الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 18 يونيو 2026 | 2 مُحَرَّم 1448
Logo

هناك : حذار من الصبر !

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الجمعة 6 نوفمبر 2009 18:53
هناك : حذار من الصبر !

عبدالحليم البراك

في مستشفي يو دبليو هيلث في مدينة ماديسون توجد لافته معلقة في غرفة انتظار المرضى ملخصها : "إن مضى على موعدك المحدد أكثر من خمسة عشر دقيقة ولم يتم النداء بإسمك، نرجو منك سرعة مراجعة الإستقبال " ورغم أن الرسالة المكتوبة واضحة ، إلا أن هناك رسالة ضمنية طويلة في هذه اللافته غير مكتوبة مفادها : " الناس هنا صبورة للغاية لدرجة أن بعضهم يأتي وينتظر أكثر من الوقت المحدد لذلك نأمل الإحاطة بعدم " الصبر " اكثر من اللازم ، فهذا الشيء غير مرغوب فيه ، لذلك نأمل أن تشعر موظف الإستقبال في ذلك ، لأنه ربما نسي أحد الموظفين موعدك " وبذلك نرى أن الصبر والهدوء والبرود في التعامل سمة دول معينة ، ولكن في دول أخرى لا يستطيعون الصبر مطلقاً ويعانون من جنون السرعة والإستعجال والرغبة في اختصار المختصرات أيضاً ، تجد هذا الذي يتجاوز الإشارة وهي حمراء بلا دافع حقيقي ، والذي يتجاوزك في صف بدعوى أنه مستعجل ، والذي يتحدث مع الموظف الذي تتحدث معه بدعوى أن موضوعه قصير واحتياجه شيء بسيط للغاية لدرجة لا يستطيع الإنتظار وربما نسي أحدهم نفسه من امتزاج الإستعجال في ذواتنا لدرجة أنه من الممكن أن يصطدم جسده بجسدك من السرعة وتتفاجأ أنه في الحقيقة لا شيء يدعوه لكل هذه العجلة !

الصبر والهدوء ميزة مختبئة وخجولة في بلدنا حتى أن الإنسان الصبور يمكن أن يكون مادة للتهكم في وأن هذه الميزة تحولت بقدرة قادرة إلى منقصة أو عيب ، وهذا مرض اجتماعي آخر يحتاج لعلاج أخر !

العجلة والصبر هذان الندان ، لم يأتيا من فراغ ، بل من ثقافة ، الأول ( العجلة والسرعة ) نشأ في مجتمع لا يحفل في الآخر ، ولا يعتني فيه ، ويعتقد أنه يهتم بالوقت ، وهو في الواقع لا يهتم إلا في وقته هو ، وهذه أنانية اجتماعية ، ويتجاهل الأخرين ورغباتهم وكذلك أهمية الوقت بالنسبة لهم ، بينما الثاني ( الصبر ) هو سلوك يعتبر أن أهمية الوقت هو أهمية مشتركة للجميع وأن منح أي عمل مزيداً من الوقت كفيل بحل إشكاليات التأخر وهو يعتبر عن شراكة حقيقة مع الآخرين .

يمكن الوصول للصبر عندما يشعر الإنسان بالمشكلة التي يعاني منها ، ومن ثم يعمل على تربية نفسه ويمرّن عقله و وسلوكه على الصبر ويعاقب نفسه تماماً فيما لو أفلت منه زمام الصبر وانضم إلى جحافل العجلة المنتشرة في الشارع والمحلات ، وأن يدرك تماماً فوائد الصبر المنعكسة عليه وعلى سلوكه وعلى أسرته وأبناءه ، بل على مجتمع يتميز بالصبر.

لكن ثمة إشكالية كبيرة جداً في محاولات كبح جماح التسرّع واللجوء للصبر لدى بعض الناس في مجتمعات تتفن في القفز على حقوق الأخرين وعلى محاولات تعليب لغة الصراع على لغة الشراكة فعلى من يحاول الصبر أن يكون لديه تمييز كبير بين الصبر على أن ينال الآخرين حقوقهم قبله مداموا يستحقون هذه الحقوق وبين التساهل في حقوقه الشخصية المكتسبة . فجانب الوعي بالصبر أم مهم جداً ، وهو تربية وسلوك وثقافة أكثر مما هو ممارسة شخصية أو ميزة يمكن أن يتمتع بها شخص دون الآخر (المجتمعات المتقدمة تعتبره سلوك وثقافة بينما يظهر – لو ظهر – في المجتمعات الأخرى كما لو كان حالة فردية فحسب !) فنحن بحاجة للصبر وأظن أني بحاجة للصبر أملاً في أن يظهر الصبر في مجتمعنا !

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية