الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

ربما تكون هرطقة، لكن ماذا لو تبين أن أزمة الشح الائتماني هي صدمة عرض أكثر منها صدمة طلب؟ فبينما يبدو أن الأسواق تركز على إمكانية استمرار تحلل المستهلكين من ديونهم وعلى ضعف نمو الاستهلاك لسنوات عديدة، فإن ما يستوقفنا هو أن المستثمرين يخاطرون بنسيان أن الشركات، وليس المستهلكين، هي السبب الرئيسي للركود في 2009.

الحكمة التقليدية تقول إن هذا الركود كان في جوهره فقاعة إسكان أعقبها انفجار. لكن هذه وجهة نظر ضيقة جداً. فإذا حللتَ انخفاض الناتج المحلي الإجمالي لهذا العام في الولايات المتحدة وفي منطقة اليورو واليابان لوجدت أن السبب الرئيسي لذلك هو انهيار إنفاق الشركات وليس انهيار إنفاق المستهلكين. فقد تم خفض الإنفاق الرأسمالي بقسوة وانخفضت مستويات المخزون. ولذلك ربما تكون الشركات، وليس المستهلكين، هي التي تمسك بمفتاح شكل الركود ومدة ديمومته. وفي اعتقادنا أن الشركات استفادت كثيراً من وفرة معروض الائتمان وسوء تسعيره في سنوات الطفرة. وربحت الشركات متعددة الجنسيات من تكلفة رأس المال المنخفضة للغاية، وهرعت البنوك كي تقدم لها الائتمان بالفرنك السويسري والين الياباني لمساعدتها في تمويل سلاسل الإمداد الضعيفة، الطويلة، التي بدت صيغة رابحة أثناء الاعتدال العظيم. وزيادة على ذلك، فإن «تكلفة رأس المال المنخفضة» هذه قدمت الدعم لكثير من الاتفاقيات الخاصة بتمويل البائعين، التي قامت الشركات المنتجة بموجبها بتقديم الائتمان لعملائها كي يشتروا منتجاتها، ما جعل خطوط الإيرادات تبدو أكثر قابلية للتوقع مما كان عليه الحال في واقع الأمر.

وانهار أنموذج الأعمال هذا مع انهيار بنك ليمان براذرز. وارتفعت تكلفة رأس المال على الشركات ارتفاعاً شديداً (على افتراض أنك تستطيع الحصول على أية أموال) وتبخرت الاتفاقيات الخاصة بالتمويل المقدم من الجهات البائعة عندما أصبحت التصنيفات الائتمانية الخاصة بالعملاء موضع شك. وحدث هذا بسرعة كبيرة لدرجة وجدت معها الشركات أن لديها مخزوناً فائضاً في وقت لم تستطع فيه الحصول على الائتمان. وفي محاولة يائسة للمحافظة على النقد، قامت بتخفيض توزيعات الأرباح، وخفض عدد الوظائف والنفقات الرأسمالية. وعندما فشلت هذه الإجراءات توقفت عن الإنتاج بصورة مؤقتة كي تصفي ما لديها من مخزون. وهكذا، فإن الفشل الذي مني به بنك ليمان براذرز أدى إلى حدوث نقص في العرض العالمي على طول سلاسل الإمداد عندما كانت تتم تصفية المخزون ويتم صرف النظر عن مشاريع الإنفاق الرأسمالي.

غير أن التعافي الاقتصادي يمكن أن يشكل تحدياً أكبر لسلاسل الإمداد الهشة هذه: فكما سيقول لك أي محاسب، فإن إحدى الطرق المؤكدة للتوقف عن أن تكون مبعث قلق مستمر هو ألا يكون لديك أي شيء تبيعه. وعندما ينخفض المخزون إلى مستويات متدنية حرجة، ستجد الشركات عندما تتقدم للحصول على طلبيات جديدة، أن الشركات الموردة لها ليس لديها مخزون هي الأخرى – وهو أنموذج يتردد صداه في سائر سلسلة الإمداد. وفي عملية التدافع التي تعقب ذلك بحثاً عن الموارد، نخشى حدوث ارتفاع في التضخم الهامشي، وبخاصة في أوساط القطاع الصناعي. إن مؤشراتنا الخاصة بتدفق الأخبار التي تصدر عن جهات معينة، تظهر أن هناك قلقاً بشأن التضخم أكثر مما نتوقعه عادة في ضوء عمق الركود. هل اضطرت الشركات بسبب أزمة الائتمان إلى خفض طاقتها الإنتاجية بشكل مفرط؟ إذا كان الحال كذلك، فإن حجم الطاقة الإنتاجية الاحتياطية في الاقتصاد ليس كبيراً كما كان يعتقد في البداية، ما يعني أن الضغط الانكماشي سيكون أضعف مما كان يتوقعه المتفائلون بشأن السندات. وستكون مفاجأة كبيرة إذا تبين أن ما كانوا يعتبرونه صدمة طلب سلبية هو صدمة عرض سلبية. إن أحد أكبر المخاطر المترتبة على ذلك هو أن نرى استواء لمنحنى العوائد ترتفع فيه عوائد السندات في المدى القصير بشكل أسرع من ارتفاعها في المدى الطويل.

ولذلك، يمكن أن يشهد العام المقبل بداية بعض التحديات الأساسية لنماذج عمل الشركات العالمية غير المالية. وكبداية، يتعين على الشركات أن تبدأ التفكير في كيفية إعادة ذلك العرض إلى وضعه السابق. ولأن أصحاب العمل حصلوا على أكبر قدر من المكاسب الإنتاجية من القوة العاملة الموجودة لديهم حالياً، فيمكن أن يكون هناك اندفاع لإعادة توظيف العمال. ومن المتصور تماماً أن ينخفض معدل البطالة في الولايات المتحدة عام 2010، الأمر الذي من شأنه أن يشكك في الآراء التي أجمعت على أنه سيكون هناك «تعاف في أعداد العاطلين عن العمل».

وسيكون التحدي الثاني هو إعادة بناء وإنقاذ سلاسل إمدادها، غير أن ذلك يعتمد على ماهية التمويل المتاح. ففي أعقاب أزمة الشح الائتماني سيقل معروض القطاع الخاص من التمويل العابر للحدود كثيراً، وبخاصة كلما ابتعدت الشركات عن سوق بلدها. وفي مواجهة هذه التحديات ربما تفكر الشركات في نقل سلاسل إمدادها إلى مكان أقرب لبلدها – ولذلك، فإن نقل سلاسل الإمداد إلى مكان قريب من الوطن، وليس إلى خارج الوطن، ستكون الجملة التي تتكرر على مسامعنا في 2010.

وأخيراً، ستجد الشركات أنها تواجه أجندة تنظيمية مختلفة جداً عندما يقوم العلماء بإقناع الساسة بالحاجة إلى تقليل الانبعاثات الكربونية. لن يترتب على الشركات أن تعيد سلاسل إمدادها إلى وضعها السابق وأن تنقلها إلى مكان قريب من الوطن الأم فحسب، بل سيتعين عليها أن تعيد هندسة مخزونها من رأس المال كي تكون أكثر صداقة للمناخ. ولعل الوقت قد حان كي نتوقف عن القلق بشأن المستهلك ونركز أكثر على الكيفية التي سيعيد بها قطاع الشركات بناء مخزونه من رأس المال، والكيفية التي سيتم بها تمويل عملية إعادة البناء تلك.

الكاتب خبير استراتيجي عالمي لدى Absolute Research Strategy.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية