لقد فقدت الرأسمالية حسها الأخلاقي. فمنذ اندلاع الأزمة المالية ركزت سبل العلاج على رأس المال والأسهم والبنية. ومن المؤكد أن هذه الأمور ضرورية، لكن الأهم منها أن نعالج الخلل الذي تعاني منه الروح الأخلاقية والإنسانية، الذي كان الأساس الحقيقي للأزمة. وسنكرر أخطاءنا لا محالة إذا لم نُعِد الأخلاقيات السليمة للسلوك الاقتصادي.
لقد نسي الشأن المالي في الأعوام الأخيرة، أو تجاهل أنه خادم وليس سيداً. لقد قامت أخلاقيات زمننا على ترك القرار للأسواق. فقد أصبحنا نحن والسوق شيئاً واحداً وغاب عنها غرضها الحقيقي: تمكيننا من القيام بواجب ندين به للمجتمع الأعم نظراً لصفة الإنسانية التي نشترك فيها. لقد أوجد أصحاب الأموال الائتمان من لا شيء، لكنهم تجنبوا تحمل المسؤولية المترتبة على ذلك.
ومع ذلك لديَّ إيمان راسخ بأن الرأسمالية هي أفضل الطرق التي نعرفها لتحسين مستويات معيشة الناس. ولهذا السبب تحديداً يعتبر إيجاد الثروة واجباً. وكما أكد وزير مالية الظل في بريطانيا، جورج أوزبورن، يجب دعم الشركات، لأن المجتمع ككل يستفيد من ذلك – شريطة أن يقوم المشروع الفردي على قيم تحظى بقبول واسع ومتفق عليها.
لقد فهم آدم سميث هذا. وبعيداً عن كونه أبا المنافسة الضارية ــ كما يتم تصويره في كثير من الأحيان – كان يعتقد أن الاقتصاد لا يمكن أن يؤدي وظيفته بالشكل المناسب إذا لم يقم على أسس أخلاقية. ولم يكن يعتقد أن الناس ينبغي لهم التصرف من دون إعطاء أي اعتبار لبعضهم بعضا.
فلماذا نفكر بعكس ذلك؟ ولماذا فقدنا كل قواعد الحديث الأخلاقي في مجال العمل على الأقل؟ السبب الأساسي هو أن المكاسب قصيرة الأجل من العولمة بهرتنا، الأمر الذي أعمانا عن مسؤوليات وفوائد الترابط في المدى الطويل. إن الأسواق تتكون من الناس والسوق العالمية ليست استثناءً.
هؤلاء الناس ــ المجتمع ككل ــ هم الشركاء غير المرئيين الموجودين دائماً في العمل، وليس أقله عالم المال. ووجودهم يعتبر توبيخاً لوجهة النظر التي سادت في الأعوام الأخيرة حول ما هو الإنساني.
إن المهمة الملقاة على عاتقنا هي استعادة ذلك الحديث وإعادة النظر في الروح الأخلاقية للرأسمالية كي تخدم جميع الناس على أفضل وجه. ورغم أن التنظيم ضروري، إلا أنه لا يكفي. إن التأشير على إحدى الخانات بإشارة صح لا يعني القيام بالواجب. لدينا رغبات روحانية (التوق إلى السعادة) ولدينا روح أخلاقية (الإحساس الغريزي بأن العمل الجيد يأتي من عمل الشيء الصحيح) إضافة إلى أن لدينا احتياجات مالية.
إن تلك الروح الأخلاقية تتجسد في المبدأ البسيط القائل «عامل الناس كما تحب أن يعاملوك». وصدى هذا المبدأ يتردد في الأديان، والثقافات، والزمن. وقيمته العملية واضحة بجلاء: لو سار مقدمو الرهون غير ذات الملاءة التي كانت غير نزيهة في بعض الأحيان على هذه القاعدة الذهبية لأمكن تجنب كثير من البؤس والشقاء. لكنهم لسوء الحظ لم يسيروا على هذه القاعدة الذهبية. ولذلك، نعاني من التبعات رغم أن كل العاملين في الأسواق المالية كانوا يعرفون هذه القاعدة ولا يجادل فيها إلا قليلون. إن عدم العمل بموجب مبدأ يعترف به الجميع ليس ناشئاً عن الإغراء القوي بتحقيق المكاسب في الأجل القصير، بالرغم من إغرائها، بل السبب الأعمق لذلك هو افتقارنا لطريقة نغرس بها هذه القاعدة في التصرفات اليومية.
إن تحويل هذا المبدأ إلى ممارسة يتطلب وجهة نظر عالمية. ومن ناحية جوهرية وجهة النظر العالمية لها عنصران: منظومة افتراضات بشأن عالمنا، وتطبيق تلك الافتراضات على الحياة. إن النظرة العالمية تجسد مقولة تصف نهاية الرحلة – أي نوع من المجتمع نريد. وفي اعتقادي أن الأمر ينبغي أن يكون أن الأسواق موجودة لخدمة الناس. وعندها نستطيع أن نبدأ التصرف بالروح الأخلاقية للرأسمالية، عبر تعريف الأسواق بأبعادها الأخلاقية والروحية.
لا يمكن عمل ذلك بين عشية وضحاها. ويترتب علينا أن نتخذ ثلاث خطوات عملية: القدوة، والتعليم، والانخراط. أما القدوة فيجب أن يضعها القادة. أما التعليم فيعني زرع ثقافة الشركات القوية في قادة المستقبل وتأسيس لجان للأخلاق في الشركات على غرار لجان المكافآت. وأما الانخراط فيعني إقامة روابط مع جميع الشركاء الاجتماعيين الآخرين الذين يجعلون النشاط العملي ممكنا وزيادة التبرعات الخيرية ومعالجة مشاكل البيئة والفقر. وبهذه الطرق نستطيع إعادة ربط الرأسمالية بحسها الأخلاقي.
الكاتب رئيس شركة لازارد إنترناشونال وأستاذ جريشام للتجارة. وهذا المقال مبني على محاضرة ألقاها في كلية جريشام في لندن.

