اعترف ألن جونسون، وزير الداخلية، أخيرا بأن الحكومة «لم تكن بارعة» في معالجة الهجرة. وهذا تقليل بريطاني لحجم القضية. فقد كانت الحكومة غير نزيهة: اتبعت سياسة متطرفة بعواقب وخيمة على أسس ضعيفة، ودون القيام بأي حوار جدي في هذا الشأن. ولهذا السبب يظهر الحزب الوطني البريطاني على شاشة تلفزيون بي بي سي.
استطاعت الحكومة الإفلات بعدم نزاهتها هذه، لأن الهجرة تعتبر «العائق الثالث» في السياسة وقليلون هم الذين يرغبون في مناقشة الموضوع علناً. لكن إجراء بعض المناقشات أمر أساسي، لأن السياسات الحالية لها تداعيات كبيرة. ويجب تقييم هذه التداعيات ومناقشتها علناً، فتلك هي الطريقة الديمقراطية.
بناءً على ذلك، لنبدأ ببعض الحقائق.
#2#
أولاً، بحسب أرقام الحكومة، من المحتمل أن يصل عدد سكان المملكة المتحدة إلى 70 مليون نسمة بحلول عام 2030. وستشكل الهجرة 70 في المائة من الزيادة، بشكل مباشر ومن خلال معدلات الولادة للآباء المهاجرين. والافتراض هنا أن صافي التدفق إلى داخل المملكة المتحدة سيستمر بواقع 190 ألف مهاجر سنوياً، وربما يكون أعلى. وكانت الحسابات الحكومية تميل في الماضي إلى الاستهانة بمعدل الهجرة. ثانياً، في ظل حكومة العمال ارتفع صافي الهجرة الأجنبية من 107 آلاف مهاجر عام 1997 إلى 333 ألف مهاجر عام 2007. ووصل إجمالي صافي التدفق إلى الداخل، إذا حسبنا الهجرة من جانب المواطنين البريطانيين، إلى 237 ألف مهاجر عام 2007. وكان إجمالي صافي التدفق إلى الداخل من جانب المواطنين الأجانب خلال الفترة ثلاثة ملايين مهاجر، أو قرابة 5 في المائة من السكان. ويجب أن نضيف إلى هذا الرقم أعداد المهاجرين بشكل غير قانوني، التي يمكن تخمينها بنحو 620 ألف مهاجر.
ثالثاً، هيمن صافي الهجرة من خارج الاتحاد الأوروبي، والذي يخضع من حيث المبدأ إلى المراقبة على صافي الهجرة إلى الداخل: كانت الهجرة تجري بنحو 200 ألف مهاجر سنوياً منذ عام 2000. ويشكل الساعون إلى اللجوء السياسي قسماً صغيراً من الإجمالي. ومن بين أعداد الداخلين من خارج الاتحاد الأوروبي، ارتفع العدد بسبب الزواج من 20 ألف شخص إلى نحو 40 ألف شخص، وبسبب تلقي تصاريح للعمل من نحو 20 ألف شخص سنوياً في أوائل تسعينيات القرن الماضي إلى نحو 130 ألف شخص سنوياً.
رابعاً، نحو 40 في المائة من الزيادة المتوقعة في عدد الأسر سيكون سببها الهجرة. وفعلياً، فإن أكثر من نصف طلبة مدارس وسط لندن لديهم لغة أم بخلاف اللغة الإنجليزية. ومن شأن استمرار الهجرة أن يغير السكان من عدة نواحٍ.
هذه التغييرات مهمة، لكن هل هي مرغوبة؟ يجادل البعض بالقول إن من الخطأ من حيث المبدأ رسم خطوط اعتباطية عبر الكرة الأرضية ويجب أن يسمح للناس بالعيش أينما يرغبون.
إن الدخل الفعلي للفرد في المملكة المتحدة يزيد بنحو خمسة أضعاف المتوسط العالمي. ويجب أن يفترض المرء أن التدفق إلى الداخل بموجب قوانين الهجرة غير الصارمة، يمكن أن يكون بعشرات الملايين، إذا لم يكن بالمئات. وليس من الصعب تخيل تأثير ذلك.
أنا شخصياً لا أجد صعوبة في المجادلة بالقول إن الهجرة امتياز وليست حقا. ويوافق معظم الناس على ذلك. إننا نحتاج وبشكل لا مفر منه، إلى التقرير بشأن كيفية السيطرة على الهجرة – وبحسب أي مبادئ يكون ذلك. ووجهة نظري هي أن مصالح المواطنين الموجودين لها وزن حاسم، رغم أن علينا كذلك أن نعطي وزناً لمصالح المهاجرين.
دعونا ندرس ثلاثة اعتبارات رئيسية: اقتصادية، وبيئية، واجتماعية.
الحجة الاقتصادية هي التي لجأت إليها الحكومة مراراً بدعم من قطاع العمل. ومع ذلك هناك نذر ضئيل للغاية من المنافع الاقتصادية الصافية المتأتية للسكان الحاليين من الهجرة. وتعتمد الفائدة الموجودة على الخصائص الاقتصادية والاجتماعية للمهاجرين. وعلاوة على ذلك، التأثير الاقتصادي يجب أن يشمل عددا من الجوانب، بما في ذلك تكاليف البيوت الجديدة والبنية التحتية.
وكلما زاد عدد السكان، تصبح البلد أكثر ازدحاماً. والصحيح هو أن إنجلترا – البلد الأكثر كثافة سكانية في أوروبا، بعد مالطا – ليست «مليئة تماماً». ووفقا لحساباتي الشخصية، سيكون عدد السكان 700 مليون إذا كانت الكثافة السكانية كما هي في لندن. ورغم ذلك، فإن التأثير الناشئ عن استيعاب زيادة سكانية تبلغ نحو عشرة ملايين نسمة ــ ما يعادل سبع مدن مثل بيرمنغهام ــ سيكون مهماً. وهذا صحيح تحديداً في بلد لا يرغب في توسيع مخزون المنازل، أو الاستثمار في البنية التحتية. وفي وقت يندر فيه مال القطاع العام ستكون الصعوبات هائلة.
إن التنوع يجلب منافع اجتماعية، لكنه يجلب التكاليف كذلك. وتنبثق هذه التكاليف من تراجع الثقة وزوال الشعور بالقيم المشتركة. ومن المحتمل أن تكون مثل تلك التكاليف عالية تحديداً عندما يحتشد المهاجرون في مجتمعات ترفض بعض قيم المجتمع الأوسع نطاقاً، ليس أقلها بشأن دور المرأة في المجتمع. وليس من غير المنطقي الشعور بالقلق بشأن مثل تلك الانقسامات. وأنا شخصياً قلق بهذا الشأن.
بشكل مختصر، يجب تقديم الحجج التي تأتي لصالح استمرار السياسات الحالية، ولم تحاول الحكومة على الإطلاق أن تفعل ذلك. وعليها علاوة على ذلك أن تعتمد أكثر بكثير على الاعتبارات الاجتماعية الأوسع نطاقاً من الاعتبارات الاقتصادية: الرغبة المتأصلة في مملكة متحدة ذات مجتمع متعدد الخواص وبعدد أكبر من السكان. وفي الأجل الطويل سوف تصبح المملكة المتحدة أشبه إلى حد كبير بالولايات المتحدة. وما إذا كانت ستفعل ذلك بشكل ناجح، فإنها تبقى مسألة مفتوحة للنقاش إلى حد كبير. ولندع الحكومة تفعل ذلك، لكن إذا فشلت يجب أن يتحول الجدل إلى كيفية إبطاء التدفق إلى الداخل.


