الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

بعد التصديق على معاهدة لشبونة، البحث جار الآن عن رئيس للمجلس الأوروبي. وبدلاً من المصادقة على أحد المرشحين، أود أن ألقي نظرة على أصعب المشاكل التي يحتاج الرئيس الجديد إلى أن يساعد في حلها. ومن شأن ذلك وحده استبعاد عدد من المرشحين الذين يدور الحديث حولهم.

لا بد من منح الأولوية إلى ثلاث قضايا. أولا، يجب منح الأولوية لإصلاح نظام إدارة الأزمات غير الكفوء لدى الاتحاد الأوروبي. إدارة الأزمة الاقتصادية في العام الماضي شهدت إخفاقاً على المستويات كافة. وكانت المفوضية الأوروبية غائبة بصورة ملحوظة بعد انهيار ليمان برذرز. ويعود ذلك جزئياً إلى ضعف الإدارة، بينما يرجع في جانب آخر إلى الهياكل الداخلية للمفوضية الأوروبية.

من حالات الغياب الواضحة كذلك غياب مجموعة وزراء المالية الأوروبيين، برئاسة جان كلود جونكيير، رئيس وزراء لوكسمبورج، وأحد المرشحين غير الرسميين لمنصب رئاسة المجلس الأوروبي. وكان يمكن أن تكون هذه المجموعة الأوروبية هي المكان الطبيعي لتنسيق صفقات الحافز المالي بين أعضاء منطقة اليورو.

حين ضربت الأزمة، لم يكن لدى الزعماء الأوروبيين ترتيب مؤسسي يمكن له أن يفرض استجابة منسقة. وحين التقوا في قمتهم أخيراً، كانت معظم الاستعدادات قد تمت على مستوى ثنائي، الشيء الذي كان يعني أن ينتهى الأمر بالجميع وهم يلجأون إلى السياسات الوطنية.

هذه الأمور هي التي ألحقت الأذى بالسوق الأوروبية الداخلية وبسمعة أوروبا على النطاق العالمي. ولم يكن الحافز الاقتصادي الشامل الذي برز أخيراً صغيراً للغاية بالضرورة من حيث مجموعه، لكن كان معظمه هيكلياً وليس دورياً، إضافة إلى أنه سيئ من حيث التنسيق. وفي ظل غياب التنسيق بخصوص استراتيجيات الخروج من الأزمة، فما الذي تتوقع أن يتم إنجازه.

لذلك إحدى أهم الخصائص التي ينبغي لنا أن نبحث عنها في رئيس المجلس الأوروبي هي قدرته على رصد الأزمات قبل وقوعها، وأن يحلل بشكل دقيق الإجراءات التي ينبغي اتخاذها على مستوى الاتحاد الأوروبي، وأن يتولى الإعداد التفصيلي قبل اجتماعات المجلس، وأن يعمل على إيجاد واقتراح إمكانيات التوصل إلى حل وسط، وكذلك جعل الزعماء مثل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ينخرطون في إجراءات مشتركة.

والمشكلة الثانية من حيث الأهمية في النظام الحالي، فهي غياب تركيز السياسات على المستوى الاستراتيجي، إذ تتغير رئاسة المجلس الأوروبي في الوقت الراهن مرة كل ستة أشهر. وتضغط كل رئاسة على المضي في المشروعات المحببة لديها. وبينما توجد بعض الآليات لضمان الاستمرارية بين الرئاسات الدورية، إلا أنه قد لا يكون هناك ما يكفي من التوجه الاستراتيجي لتنفيذ السياسات بما يتجاوز الأفق قصير الأجل. وإذا كان من أمل لأن يتحرك الاتحاد الأوروبي باتجاه تمثيل خارجي مشترك لدى جهات مثل صندوق النقد الدولي، مثلا، فمن المحتمل أن يلعب رئيس المجلس دوراً قيادياً.

وثمة مشكلة مرتبطة بذلك، وهي بحاجة ملحة إلى الحل. إنها الرغبة الخاصة لدى بعض الدول الأكبر حجماً في الاتحاد الأوروبي في التعامل مع السياسات الأوروبية من منطلق وطني بحت: أنظر إلى المعونات المالية المعادية للتنافسية التي قدمتها ألمانيا إلى شركة أوبل للسيارات. ومن الواضح أن المفوضية الأوروبية أضعف من أن تواجه مثل هذه التوجهات. وبالتالي إحدى المهام الأولى لأول رئيس للمجلس الأوروبي تتمثل في زيادة حدة وصقل التركيز على الاتحاد الأوروبي، وإيقاف بعض الميول والتوجهات التي تفضل التركيز على الذات الضيقة.

المشكلة الثالثة إصلاح التمثيل الضعيف داخلياً وخارجياً. وقد جعلت هذه المشكلة في المرتبة الثالثة لأنني أعتقد أن من الخطأ تحديد مهام هذه الوظيفة بالاقتصار على الأمور الخاصة بالتمثيل، كما فعل بعض مؤيدي رئيس الوزراء البريطاني السابق، توني بلير. لكنها تظل ضمن قائمتي لأن عكس ذلك ليس من الأمور المرغوب فيها كذلك، كما يقول بعض الذين يدعون إلى أن يكون رئيس المجلس منتمياً إلى إحدى الدول الصغيرة في الاتحاد الأوروبي.

الاستقبال الذي حظيت به ميركل في واشنطن في الأسبوع الماضي أظهر بصورة مثيرة للإعجاب أن أوروبا لا تفتقر إلى زعماء يمكنهم «إيقاف حركة المرور» في عاصمة أجنبية، كما طالب بذلك وبقوة، وزير خارجية المملكة المتحدة، ديفيد ميليبان، في تبنيه الأخير لتوني بلير مرشحا لمنصب رئيس المجلس الأوروبي. ومثل هذه المناقشات يفوتها أن رئيس مجلسنا الأوروبي غير المنتخب، وغير المتمتع بدعم دستوري، لا يمكن أن يكون الند الأوروبي للرئيس الأمريكي، باراك أوباما.

ماذا عن الحجة القائلة إن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى تعيين شخصية معروفة جيداً على النطاق العالمي من أجل زيادة الثقل الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي؟ أعتقد أنها حجة تبالغ بخصوص ما يمكن أن يفعله رئيس مجلس أوروبي غير منتخب في ظل غياب سياسة خارجية مشتركة. وتعمل معاهدة لشبونة على التأسيس لخدمة دبلوماسية مشتركة، وتؤكد أهمية المنصب الجديد لممثل على مستوى رفيع للسياسة الخارجية، وهو منصب كان يشار إليه في الصيغة السابقة للمعاهدة بأنه وزير خارجية أوروبا. وهنا علينا أن نتطلع إلى قيادة سياسية خارجية أكثر توافقاً وأكثر فاعلية. ومما لا شك فيه أن رئيس المجلس سيضيف صوته إلى السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، لكن سيكون من الخطأ أن يتصرف رئيس المجلس على أساس أنه رئيس دبلوماسية الاتحاد الأوروبي، لأن من شأن ذلك أن يوصلنا إلى وجود وزيري خارجية غير فاعلين ومتنافسين، ويوصلنا كذلك إلى فقدان التنسيق الداخلي الملائم.

بهذا التعريف لهذه الوظيفة، فإنها ستكون في غاية الصعوبة، بل وربما تكون مستحيلة من حيث القدرة على الوفاء بمتطلباتها. وربما تتطلب شخصية سياسية استثنائية. وأجد نفسي أعاني من أجل طرح اسم مناسب، إذ لدي شكوكي الخاصة فيما يتعلق بكل الأسماء التي يدور حولها النقاش. وسيكون القرار النهائي، دون شك، بمثابة نوع من المقايضة بين اليسار واليمين، والشمال والجنوب، والشرق والغرب، والرجال والنساء. لكن ما من شك لدي في أن نجاح، أو فشل أول رئيس للمجلس الأوروبي، يعتمد بصورة رئيسية على هذه العوامل الثلاثة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية