الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

في سعيها إلى النمو الاقتصادي بدلاً من تخفيض العجز، فإن المستشارة تجازف بولايتها الثانية على نجاح السياسات التي طالما رفضتها، ولا تزال تعترف بأنها ربما لن تنجح

كونها ابنة مبشر لوثري، فلا يحتمل أن تكون تكون أنجيلا المستشارة ميركل شخصية مجازفة. ولكن في الوقت الذي تستعد فيه المستشارة الألمانية لقيادة أول تحالف من يمين الوسط في بلادها منذ أكثر من عقد من الزمن، فإنها تجازف بولايتها الثانية برهان اقتصادي جريء.

اعترفت أنجيلا إلى حد كبير بذلك الأسبوع الماضي حين كشفت عن اتفاق التحالف، أو خارطة طريق السياسة التي وقعتها مع الحزب الديمقراطي الحر الذي يمثل شريكها الحاكم الجديد. وقالت: ''لا توجد ضمانة بنجاح ذلك، ولكن هناك فرصة''.

أثناء مواجهتها للمشكلات المتناقضة المتمثلة في التفريغ السريع لخزائن الدولة، واقتصاد ما زال يتراجع ببطء عن انكماش هذا العام، اختارت المستشارة المستشارة ميركل محاربة الأزمة بحقن الأموال بحجم غير مسبوق. ويخطط التحالف ''الأسود – الأصفر'' الجديد بين حزبها الديمقراطي المسيحي، والحزب الديمقراطي الحر، إلى تخفيض مستوى الضرائب المفروضة على الدخل والشركات بنحو 24 مليار يورو (35 مليار دولار، 21 مليار جنيه إسترليني) سنوياً حتى عام 2013 – بما يعادل نحو 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

قالت المستشارة ميركل حين قدمت خطتها: ''إن مجرد الادخار، والمزيد من الادخار، والادخار، لن يأتي علينا بالنفع. ولهذا السبب قررنا أن نتبع طريقاً يركز على النمو'' بدلاً من التركيز على إصلاح الميزانية الاتحادية.

رغم أنها كانت حذرة بعدم وصفه بالحافز المالي الثالث، إلا أن ذلك فعلياً هو ما تقترحه المستشارة ميركل لأكبر اقتصاد في أوروبا.

إذا نجح هذا البرنامج – محور اتفاق التحالف – فإنه كفيل، على الصعيد النظري، بتحسين النمو، وإنقاذ الوظائف، وتوليد وظائف جديدة، ويساعد في توفير مساهمات الأمن الضريبي والاجتماعي اللازم لإعادة النظام إلى البيت المالي في ألمانيا. وإذا فشل، فسوف تشهد برلين هوامشها للمناورة وهي تصبح مقيدة مجدداً.

يأتي المنطق الأساسي للخطة من خبرة المستشارة ميركل في فترة رئاستها الأولى، والتي أعاد خلالها تعافٍ ملفت للنظر في قطاع الوظائف ملء المحفظة العامة، بل حتى أنه أتاح لنظام التأمين الاجتماعي توليد أرباح معتبرة، على الرغم من أنها مؤقتة. وفي أحسن حالاتها، فإن وكالة العمل الاتحادية التي تدير برنامج تأمين العاطلين عن العمل، لديها احتياطات نقدية تصل إلى 50 مليار يورو.

مع ذلك، لأن المستشارة اختارت تفادي تخفيض الإنفاق الذي من شأنه أن يقلل تكاليف التخفيضات الضريبية – ولكنه كذلك يقلل قوتها التوسعية – فإن المخاطرة هي أن الهبات السخية سوف تدفع العجز الاتحادي إلى نحو 100 مليار يورو في العام المقبل. وسوف يكون ذلك أكثر بنحو ضعفي الذروة التي وصلت إليها المتمثلة بمبلغ 40 مليار يورو حين كانت ألمانيا تعمل جاهدة لمحاربة تكاليف إعادة التوحيد في ظل حكومة يقودها حزب الاتحاد المسيحي الديمقراطي في عام 1996. بدلاً من أن تكون أول مستشار ألماني يوازن الميزانية الاتحادية منذ 40 عاماً – طموحها حين تم انتخابها للمرة الأولى في عام 2005 – فالأرجح أن يسجلها التاريخ كالشخص الذي ولد أكبر عجز في الميزانية على الإطلاق.

#2#

من السهل التقليل من شأن نطاق هذا التحول في الإدراك بالنسبة للمستشارة ميركل، المعروفة طوال مسيرتها السياسية بأنها مدافع قوي عن المنهج المالي. وحتى بداية الأزمة المالية كان نموذجها للدور الاقتصادي، حسبما قالت في مؤتمر لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في العام الماضي، ''ربة البيت من ضاحية سواب'' التي لا تنفق أكثر مما تجني أسرتها.

وحين تكشفت الأزمة، انتقدت بقوة الحكومات الأخرى بسبب تدابيرها التوسعية، واتخذت الخطوة غير العادية إلى حد كبير والمتمثلة في انتقاد الولايات المتحدة، وبريطانيا، والبنوك المركزية الأوروبية بسبب سياساتهم النقدية المتراخية. وحذرت قائلة إن هذه التدابير سوف تزرع بذور أزمات المستقبل.

قالت المستشارة ميركل للـ«فاينانشيال تايمز» في شهر آذار (مارس) الماضي: ''لم تحدث هذه الأزمة لأننا أصدرنا القليل للغاية من الأموال، ولكن لأننا ولدنا النمو الاقتصادي بالكثير للغاية من الأموال، ولكنه لم يكن نمواً مستداماً... وإذا أردنا أن نتعلم من ذلك، فإن الحل هو ألا نكرر أخطاء الماضي''.

على أية حال، فحين خاطبت أول اجتماع للوزارة في الرئاسة الجديدة خلال الأسبوع الماضي، قيل أن المستشارة ميركل دافعت عما يرفضه الكثيرون بأنه تغيير تام، بالإشارة إلى ''الحالة الاقتصادية المتحدية بشكل استثنائي'' للبلاد وسط ما يتوقع أن يكون تراجع بنسبة 5 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي لهذا العام.

على أية حال، يواجه غيرد لانجوث، وزير سابق من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وكاتب السيرة الذاتية للمستشارة ميركل، الانتقادات بشأن السياسة الجديدة بالقول إن المستشارة تبدي مرونة فكرية في أوقات استثنائية. ويقول: ''إنها شخص يحل المشكلات بشكل عملي، بإحساس ليس له مثيل بالنسبة لروح العصر''. من جهة أخرى، يقول نقاد المستشارة ميركل منذ فترة طويلة داخل معسكرها السياسي، إن هذا ما هو إلا مجرد أحدث تحول لقائدة ألقت بمبادئها خارج النافذة. وبعد التخلي عن طموحات الضمان الاجتماعي، وخطط إصلاح سوق العمل اللذين أيدتهما في عام 2005، فإنها تتخلى الآن عن اعتقادها في الحذر المالي.

حين سلمت خطابات التعيين إلى أعضاء الوزارة الجديدة في الأسبوع الماضي، عمل هورست كوهلر، الرئيس – وعضو حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الذي عملت المستشارة ميركل بمشقة هذا العام لإعادة تعيينه – على حث المستشارة ''للعمل باتجاه هدف تقليل ديون الدولة''. وفي وثيقة داخلية تم تسريبها في اليوم ذاته، كتب وارنر شناباوف، المدير العام لاتحاد صناعة بي دي آي BDI، الصديق التقليدي لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، قائلاً إن المؤسسة يجب أن ''تشجيع الحكومة على الاستمرار في عملها بواسطة المبادئ الأساسية للسياسة المالية المنطقية، وتشجيع النمو المستدام والتشغيل''. وأضاف شناباوف، وهو وزير سابق من حزب الاتحاد الاشتراكي المسيحي، الحزب الشقيق لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في إقليم بافاريا: ''كان ينبغي أن يتضمن اتفاق التحالف إشارات على الأقل بشأن تدابير الادخار المستقبلية''. وزاد اتحاد بي دي آي من تحذيراته خلال نهاية الأسبوع. الأمر الذي يشكل تهديداً على نحو أكثر، هو أن مسار الحكومة الجديدة يدق بالمزيد من أجراس الخطر بعيداً. وحث أكسل ويبر، رئيس الـ ''بندزبانك'' (البنك المركزي) Bundesbank، برلين على البدء في كبح الإنفاق في عام 2011، وقال إن عليها العمل على تلبية المتطلبات المالية الأوروبية. وقال في خطاب ألقاه في برلين: ''يجب أن يكون شعار هذا البرلمان هو التضامن''.

قال جان كلود- جونكر في لوكسمبورغ، الذي يرأس المجموعة الأوروبية التي تضم وزراء مالية 16 بلداً، مردداً المخاوف التي عبرت عنها المفوضية الأوروبية في الأسابيع الأخيرة من أن ألمانيا تضع نموذجاً مالياً سيئاً لباقي القارة: ''إن عناصر التضامن غير ممثلة في اتفاق التحالف''.

المعارضة السياسية للتدابير في البلاد تجازف بآفاق المستشارة ميركل للدفع بالتشريع في البرلمان. وحيث إنهم خائفون على مواقفهم المالية في وقت تشهد فيه حكوماتهم انهياراً في العوائد الضريبية على الشركات، فإن العديد من رؤساء الولايات في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي- بمن فيهم أولئك من ولايات بادن – ورتيمبيرغ، وساكسوني – أنهالت، وساكسوني – حذورا بأنهم قد لا يدعموا التخفيضات الضريبية في مجلس الشيوخ.

كما لو أن الأمر جاء للتأكيد على التحذيرات، فإن تسعة من أعضاء البرلمان من تحالف المستشارة ميركل، لم يمنحوها أصواتهم حين صادق مجلس الشيوخ على تسلمها منصب المستشارية في نهاية الشهر الماضي، الأمر الذي منحها أغلبية بأحد عشر مقعداً فقط. وجاء التصويت، حسبما قال أحد أعضاء البرلمان، ''قريباً من منطقة الخطر''.

اهتزت المستشارة بشكل واضح لغياب الدعم. وبعد تناول وجبة العشاء مع والديها، والتي تتكون من شوربة البطاطا والنقانق خلال وجبة غير لافتة للنظر كانت أشبه بطقس اعتذار، منه إلى احتفال، قالت إنها احترمت ''أولئك الذين لم يصوتوا لي''. في كافة الأحوال، حسبما يقول مساعدو المستشارة، فإن خيارات سياساتها الاقتصادية تعرضت لهجوم مستمر في السابق – بشكل رئيس من جانب لندن، وباريس، وواشنطن – ولكنها أثبتت صحتها في النهاية.

في العام الماضي، تضررت صورتها على المسرح العالمي حين ظهرت في البداية مترددة بشأن إدارتها للأزمة المصرفية والاقتصادية. ومع ذلك، فإن قراراتها النهائية – عملية إنقاذ بنكي بمبلغ 500 مليار يورو، و 80 مليار يورور على شكل حافز مالي، ومساعدات أجور سخية لأصحاب العمل لإبقاء العمال الذين هم ليسوا بحاجة إليهم في وظائفهم – ناجحة لغاية الآن. وعاد الاقتصاد الألماني إلى النمو في الربع الثاني، وبقي سوق العمل محمياً بشكل رائع من أكثر هبوط وحشية منذ الكساد العظيم.

يجادل مسؤولو المستشارة ميركل كذلك بالقول إن جانباً كبيراً من التخفيضات الضريبية المخطط لها سوف يفيد الشركات، وكذلك الأمر بالنسبة للقرار بتجميد مساهمات التأمين الاجتماعي من جانب أصحاب العمل لفترة أربع سنوات – وهي ضمانه لم تُقدم إلى الموظفين. وهذه التدابير، حسبما يقولون، لا تهدف إلى دعم النمو بواسطة الطلب، وإنما إلى حماية التنافسية العالية للمصدرين الألمان – والتي تم كسبها بصعوبة. وعلى الرغم من أنه سوف يتم منح إعفاءات إلى المستهلكين مبدئياً على الواجهة الضريبية، إلا أنه سوف تتم دعوتهم في نهاية المطاف لإصلاح مصادر تمويل نظام الضمان الاجتماعي.

على الأرجح أن يكون تعيين المستشارة ميركل لولفغانغ شاوبل، وهو خبير متشدد من حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، ورئيس الحزب سابقاً ومعروف بشأن منهجه المالي، كوزير مالية، بمثابة إشارة إلى أن التشديد سوف يكون بلا شفقة حين يأتي في نهاية المطاف. وسعت إلى جانب شاوبل إلى طمأنة معسكر المنهج المالي في الأيام الأخيرة، حيث أكد كلاهما على أن النطاق النهائي للتخفيضات الضريبية سوف يتقرر بعد مراجعات متكررة لوضع الميزانية، وربما يحتاج إلى تعديل. وقالت المستشارة ميركل يوم تعيينها: ''لا يمكنني أن أضمن الحجم حتى آخر رقم عشري. وسوف نحاول تطبيق ما اتفقنا بشأنه، وبالطريقة التي اتفقنا عليها''.

ألمح بعض المسؤولين إلى أن برلين قد تكون أكثر استعداداً للإعلان عن تخفيضات محتملة في الإنفاق، ولا تلقى شعبية بعد الانتخاب الحاسم لغقليم شمال الراين – ويستفيليا في شهر أيار (مايو)، والذي سوف يحدد ما إذا سوف تحتفظ المستشارة ميركل بأغلبيتها الشحيحة في مجلس الشيوخ.

في كافة الأحوال، حسبما يقول المساعدون، تشير مشاهد الحالة الأسوأ لعجز القطاع العام إلى رقم كلي يبلغ 4 إلى 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في العام المقبل – ليس رقماً عالياً بشكل استثنائي في القارة الأوروبية في يومنا هذا. وحسبما يقولون، فإن احتمال أن تنهار ألمانيا بسبب ثقل دينها العام يبقى أكثر بقليل من مجرد خيال علمي.

إن الاقتصاديين أكثر حذراً. وفي مذكرة تم نشرها الأسبوع الماضي، قالت إيلجا بارتسيتش إن خطة الحكومة يمكن أن تزيد النمو في الأجل القريب، ولكن يمكنها أن تنشر المزيد من الخطر في المستقبل ما لم يتم الاتفاق على التخفيضات في الإنفاق. تتمثل إحدى المخاطر في أن أي طرق جديدة للإنفاق بحرية في أكبر اقتصاد في أوروبا بمقدورها أن تشجع البنك المركزي الأوروبي على رفع معدلات الفائدة بشكل أسرع مما سيفعل بخلاف ذلك. وإضافة إلى ذلك، فإن أي حافز بعد عام 2010، حسبما كتبت بارتسيتش، ''قد يكون غير فعال في زيادة الطلب إذا أصبح الجمهور قلقاً بشأن استدامة السياسة المالية في الأجل الطويل''. يبدو أن المستهلكين الذين يدخرون الآن المزيد من دخلهم مقارنة بأي وقت آخر منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، يشاركون في هذا التشكيك. وأظهر استطلاع نفذته شركة فورسا في الأسبوع الماضي أن نسبة 22 في المائة ترحب بالتخفيضات الضريبية، بينما قالت نسبة 69 في المائة إنها إستراتيجية محفوفة بالمخاطر. خلال الأعوام الأربعة الماضية، غالباً ما أبعدت المستشارة ميركل الشكوك بوضع اللوم على الصعوبات في التوصل إلى اتفاقات، واتخاذ قرارات صعبة في تحالف من المعارضين السياسيين. وبعد أن قايضت التحالف الكبير السابق مع أعضاء الحزب الديمقراطي الاشتراكي، مقابل حكومة وسط اليمين من اختيارها الخاص، فلن يكون لديها أي مبرر على الإطلاق إذا فشلت.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية