الاثنين, 10 أغسطس 2026|25 صَفَر 1448
الاقتصادية

يعطي سوفرين كابان تفسيراً بسيطاً لكنه ذو دلالة على التدافع الحالي للبنوك الأوروبية لطرق أبواب حملة أسهمها للحصول منهم على أموال جديدة . إذ يقول كابان، وهو نائب الرئيس التنفيذي لبنك سوسييتي جنرال الذي يعتبر واحداً من أكبر البنوك الفرنسية والذي انضم إلى موجة إصدارات أسهم الأحقية هذا الشهر: «فتحت الأسواق نافذة القيام بهذا الشيء. ولا أحد يعلم فيما إذا كانت أسواق الأسهم سوف تظل مفتوحة».

كان هناك أولاً بنك بي إن بي باريباس، وتلاه في الموجة الأخيرة بنك سوسيتي جنرال، وبنك يونيكريدت الإيطالي، وبنك دي إى بي نور النرويجي، وبنك سويدبانك السويدي، وبنك ألفا اليوناني، وبعدئذ انضم إلى هذه الموجة في الأسبوع الماضي بنك آي إن جي الهولندي. وخلال الأسابيع الأربعة الأخيرة، طلبت سبعة من أكبر البنوك في القارة الأوروبية مجتمعة حوالي 25 مليار يورو، ما يعادل 37 مليار دولار، 23 مليار جنيه استرليني) لكي تتمكن من سداد الأموال التي حصلت عليها من الحكومات من أجل إنقاذها.

والآن، يتهيأ المستثمرون لصفقتين من أكبر مؤسستين تم إنقاذهما في المملكة المتحدة – وهما مجموعة لويدز المملوكة للحكومة بنسبة 43.5 في المائة، وبنك رويال بانك أوف سكوتلند، المملوك للدولة بنسبة 70 في المائة. وقد أعدت مجموعة لويدز خطة لجمع مبلغ يتراوح بين 15 و 20 مليار جنيه استرليني من الأموال الجديدة كجزء من خطة لإعادة التمويل تبلغ قيمتها 25 مليار جنيه إسترليني، بينما يخطط بنك رويال بانك أوف سكوتلند الحريص على عدم التخلف عن الركب لجمع مبلغ أقل قدره خمسة مليارات جنيه استرليني.

لم تكد تمضي سنة على وصول الأزمة المالية إلى أوجها، حين اضطرت الحكومات حول العالم لضخ مليارات الجنيهات في بنوك بلدانها حتى بدأنا نجد أن الكثير من هذه المؤسسات تندفع في الاتجاه المقابل انطلاقاً من رغبتها الشديدة في التخلص من قيود سيطرة الدولة عليها. وفجأة تشعر البنوك بقدر كاف من التفاؤل بشأن الآفاق المستقبلية لدرجة أصبحت ترغب معها في العودة إلى العمل وحدها مرة أخرى. ولذلك فإنها تقوم بأقصى سرعة ممكنة بشراء أموال الإنقاذ – التي هي عبارة عن حصص الأسهم، وأسهم الأفضلية، وسندات الدرجة الثانية- كما تقوم بالتخلص من الضمانات الحكومية لديونها.

ويُرجع ماثيو ويسترمان، الرئيس العالمي لأسواق مال الأسهم في بنك جولدمان ساكس، الموجة الأخيرة من عمليات جمع رأس المال إلى القرار الجريء الذي اتخذه بنك إتش إس بي سي HSBC البريطاني في فصل الربيع والمتمثل في طرح إصدار لأسهم الأحقية بقيمة 12.5 مليار جنيه إسترليني (20 مليار دولار،14 مليار يورو)- وهو أضخم إصدار من نوعه بالنسبة لأي نوع من الشركات في أي مكان – فيما ثبت أنه أدنى نقطة وصلت إليها أسواق الأسهم في ستة أعوام. ومنذ ذلك الوقت، ارتفع مؤشر FTSE للبنوك العالمية بنسبة 155 في المائة. ويقول ويسترمان الذي يقدم الاستشارات لبنك إتش إس بي سي: «كان بنك إتش إس بي سي المحرك الرئيس لكل من موجة إصدارات أسهم الأحقية والتحول الصعودي في العاطفة إزاء أسهم الخدمات المالية»، مضيفاً أنه نتيجة للأزمة فإن: «الكثير من المساهمين مستثمرون بأقل من طاقاتهم نسبياً» في القطاع.

كان النشاط الذي شهدته الأسواق في أشهر الصيف وسيلة تعزيز مزدوجة بالنسبة للبنوك . فمن ناحية، فإن إصدار أسهم جديدة بأسعار أفضل كان معناه قلة ذوبان القيمة بالنسبة للمساهمين الحاليين. ومن ناحية أخرى، كانت الأسواق النشطة جيدة بالنسبة للعمل الأساسي للبنوك- وخاصة بالنسبة للمجموعات الفرنسية التي كانت البادئة في جنون إصدارات الحقوق، التي لدى كل منها وحدات صيرفة استثمارية تعززت عبر تعافي إيرادات تداول الأسهم والسندات.

غير أن نشاط الأسواق واندفاعها ليس إلا جزءاً واحدا من التفسير. ذلك أن المصرفيين متفقون على أن المحرك الأكبر كان اجتماع مجموعة العشرين في الشهر الماضي والذي رسم فيه أقوى السياسيين في العالم البيئة التنظيمية المستقبلية فيما يخص الصناعة المصرفية. فإلى جانب القيود التي تم الترويج لها كثيراً فيما يتعلق بمكافآت المصرفيين، كان القرار الذي يوجب على البنوك أن تحتفظ بوسائل وقاية رأسمالية أكبر في المستقبل أكثر دلالة ومغزى بالنسبة للبنوك أنفسها.

وربما يكون من المغري أن نستنتج بأن مطالبة مجموعة العشرين بأن تحتفظ البنوك برأسمال أكبر دفع بموجة إصدارات أسهم الأحقية عندما عملت البنوك من أجل التقيد بهذا الطلب. غير أن الأمور ليست بهذه البساطة. وفي واقع الأمر، هناك إحساس بأن عمالقة القطاع المالي في العالم التي حركتها الأزمة وبعد أن هندمت نفسها مرة أخرى تقوم بجمع أقل مبلغ ممكن لكي تقوم بسداد أموال الإنقاذ والاعتماد على الأرباح المستقبلية لسداد المبالغ الأخرى المترتبة عليها.

يقول سيريل كورت، وهو مصرفي متخصص بشؤون أسواق المال في بنك إتش إس بي سي الذي أدار عملية إصدار أسهم الأحقية التي قام بها بنك بي إن بي باريباس: «الموعد الذي حددته مجموعة العشرين لزيادة رأس المال في موعد لا يتجاوز نهاية عام 2012 يعني أن البنوك تستطيع الاعتماد على ثلاث سنوات من الأرباح المستبقاة. لقد كانت مجموعة العشرين أساسية في تحديد المبلغ (الأصغر) من رأس المال الذي سوف يتعين على البنوك أن تجمعه». وبعبارة أخرى، فإن عمليات جمع الأموال الكبيرة التي كانت بعض البنوك تخشى ضرورة القيام بها كانت غير ضرورية. وبالنسبة للعمليات التي جرت، فقد كانت متواضعة واقتصرت إلى حد كبير على البنوك التي حصلت على أموال إنقاذ من الحكومة ويتعين عليها أن تقوم بسدادها.

وبعد يومين من مغادرة زعماء مجموعة العشرين مدينة بيتسبيرغ في الشهر الماضي، أعلن بنك بي إن بي باريباس عن إصدار أسهم الأحقية الخاصة به بقيمة 4.3 مليار يورو، وتبعه في الليلة نفسها بنك يونيكريدت، ولحقه بعد أسبوع بنك سوسييتي جنرال، وكلاهما بقيمة مشابهة. وقد تبين أن الإصدار الذي طرحه بنك بي إن بي باريباس والذي انتهى في الأسبوع الماضي حظي بإقبال شديد حيث أن 99 من المستثمرين اشتروا الأسهم المخصصة لهم ــ الأمر الذي سوف يقنع البنوك المنافسة بأن تحذو حذوه. إذ يقول مارينوس يانوبولس، المدير المالي لبنك ألفا: «رأينا رد الفعل في السوق على خروج البنوك الأوروبية الأخرى من الدعم الحكومي. وعليه فقد اعتقدنا أنه ينبغي علينا أن نفتح الطريق أمام البنوك اليونانية للخروج من خطة الدعم اليونانية».

القرار الذي اتخذه بنك آي إن جي في الأسبوع الماضي لجمع 7.5 مليار يورو ــ ليستخدم خمسة مليارات منها لسداد نصف أموال الإنقاذ الحكومية، وليستخدم مبلغاً آخر منها قيمته 1.3 مليار يورو لتمويل رسم ينبغي دفعه للحكومة على برنامج دعم قروض الرهن التي يقدمها ــ يوضح بعداً آخر لإصدارات أسهم الأحقية: وهو أن برامج الإنقاذ الكبيرة كتلك التي تم تقديمها لبنوك «آي إن جي» ، و«لويدز»، و«رويال بانك أوف سكوتلند»، و«كوميرزبانك» الألماني تخضع لأحكام المفوضية الأوروبية الخاصة بالمساعدات التي تقدمها الدولة. فالرسم المترتب على بنك آي إن جي وقدره 1.3 مليار يورو والذي أملته بروكسيل كان أعلى مما كان متوقعاً في الأصل ولذلك فإنه تطلب أموالا إضافية.

ويتوقع المحللون أن تقود بنوك من قبيل «كوميرز بانك»، و«ألايد آيريش بانكس» و«بانك أوف ايرلندا» الموجة التالية من عمليات جمع الأموال. إذ يقول السيد ويسترمان من بنك جولدمان ساكس: «إذا كنت جالساً في ايرلندا أو ألمانيا، فينبغي أن تتشجع بما يجري في البلدان الأوروبية الأخرى». ولكن في بنك جيه بي مورجان، يحذر المحلل كيان أبو حسين قائلاً: «الأمر أصعب بكثير بالنسبة لمثل هذه البنوك بسبب ارتفاع مستوى الانخراط الحكومي». فلدى «كوميرز بانك»، على سبيل المثال، مبلغ 16.4 مليار يورو فقط على شكل ما يدعى بالمشاركات الصامتة من الدولة – وهذه شكل من أشكال أسهم الأفضلية – الأمر الذي يقزم رسملته السوقية التي تبلغ حوالي 10 مليارات يورو.

غير أن الأمر الأصعب سيكون معركة العودة بالأمور إلى طبيعتها بالنسبة للمجموعات التي تم تأميمها بالكامل أثناء الأزمة – ومن بينها «أيسلانديك بانكس»، و«أنجلو آيريش بانك» الايرلندي و«نورذرن روك» في المملكة المتحدة. وحتى «لويدز» و«رويال بانك أوف سكوتلند» اللذين تم تأميمهما بصورة جزئية لديهما فرصة ضئيلة للتخلص من الأموال التي حصلا عليها من الحكومة في أي وقت قريب رغم خططهما الخاصة بجمع الأموال.

إن تلك الأموال تهدف فقط إلى تجنب أو تخفيف المشاركة في عنصر آخر من عناصر عملية الإنقاذ – أي شراء التأمين من الدولة مقابل أصول سامة تبلغ قيمتها مجتمعة 585 مليار جنيه استرليني. وسيعود للحكومة قرار تحديد الوقت الذي سوف تبيع فيه حصتها ومن المرجح أن تستغرق هذه العملية سنوات.

ومن المتوقع أن تستمر القيود الراهنة على عمليات جمع الأموال التي تقوم بها البنوك حتى تحدث حالة من الاضطراب الاقتصادي تدفع أسواق الأسهم إلى التراجع مرة أخرى، الأمر الذي سيغلق نافذة جمع الأموال.

جاءت بعض الصفقات من البنوك التي لا تتدخل الحكومة في شؤونها ــ وخاصة عملية الإصدار القياسية التي قام بها بنك إتش إس بي سي في فصل الربيع، وعملية طرح الأسهم التي قام بها بنك نومورا الياباني بقيمة 5.6 مليار دولار في الشهر الماضي. وجاءت أولى عمليات سداد الأموال الحكومية في الولايات المتحدة في شهر حزيران (يونيو) عندما قامت عشرة بنوك من بينها «جولدمان ساكس»، و«جيه بي مورجان تشيز» و«مورجان ستانلي» مجتمعة بسداد مبلغ 68 مليار دولار تلقتها قبل ثمانية أشهر بموجب ما يدعى ببرنامج إنقاذ الموجودات المتعثرة. وكشرط مسبق لتلك الصفقة، أجبرت واشنطن تلك البنوك على القيام بجمع تمويل جديد للأسهم والسندات.

أما أكثر العمليات شبهاً بتلك الخطوة فكانت عندما قام بنك يو بي إس في صيف هذا العام بإصدار أسهم قيمتها 3.8 مليار فرانك سويسري (ما يعادل 3.7 مليار دولار، 2.5 مليار يورو، 2.3 مليار جنيه إسترليني) قبل بضعة أسابيع من قيام الحكومة السويسرية بطرح حصتها البالغة 9 في المائة من بنك يو بي إس في السوق.

إن لدى جميع هذه البنوك الدوافع نفسها لتحرير نفسها من الملكية الحكومية. إذ يقول يانوبولس من بنك الفا: «لا أعتقد أن الكثير من المصرفيين سيقولون لك إنهم يحبون الحكومة كمستثمر».

وإلى جانب وصمة العار على سمعتها بسبب اضطرارها للاعتماد على العكازة الحكومية، وإشغال الإدارة بضرورة الاتصال مع ممثلي الدول، تشكو البنوك من ثلاثة قيود كبيرة.

فأكثر ما يثير قلق المستثمرين التجاريين في المدى القصير هي القيود المفروضة على توزيعات أرباح الأسهم وعلى كوبونات السندات (قسائم الأرباح). فعلى غرار ما حدث مع بنك رويال بانك أوف سكوتلند، من المتوقع أن تشعر المفوضية الأوروبية مجموعة لويدز بوجوب تأجيل بعض الكوبونات.

وتم أيضاً ممارسة ضغط كبير على البنوك الخاضعة لإشراف الدولة لزيادة عمليات الإقراض والمساعدة في دعم الشركات والأفراد الذين يواجهون ظروفاً صعبة في ظل الانكماش الاقتصادي. وفي بعض البلدان، ليست هناك أهداف دقيقة لذلك. ففي الولايات المتحدة، لم يقدم بنك سيتي جروب المملوك بنسبة 34 في المائة للحكومة الاتحادية أي وعد محدد ولكنه وضع خططاً لتقديم قروض إضافية بمبلغ 50 مليار دولار على حساب أموال الإنقاذ التي حصل عليها. وفي المملكة المتحدة، كانت الأهداف من بين الأكثر تطرفاً حيث تلقى بنك رويال بانك أوف سكوتلند ومجموعة لويدز أمراً بإقراض مبلغ إضافي قدره 39 مليار جنيه استرليني فيما بينهما لعملاء الرهن العقاري وللشركات.

وتشكو بعض البنوك سراً من أن تلك الأهداف يمكن أن تكون غير واقعية، في حين ينتاب المستثمرين والمحللين قلق من تعرض البنوك للضغط لتقديم القروض لعملاء غير جديرين بأسعار غير اقتصادية – وهو أمر قد يعود بنتائج عكسية في الأشهر والأعوام المقبلة، الأمر الذي يضاعف تداعيات الأزمة المالية. وهناك مجموعات أخرى تشعر بالتفاؤل. إذ يصر بنك سوسييتي جنرال مثلاً على أنه غير قلق. ويقول كابان: «إننا لم نضح بالإرشادات الخاصة بالحظر ولا بسياسة المخاطر. ولم نتعرض لضغط من الحكومة فيما يتعلق بالمخاطرة».

أما أكثر الأمور إثارة للنزاع بالنسبة لجميع البنوك فيما يتعلق بالحكومات كمستثمرين فهو مسألة الأجور. فقد بدا في الأسبوع الماضي أن الحكومة الأمريكية سوف تجري تخفيضاً بنسبة 90 في المائة على المرتب النقدي الذي يتقاضاه أعلى 25 موظفاً في جميع الشركات التي ما زالت لديها أموال الدعم التي قدمتها الحكومة، وهذا يشمل مجموعتي «سيتي» و«بانك أوف أميركا ميريل لنتش».

وكان الرد في بلدان العالم الأخرى أقل تطرفاً، لكن الكثير من البنوك تعرضت للضغط من أجل احتواء مشكلة المرتبات والمكافآت. ويقول الموظفون الغاضبون إن الحكومات تعد العالم لسوق ذات نوعين من الإجراءات المحددة في معاهدة بازل لأن البنوك التي تم إنقاذها ستفقد أفضل موظفيها لصالح البنوك التي تدفع لهم أجوراً أعلى.

ورغم ذلك، إذا حافظ التعافي على استمراريته، فلن يمضي وقت طويل قبل أن تقف الأغلبية الساحقة من البنوك التي تم إنقاذها حول العالم على أقدامها مرة أخرى، الأمر الذي يعيد إلى الأذهان الأزمة المالية والإجراءات الحكومية غير المسبوقة التي أعقبتها كنوع من الانحراف السريالي في تاريخ الرأسمالية.

ولكن سوف يستمر الشعور بأثر الملكية الحكومية حتى وقت طويل في المستقبل. ذلك أن ممثلي الحكومة في مجالس إدارة البنوك لن يختفوا على الفور. وسوف يستمر الشعور بالتغييرات التي أدخلت على تعويضات المصرفيين ــ رغم أن المنتقدين يسخرون منها باعتبارها أقل القليل ــ على مدى سنوات، وكذلك سيتم الشعور بتصميم رجال السياسة والجهات التنظيمية على سواء على ضمان عدم حدوث شيء من هذا القبيل مرة أخرى.

يقول كابان من بنك سوسيتي جنرال: «سيكون التدقيق الحكومي في شؤون البنوك حول العالم شديداً جداً حتى بعد أن يتم سداد أموال الإنقاذ وذلك بسبب الخطر الذي قد يتعرض له النظام. وستكون طريقة إدارة الحكومات، والبنوك المركزية والجهات المسؤولة عن التنظيم لهذا الخطر الأثر الرئيس الذي ستخلفه هذه الأزمة».

ولكن على الأقل، لن تقوم الحكومات بهذا العمل باعتبارها مساهمة تملك حصة مسيطرة.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية