الأربعاء, 12 أغسطس 2026|27 صَفَر 1448
الاقتصادية

كانت أمريكا وما زالت بلداً يزدهر بالعمل الجاد، والاقتصاد في الإنفاق، والاعتماد على النفس. لقد استوعبنا جميعاً مقولة بنجامين فرانكلين: «النوم المبكر والنهوض المبكر يجعلان الشخص في صحة وعافية وثرياً وحكيماً».

لقد ساعد هذا على خلق الوظائف. وفي تطبيق لفكرة شومبيتر الخاصة بالتدمير الخلاق، فقدت الولايات المتحدة 44 مليون وظيفة في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، لكنها أوجدت بالتزامن مع ذلك 73 مليون وظيفة في القطاع الخاص. ومع بداية القرن كانت نسبة مذهلة بلغت 55 في المائة من مجموع القوة العاملة تعمل في وظائف جديدة، ثلثاها في صناعات تزيد مرتباتها على متوسط الأجور. لم يأت هذا الأمر مصادفة، بل يعزى إلى أننا نستفيد من نوع فريد من الرأسمالية التي تتخذ فيها المشاريع اتجاهاً من أسفل إلى أعلى.

لا يوجد اليوم ما يدل على أن هناك خلقاً للوظائف، بل على العكس تماماً، البطالة في ازدياد وملايين الوظائف اختفت. وبدلاً من الاقتصاد في الإنفاق، أصبحنا بلداً من السكان المدينين الذين يرزحون تحت قروض الرهن العقاري التي تفوق قيمة منازلنا، وتحت خطوط ائتمان تفوق قدرتنا على السداد. غير أن «الركود العظيم» غيّر أيضاً طبيعة البطالة، جاعلاً من الصعب على الذين خرجوا من عملهم إيجاد وظيفة يعملون فيها. والوسيلة الوحيدة التي نستطيع بواسطتها إصلاح النظام هي الاستثمار في البنية التحتية والابتكار.

إن نحو ثلث الذين ليست لديهم وظائف، وعددهم 15 مليون شخص، أمضوا ما لا يقل عن ستة أشهر دون عمل. وتعد هذه أعلى نسبة منذ بدأ العمل بالسجلات في 1948. وفي الوقت ذاته، انخفض أسبوع العمل بالنسبة للأشخاص الذين ما زالوا على رأس العمل إلى 33 ساعة في المتوسط، ومرة أخرى يعد هذا الأقل خلال 60 عاماً. وتقوم الشركات بتخفيض ساعات العمل، والأجور والميزات بدلاً من تسريح مزيد من العاملين. واليوم جميع العناصر التي يتكون منها دخل العاملين ــ وهي الوظائف، وساعات العمل، والأجور ــ تتعرض للضغط.

إن كثيراً من الأمريكيين الذين فقدوا وظائفهم ليس لديهم سبيل الآن للتعويض عن الدخل الذي خسروه. خذ ميزات البطالة التي تدفع ثلث الراتب الذي تتم خسارته حتى سقف معين. بصورة عامة، أحد شروط الحصول على هذه الميزة أن يكون الشخص قد عمل بدوام كامل في آخر وظيفة شغلها لمدة لا تقل عن عام. لكن هذا الشرط لا ينطبق على أكثر من نصف العاطلين عن العمل لأنهم أمضوا أقل من عام في وظائفهم قبل أن تسقط الفأس على الرأس، أو لأنهم كانوا يعملون بدوام جزئي، أو لحسابهم الخاص مقاولين مستقلين. ولذلك، فإن 43 في المائة فقط مؤهلون للحصول على ميزات البطالة. وحتى بالنسبة إليهم، القلق شديد: 61 في المائة منهم يخشون من انتهاء المدة التي يحق لهم خلالها الحصول على هذه الميزات قبل أن يجدوا عملاً. وهذا ينسحب على البيت بالزيادة الكبيرة في أعداد الذين يعتمدون على كوبونات الطعام والذين زاد عددهم 6.2 مليون شخص منذ بداية الركود. لقد بلغ عدد الذين يعتاشون على كوبونات الطعام الآن مستوى شبه قياسي يصل إلى واحد من كل تسعة أمريكيين.

هؤلاء الأشخاص، ذكورا وإناثاً، يدركون جيداً أن بقاءهم من دون عمل فترة طويلة يجعل من الصعب توظيفهم مرة أخرى. وهناك ما يبرر مخاوفهم: نحو ستة أشخاص لكل وظيفة تتوافر، ارتفاعاً من 1.7 شخص لكل وظيفة عندما بدأ الركود.

كذلك مزيج القوة العاملة تغير بدوره. فقد ارتفعت نسبة العاملين الذين تزيد أعمارهم على 55 عاماً بنسبة 8 في المائة. ووجد هؤلاء أنهم مضطرون لمواصلة العمل لأن قيمة منازلهم واستثماراتهم انخفضت. وفي الحقيقة، 63 في المائة من العاملين الذين تراوح أعمارهم بين 50 و61 عاماً يتوقعون أن يؤخروا سن التقاعد، الأمر الذي يقلل من فرص حصول العاملين الشباب على عمل. وخلال الركودين الأخيرين حقق الأشخاص الذين كانوا في أواسط الأربعينيات إلى أواسط الخمسينيات مكاسب من العمل، في حين أن العاملين الأصغر سناً تحملوا وطأة إلغاء الوظائف.

وبطبيعة الحال، العاملون الشباب لم ينجوا ــ ربع المراهقين الذين يبلغ عددهم نحو 1.6 مليون شاب من دون عمل. وارتفعت نسبة البطالة بين الأمريكيين الشباب إلى 52 في المائة ــ أعلى معدل بعد الحرب العالمية الثانية. لكن حتى الشريحة التي تراوح أعمارها بين 45 و54 عاماً تعرضت لفقدان الوظائف، وانخفضت أعداد العاملين منها بما يزيد على 1.2 مليون شخص. وهؤلاء هم الأشخاص الذين ينبغي أن يكونوا في أوج سنوات كسب الأجور.

ومما يؤسف له أن احتمالات إعادة التوظيف أصبحت أقل، لأن كثيرا من الوظائف ربما لا تعود ثانية أبداً، مثلا في قطاعي المال والتصنيع. وهذا يعني أن النمو وحده لن يوفر العمل لجميع الأمريكيين مرة أخرى. وإذا حدث أي نمو في الوظائف فسيأتي من قطاعات الرعاية الصحية، والتعليم، والمطاعم، وخدمات الضيافة. لقد وفر قطاع الرعاية الصحية وحده جميع الوظائف الصافية التي تم إيجادها في العقد الماضي. غير أن وظائف الخدمات هذه لا تستطيع أن تدعم النمو والابتكار.

لقد عرفنا أن الأجواء أظلمت، لكننا نعلم الآن أن أرقام البطالة أسوأ مما كان يعتقد في السابق. هذا هو الركود الوحيد منذ الكساد العظيم الذي يقضي على نمو جميع الوظائف الناجم عن دورة العمل السابقة. لقد وصل مقياس البطالة الأوسع، وهو «المؤشر الأسري» الذي يضم الأشخاص غير العاملين، أو الذين قلت ساعات عملهم إلى مستوى قياسي نسبته 17 في المائة. وأظهر المسح الأسري أن عدد الذين فقدوا وظائفهم في أيلول (سبتمبر) وصل إلى مستوى مذهل بلغ 785 ألف شخص. وهذا يشمل نحو 571 ألفا خرجوا من القوة العاملة في ذلك الشهر، ويفترض أن سبب خروجهم هو يأسهم من إيجاد عمل.

وعلى نحو مشابه، صُوِّرت البطالة للأشهر الـ 12 حتى آذار (مارس) بأقل من حقيقتها بعدد بلغ 824 ألف عاطل عن العمل. لقد فقدت الولايات المتحدة نحو ثلاثة ملايين وظيفة في الأشهر الثلاثة الأولى وحدها. ويتم فقدان الوظائف منذ 21 شهراً متتالية، وهي أطول سلسلة متصلة من فقدان الوظائف منذ بدأ نشر هذه المعلومات عام 1939.

إن المكتب الأمريكي للإحصائيات العمالية يحدد المعدل الرسمي للبطالة وفقاً لتعريفاته للبطالة. مثلا، إذا توقف الأشخاص عن البحث عن وظيفة لمدة أربعة أسابيع، فإنهم لا يحسبون مع العاطلين عن العمل. وهذا أمر سخيف. ذلك أن نحو 22 مليوناً من العاملين المحبطين يدخلون في أرقام البطالة. ولو شملتهم هذه الأرقام لكان معدل البطالة 11 في المائة وليس 9.8 في المائة ــ وهذا لا يشمل 1.8 مليون شخص آخر ممن تقاعدوا أو أصبحوا آباء وأمهات جالسين في البيوت.

ولا يشمل المعدل الرسمي للبطالة مليون شخص كانوا يعملون في وقت من الأوقات في قطاع بناء المساكن الذي فقد ثلاثة أرباع العاملين فيه وظائفهم. ولم يظهر هؤلاء الأشخاص في سجلات العاملين عندما كانوا يعملون ولا يظهرون في سجلات العاملين الآن لأنهم لا يعملون – لكنهم ما زالوا موجودين (بصورة غير قانونية) في البلد. ولا يشمل المعدل الرسمي للبطالة أيضاً نحو مليوني شخص دخلوا القوة العاملة منذ بدأ الركود وما زالوا دون عمل. ولو لم يتم تخفيض عدد ساعات العمل لربما أمكن القيام بهذا العمل في أسبوع العمل الاعتيادي بعمالة أقل عدداً بـ 3.5 مليون شخص، الأمر الذي من شأنه أن يرفع معدل البطالة بواقع 2.5 نقطة مئوية.

لا غرابة إذن في زوال الثقة بأننا نقترب من أدنى درجات الركود. فالنظرة المستقبلية كئيبة. وإذا حصل تعاف، ستقوم الشركات بملء أحمال العمل الإضافي عبر إضافة ساعات إلى أسابيع العمل التي تم اختصارها.

وبما أن الإنفاق يعتمد على العمل، فمن الأهمية بمكان أن نقرر ما إذا كانت سوق العمل ستظل ضعيفة. وفي ضوء مستوى المديونية الأسرية، وتراجع الثقة، وانخفاض قيمة البيوت والتشدد في الائتمان، من الصعب رؤية كيف يمكن أن يرتفع الإنفاق الاستهلاكي بما يكفي لتحسين الاحتمالات الاقتصادية بأكثر من تعاف ضعيف ــ لا يوجد سوى قليل من الوظائف الجديدة.

لم تواجه أسواق العمل مثل هذه المشكلات خلال أكثر من 70 عاماً. وسيتجاوز المعدل الرسمي للبطالة نسبة 10 في المائة بعد وقت قصير. ويقول نصف تجار التجزئة الأمريكيين إنهم سيضيفون عدداً قليلاً من الوظائف الموسمية خلال موسم الأعياد المقبل. ولعلنا نعيش بطالة طويلة الأجل من خانتين عشريتين تعطي فيها الأرقام الرسمية للبطالة صورة أقل سوءاً عن حدة هذه المشكلة.

إن البرامج الواسعة وحدها هي القادرة على مواجهة تحدي استعادة النمو المستقر إلى اقتصادنا. ويمكن أن يكون أحد هذه البرامج تأسيسَ بنك وطني للبنية التحتية ـ وهو ما ينادي به ويؤيده عضو الحزب الديمقراطي فيلكس روهاتن ـ تفرد له الحكومة 65 مليار دولار سنوياً لدعم إنشاء البنية التحتية على مستوى البلد. وينبغي أن يكون البنك قادراً على اقتراض مبلغ إضافي قدره 200 مليار دولار بضمانة الحكومة الاتحادية. إن من شأن هذا البرنامج أن يضمن استثماراً عقلانياً وليس سياسياً، ويوفر تطويراً طويل المدى للبنية التحتية على نطاق واسع يحقق أقصى أثر على الاقتصاد.

وبرنامج ثان يمكن أن يتمثل في ائتمان ضريبي بنسبة 100 في المائة للزيادات في عمليات البحث والتطوير التي تقوم بها الشركات الأمريكية. وبهذه الطريقة نستطيع تحفيز القدرة على الإبداع والابتكار الفني، ونحقق بذلك فترة شومبيترية أخرى من النمو لأمريكا. لا وقت لدينا لنضيعه.

الكاتب رئيس تحرير مجلة US News & World Report ورئيس مجلس إدارة شركة بوسطون بروبرتيز Boston Rroperties وأحد مؤسسيها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية