المستثمرون الأجانب مزيداً من العمالة المحلية ويستخدموا المعدات المحلية.

ولاحظ أنجوس ماكوس، مدير التنقيب في شركة تالو، وهي شركة نفط مدرجة في لندن ولديها عمليات واسعة في غانا وأوغندا أن الشركات الصينية التي تعمل في المناطق الإفريقية النائية أصبحت ناضجة. إذ يقول: ''ليس سراً أن بعض المشاريع الأولى التي شارك فيها الصينيون في إفريقيا لم تسر على ما يرام لأنهم لم يستخدموا كثيراً من العمال المحليين. وفي اعتقادي أنهم أدركوا أخطاءهم. لقد تعلموا منهم بسرعة''.

وفي شركة توتال، يعتقد دي مارجري أن التجارب التي مرت بها الشركات الصينية جعلتها أكثر انفتاحاً على تكوين شراكات مع شركات النفط الغربية، ويقول مارجري في هذا الصدد: '' اكتشفتْ أن الأمر ليس سهلاً جداً. لقد أنفقت أكثر مما كان ينبغي أن تنفق.'' ويضيف قائلاً: ''عندما تكون المنطقة قريبة من الصين، فإنهم قد يظلون عدوانيين ويرغبون في تنفيذ المشاريع وحدهم. ولكن في المناطق الأخرى، سيكونون عمليين أكثر.''

ولعل أوضح مؤشر على سلوك طريق بنّاء الى الأمام يتمثل في ما تم بين شركة برتيش بتروليوم البريطانية وشركة النفط الوطنية الصينية في العراق. ففي الشهر الماضي، أصبحت الشركتان أول فريق يحصل على حق تطوير حقول النفط العراقية بعد أكثر من 30 عاماً على تأميم البلد لصناعته النفطية. وسوف تعمل الشركتان في حقل الرميلة العملاق في العراق لزيادة إنتاجه من نحو مليون برميل في اليوم حالياً إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً.

ستقدم شركة بريتيش بتروليوم الخبرة الفنية والمعرفة الموجودة لديها كونها هي التي اكتشفت الحقل في عام 1952 ودرسته عن بعد خلال السنوات القليلة الماضية. وستعمل شركة النفط الوطنية الصينية على تخفيض نفقات المشروع التي تتراوح من عشرة إلى عشرين مليار دولار. وسيقوم الصينيون بذلك عبر تزويد ''منصات الحفر، والصمامات، والأنابيب، والخزانات وأحواض التصفية''، حسب تعبير توني هيوارد، الرئيس التنفيذي لشركة بريتيش بتروليوم، أخيراً.

إن تأمين الأدوات الأساسية لهذه الصناعة في شراكة ستضيف مليوني برميل في اليوم من الإمدادات للأسواق العالمية وتؤمن إيرادات تمس الحاجة إليها للعراق ربما يكون أمراً بعيداً عن صدام الحضارات. ورغم ذلك، فإن طموح الصين والخطوات المتقدمة التي قامت بها في الخارج يعتبران تذكِرة بأن الصين جادة تماماً بشأن خروجها من حالة الفقر. وبغض النظر عن مدى تقدمها، ستكون الصين في حاجة إلى النفط الإضافي في العقود المقبلة أكثر من أي بلد آخر في العالم.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية